جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
يقول تعالى ذكره : فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا، فكشفنا ما كان به من ضرّ وبلاء وجهد. وكان الضرّ الذي أصابه والبلاء الذي نزل به، امتحانا من الله له واختبارا. وكان سبب ذلك كما :
حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام، قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه، أنه كان صابرا نعم العبد. قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القُربة من الله والفضيلة عنده، وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام، فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ثم تلقاه ميكائيل، وحَوْله الملائكة المقرّبون حافين من حول العرش. وشاع ذلك في الملائكة المقرّبين، صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلت عليه ملائكة السموات، هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض. وكان إبليس لا يُحْجَب بشيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيث شاء ما أرادوا، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة. فلم يزل على ذلك يصعد في السموات، حتى رفع الله عيسى ابن مريم، فحُجِب من أربع، وكان يصعد في ثلاث. فلما بعث الله محمدا ﷺ، حُجِب من الثلاث الباقية، فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السموات إلى يوم القيامة إلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ولذلك أنكرت الجنّ ما كانت تعرف حين قالت : وَأنّا لَمَسْنا السّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسا شَدِيدا. . . إلى قوله : شِهابا رَصَدا. قال وهب : فلم يَرُعْ إبليس إلا تجاوبُ ملائكتها بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه. فلما سمع إبليس صلاة الملائكة، أدركه البغي والحسد، وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه، فقال : يا إلهي، نظرت في أمر عبدك أيوب، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك، وعافَيْتَهُ فحمدك، ثم لم تجرّبه بشدة ولم تجرّبه ببلاء، وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينك وليعبدنّ غيرك قال الله تبارك وتعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ماله، فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني، ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله، حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البَثَنِية من الشام كلها، بما فيها من شرقها وغربها، وكان له بها ألف شاة برعاتها، وخمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، وحمل آلة كل فدان أتانٌ، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمع إبليس الشياطين، قال لهم : ماذا عندكم من القوّة والمعرفة ؟ فإني قد سُلطت على مال أيوب، فهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. قال عفريت من الشياطين : أعطيتُ من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه. فقال له إبليس : فأت الإبل ورُعاتَها. فانطلق يؤمّ الإبل، وذلك حين وضعت رؤسها وثبتت في مراعيها، فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلا احترق، فلم يزل يُحْرقها ورعاتَها حتى أتى على آخرها فلما فرغ منها تمثل إبليس على قَعُود منها براعيها، ثم انطلق يؤم أيوب، حتى وجده قائما يصلي، فقال : يا أيوب قال : لبيك قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه، وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديما ما وطّنْت نفسي ومالي على الفناء. قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتَها، حتى أتى على آخر شيء منها ومن رعاتها، فتركت الناس مبهوتين، وهم وقوف عليها يتعجبون، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنه وليه، ومنهم من يقول : بل هو فَعَل الذي فعل ليشمت به عدوّه وليفجع به صديقه. قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عُرْيانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارَك الله وتجزع حين قبض عاريّته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع ملك الأرواح، فآجرني فيك وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرّا فأخرك من أجله فعرّاك الله من المصيبة وخلصك من من البلاء كما يخلص الزّوان من القمح الخلاص.
ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلاً، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكُلِم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة ما إذا شئت صِحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه. قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتَها فانطلق يؤمّ الغنم ورعاتها، حتى إذا وَسَطها صاح صوتا جَثَمَتْ أمواتا من عند آخرها ورعاءَها. ثم خرج إبليس متمثلاً بقَهْرمان الرّعاء، حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي، فقال له القول الأوّل، وردّ عليه أيوب الردّ الأوّل. ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكْلِم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة إذا شئت تحوّلت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا. قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث فانطلق يؤمهم، وذلك حين قَرّبوا الفَدَادين وأنشئوا في الحرث، والأتن وأولادها رُتوع، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن. ثم خرج إبليس متمثلاً بقهْرمان الحَرْث، حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأوّل، وردّ عليه أيوب مثل ردّه الأوّل.
فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه، صعد سريعا، حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه فقال : يا إلهي، إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده، فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلّة، والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم. فقال الله تعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ولده، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله جوادا، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح الجُدُر بعضها ببعض، ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مَثّل بهم كل مُثْلة، رفع بهم القصر، حتى إذا أقّلة بهم فصاروا فيه منكّسين، انطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة، وهو جريج، مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدّة التغير والمُثْلة التي جاء متمثلاً فيها. فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه، وقال له : يا أيوب، لو رأيت كيف أفلتّ من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عُذّبوا وكيف مُثّل بهم وكيف قُلِبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم، ولو رأيت كيف شُقّتْ بطونهم فتناثرت أمعاؤهم، ولو رأيت كيف قُذِفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم، وكيف دقّ الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم، ولو رأيت العصب عُريانا، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف، ولو رأيت الوجوه مشدوخة، ولو رأيت الجدُرُ تَناطَحُ عليهم، ولو رأيت ما رأيت، قطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه، ولم يزل يرقّقه حتى رقّ أيوب فبكي، وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ( الفُرصة منه ) عند ذلك، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر، وصَعَد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه، فبدروا إبليس إلى الله، فوجدوه قد علم بالذي رُفع إليه من توبة أيوب، فوقف إبليس خازيا ذليلاً، فقال : يا إلهي، إنما هوّن على أيوب خَطَر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلّطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك، وليكفرنّ بك، وليَجْحَدنّكّ نعمتك قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله.
فانقضّ عدوّ الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجّل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قِبَل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فترهّل، ونبتت ( به ) ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حِكّة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكّ بالعظام، وحكّ بالحجارة الخشنة وبقطع المُسوح الخشنة، فلم يزل يحكّه حتى نَفِد لحمه وتقطع. ولما نَغِل جلد أيوب وتغير وانتن، أخرجه أهل القرية، فجعلوه على تلّ وجعلوا له عريشا. ورفضه خلق الله غيرَ امرأته، فكانت تختلف إليه بما يُصلحه ويلزمه. وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه، يُقال لأحدهم بلدد، وأليفز، وصافر. قال : فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه، فبكّتوه فلما سمع منهم أقبل على ربه، فقال أيوب ﷺ : ربّ لأيّ شيء خلقتني ؟ لو كنتَ إذْ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني يا ليتني كنت حَيْضة ألقتني أمي ويا ليتني مِتّ في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري ؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي، فأسوة لي بالسلاطين الذي صُفّت من دونهم الجيوش، يضربون عنهم بالسيوف، بخلاً بهم عن الموت وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلّدون. وأُسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطَمروا المطامير، وجمعوا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون. وأُسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش ومثنى للشياطين.
قال أليفز التيماني : قد أعيانا أمرك يا أيوب، إن كلّمناك فما نرجو للحديث منك موضعا، وإن نسكت عنك مع الذي نرى فيك من البلاء، فذلك علينا. قد كنا نرى من أعمالك أعمالاً كنا نرجو لك عليها من الثواب غير ما رأينا، فإنما يحصد امرؤ ما زرع ويُجْزَى بما عمل. أشهد على الله الذي لا يُقْدر قدر عظمته ولا يُحْصَى عدد نعمه، الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الميت ويرفع به الخافض ويقوّي به الضعيف، الذي تضلّ حكمة الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العيّ في ظلمة يموجون، أن من رجا معونة الله هو القويّ، وإن من توكل عليه هو المكفيّ، هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي
قال أيوب : لذلك سكتّ فعَضِضْت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي، وأن قوّته نزعت قوّة جسدي، فأنا عبده، ما قضي عليّ أصابني، ولا قوّة لي إلا ما حمل عليّ لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نُحاس وقلبي من حجارة، لم أطق هذا الأمر، ولكن هو ابتلاني وهو يحمله عني أتيتموني غِضابا، رهبتم قبل أ
حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام، قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه، أنه كان صابرا نعم العبد. قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القُربة من الله والفضيلة عنده، وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام، فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ثم تلقاه ميكائيل، وحَوْله الملائكة المقرّبون حافين من حول العرش. وشاع ذلك في الملائكة المقرّبين، صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلت عليه ملائكة السموات، هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض. وكان إبليس لا يُحْجَب بشيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيث شاء ما أرادوا، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة. فلم يزل على ذلك يصعد في السموات، حتى رفع الله عيسى ابن مريم، فحُجِب من أربع، وكان يصعد في ثلاث. فلما بعث الله محمدا ﷺ، حُجِب من الثلاث الباقية، فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السموات إلى يوم القيامة إلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ولذلك أنكرت الجنّ ما كانت تعرف حين قالت : وَأنّا لَمَسْنا السّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسا شَدِيدا. . . إلى قوله : شِهابا رَصَدا. قال وهب : فلم يَرُعْ إبليس إلا تجاوبُ ملائكتها بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه. فلما سمع إبليس صلاة الملائكة، أدركه البغي والحسد، وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه، فقال : يا إلهي، نظرت في أمر عبدك أيوب، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك، وعافَيْتَهُ فحمدك، ثم لم تجرّبه بشدة ولم تجرّبه ببلاء، وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينك وليعبدنّ غيرك قال الله تبارك وتعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ماله، فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني، ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله، حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البَثَنِية من الشام كلها، بما فيها من شرقها وغربها، وكان له بها ألف شاة برعاتها، وخمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، وحمل آلة كل فدان أتانٌ، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمع إبليس الشياطين، قال لهم : ماذا عندكم من القوّة والمعرفة ؟ فإني قد سُلطت على مال أيوب، فهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. قال عفريت من الشياطين : أعطيتُ من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه. فقال له إبليس : فأت الإبل ورُعاتَها. فانطلق يؤمّ الإبل، وذلك حين وضعت رؤسها وثبتت في مراعيها، فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلا احترق، فلم يزل يُحْرقها ورعاتَها حتى أتى على آخرها فلما فرغ منها تمثل إبليس على قَعُود منها براعيها، ثم انطلق يؤم أيوب، حتى وجده قائما يصلي، فقال : يا أيوب قال : لبيك قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه، وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديما ما وطّنْت نفسي ومالي على الفناء. قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتَها، حتى أتى على آخر شيء منها ومن رعاتها، فتركت الناس مبهوتين، وهم وقوف عليها يتعجبون، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنه وليه، ومنهم من يقول : بل هو فَعَل الذي فعل ليشمت به عدوّه وليفجع به صديقه. قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عُرْيانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارَك الله وتجزع حين قبض عاريّته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع ملك الأرواح، فآجرني فيك وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرّا فأخرك من أجله فعرّاك الله من المصيبة وخلصك من من البلاء كما يخلص الزّوان من القمح الخلاص.
ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلاً، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكُلِم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة ما إذا شئت صِحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه. قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتَها فانطلق يؤمّ الغنم ورعاتها، حتى إذا وَسَطها صاح صوتا جَثَمَتْ أمواتا من عند آخرها ورعاءَها. ثم خرج إبليس متمثلاً بقَهْرمان الرّعاء، حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي، فقال له القول الأوّل، وردّ عليه أيوب الردّ الأوّل. ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكْلِم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة إذا شئت تحوّلت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا. قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث فانطلق يؤمهم، وذلك حين قَرّبوا الفَدَادين وأنشئوا في الحرث، والأتن وأولادها رُتوع، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن. ثم خرج إبليس متمثلاً بقهْرمان الحَرْث، حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأوّل، وردّ عليه أيوب مثل ردّه الأوّل.
فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه، صعد سريعا، حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه فقال : يا إلهي، إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده، فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلّة، والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم. فقال الله تعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ولده، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله جوادا، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح الجُدُر بعضها ببعض، ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مَثّل بهم كل مُثْلة، رفع بهم القصر، حتى إذا أقّلة بهم فصاروا فيه منكّسين، انطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة، وهو جريج، مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدّة التغير والمُثْلة التي جاء متمثلاً فيها. فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه، وقال له : يا أيوب، لو رأيت كيف أفلتّ من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عُذّبوا وكيف مُثّل بهم وكيف قُلِبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم، ولو رأيت كيف شُقّتْ بطونهم فتناثرت أمعاؤهم، ولو رأيت كيف قُذِفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم، وكيف دقّ الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم، ولو رأيت العصب عُريانا، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف، ولو رأيت الوجوه مشدوخة، ولو رأيت الجدُرُ تَناطَحُ عليهم، ولو رأيت ما رأيت، قطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه، ولم يزل يرقّقه حتى رقّ أيوب فبكي، وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ( الفُرصة منه ) عند ذلك، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر، وصَعَد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه، فبدروا إبليس إلى الله، فوجدوه قد علم بالذي رُفع إليه من توبة أيوب، فوقف إبليس خازيا ذليلاً، فقال : يا إلهي، إنما هوّن على أيوب خَطَر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلّطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك، وليكفرنّ بك، وليَجْحَدنّكّ نعمتك قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله.
فانقضّ عدوّ الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجّل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قِبَل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فترهّل، ونبتت ( به ) ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حِكّة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكّ بالعظام، وحكّ بالحجارة الخشنة وبقطع المُسوح الخشنة، فلم يزل يحكّه حتى نَفِد لحمه وتقطع. ولما نَغِل جلد أيوب وتغير وانتن، أخرجه أهل القرية، فجعلوه على تلّ وجعلوا له عريشا. ورفضه خلق الله غيرَ امرأته، فكانت تختلف إليه بما يُصلحه ويلزمه. وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه، يُقال لأحدهم بلدد، وأليفز، وصافر. قال : فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه، فبكّتوه فلما سمع منهم أقبل على ربه، فقال أيوب ﷺ : ربّ لأيّ شيء خلقتني ؟ لو كنتَ إذْ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني يا ليتني كنت حَيْضة ألقتني أمي ويا ليتني مِتّ في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري ؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي، فأسوة لي بالسلاطين الذي صُفّت من دونهم الجيوش، يضربون عنهم بالسيوف، بخلاً بهم عن الموت وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلّدون. وأُسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطَمروا المطامير، وجمعوا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون. وأُسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش ومثنى للشياطين.
قال أليفز التيماني : قد أعيانا أمرك يا أيوب، إن كلّمناك فما نرجو للحديث منك موضعا، وإن نسكت عنك مع الذي نرى فيك من البلاء، فذلك علينا. قد كنا نرى من أعمالك أعمالاً كنا نرجو لك عليها من الثواب غير ما رأينا، فإنما يحصد امرؤ ما زرع ويُجْزَى بما عمل. أشهد على الله الذي لا يُقْدر قدر عظمته ولا يُحْصَى عدد نعمه، الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الميت ويرفع به الخافض ويقوّي به الضعيف، الذي تضلّ حكمة الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العيّ في ظلمة يموجون، أن من رجا معونة الله هو القويّ، وإن من توكل عليه هو المكفيّ، هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي
قال أيوب : لذلك سكتّ فعَضِضْت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي، وأن قوّته نزعت قوّة جسدي، فأنا عبده، ما قضي عليّ أصابني، ولا قوّة لي إلا ما حمل عليّ لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نُحاس وقلبي من حجارة، لم أطق هذا الأمر، ولكن هو ابتلاني وهو يحمله عني أتيتموني غِضابا، رهبتم قبل أ