غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت ﴿جذاذاً﴾ بكسر الجيم : علي. الآخرون بضمها ﴿أف﴾ بفتح الفاء : ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿أف﴾ بالكسر والتنوين : أبو جعفر ونافع وحفص. الباقون بالكسر من غير تنوين ﴿لنحصنكم﴾ بالنون : أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً : ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد. الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود عليه السلام أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع : يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد. ﴿مسني الضر﴾ و ﴿عبادي الصالحون﴾ في آخر السورة مرسلة الياء : حمزة. الباقون بفتحها ﴿وأن لن﴾ يقدر بالياء مجهولاً : يعقوب ﴿ننجي﴾ بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء : ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد. الآخرون من الإنجاء مخففاً.
الوقوف :﴿عالمين﴾ ج٥ لأن " إذ " يصلح ظرفاً لآتينا أو ﴿لرشده﴾ أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً ﴿عاكفون﴾ ٥ ﴿عابدين﴾ ٥ ﴿مبين﴾ ٥ ﴿اللاعبين﴾ ٥ ﴿فطرهن﴾. ز لواو الابتداء والحال أولى ﴿الشاهدين﴾ ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥ ﴿الظالمين﴾ ٥ ﴿إبراهيم﴾ ٥ ﴿يشهدون﴾ ٥ ﴿يا إبراهيم﴾ ٥ط ﴿فعله﴾. وفيه بعد ويجيء في التفسير ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿الظالمون﴾ ٥ لا للعطف ﴿على رؤوسهم﴾ ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ﴿ينطقون﴾ ٥ ﴿ولا يضركم﴾ ط لاستئناف الدعاء عليهم ﴿من دون الله﴾ ط ﴿تعقلون﴾ ٥ ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿على إبراهيم﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا ﴿الأخسرين﴾ ج٥ للعطف والآية ﴿للعالمين﴾ ٥ ﴿إسحق﴾ ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ﴿نافلة﴾ ط ﴿صالحين﴾ ٥ ﴿الزكاة﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿عابدين﴾ ٥ وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها ﴿الخبائث﴾ ط ﴿فاسقين﴾ ٥ لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه ﴿رحمتنا﴾ ط ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿العظيم﴾ ٥ ج للعطف مع الآية ﴿بآياتنا﴾ ط ﴿أجمعين﴾ ٥ ﴿غنم القوم﴾ ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال ﴿شاهدين﴾ ٥ لا للعطف بالفاء ﴿سليمان﴾ ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام ﴿وعلماً﴾ ز لعطف المتفقين مع نوع عدول ﴿والطير﴾ ط ﴿فاعلين﴾ ٥ ﴿من بأسكم﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿شاكرون﴾ ٥ ﴿فيها﴾ ط ﴿عالمين﴾ ٥ ﴿دون ذلك﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿حافظين﴾ ٥ ﴿الراحمين﴾ ٥ ط للفاء وللآية ﴿للعابدين﴾ ٥ ﴿وذا الكفل﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ٥ وقد يوصل لعطف ﴿وأدخلناهم﴾ على ﴿نجينا﴾ للقدرة ﴿في رحمتنا﴾ ط الصالحين ٥ ﴿سبحانك﴾ قد يوقف لأجل " أن " ولكنه داخل في حكم النداء ﴿الظالمين﴾ ج٥ على ما ذكر في الوجهين ﴿فاستجبنا له﴾ لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة ﴿من الغم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿الوارثين﴾ ٥ ﴿فاستجبنا له﴾ ٥ لا مكان الفصل بين الاستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة ﴿زوجه﴾ ط ﴿ورهباً﴾ ط ﴿خاشعين﴾ ط ﴿للعالمين﴾ ٥.
ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو السمكة والاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مقيداً فحمله على المقيد أولى. واختلفوا في أن وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد.
أما القول الأوّل فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيب عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال له الملك : من ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء ؟ فقال : يونس بن متى. فإنه قويّ أمين. فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس : هل أمرك الله بإخراجي ؟ قال : لا. قال : فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هناك وسفينة فركب معهم فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون : ههنا رجل عاصٍ أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاصٍ، ومن عادتنا في مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم السفينة. فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس. فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك. ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له. أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم ؟. فتوجه يونس نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم : إن الله أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل. فقالوا : ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم. فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم : إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب. فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه. فقال علماؤهم : اطلبوه فإِن كان في المدينة فليس ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال. فطلبوه فلم يجدوه، فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل.
القول الثاني وعليه أكثر المفسرين : أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس. واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه : الأوّل أنه ذهب مغاضباً لربه هكذا فسره ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب. ولئن سلم أنه كان مغاضباً لقومه فذلك أيضا محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم. الثاني قوله ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ وهو شك في قدرة الله. الثالث اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم. الرابع : إخبار الله تعالى في موضع آخر بقوله ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ [الصافات: ١٤٢] والمليم ذو الملامة. الخامس : قوله للنبي صلى الله عليه وسلم
ولا تكن كصاحب الحوت } [القلم: ٤٨] وقال في موضع آخر ﴿فاصبر كما صبر ألوا العزم﴾ [الأحقاف: ٣٥] والجواب أنه عليه السلام غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وغاضب قومه بمفارقته كي يخوّفهم حلول العقاب عليهم عندها. فغاية ما في الباب أن تلك المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد أدائها إلى أن يأذن الله له في المهاجرة. وعن الثاني أن معنى. ﴿لن نقدر عليه﴾ لن نضيق كقوله ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد: ٢٦] ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] فهو من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء. قال الزجاج : يقال قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً. والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في رواية واختاره الفراء والزجاج. يقال : قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال : قدر القاضي على فلان أوله. ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه : عن ابن زيد. سلمنا الكل لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان. وعن البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلاً على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته والله تعالى أعلم.
أما قوله ﴿فنادى في الظلمات﴾ فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾
[البقرة: ٢٥٧] وقيل : ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل : ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر. وقيل : إن الحوت إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة. ومعنى ﴿أن لا إله إلا أنت﴾ أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت ﴿سبحانك﴾ تنزيه له عن كل النقائص. منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة. ﴿إني كنت من الظالمين﴾ بالفرار من غير إذن وأنا الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال :﴿فاستجبنا له﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام. منها قوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾ أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده. فقوله ﴿هذا﴾ بدل الكلِ من الضمير في فعله :﴿قالوا حرقوه﴾ إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور. وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد أحرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله :﴿قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ تمثيلاً لهذا المعنى.
بالنار خوفني قومي فقلت لهمالنار ترحم من في قلبه نار
ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات. ﴿ونجيناه﴾ من قرية القالب. ﴿التي كانت تعمل الخبائث﴾ بالأوصاف البهيمية والسبعية ﴿وداود﴾ الروح ﴿وسليمان﴾ القلب ﴿إذ يحكمان في﴾ شأن حرث الدنيا ﴿إذ نفشت﴾ أي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية ﴿غنم القوم﴾ أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف. فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً. ﴿ففهمناها سليمان﴾ القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين. ﴿وسخرنا مع داود الجبال﴾ وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة ﴿يسبحن﴾ بتسبيحه ﴿والطير﴾ وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب. هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله ﷺ. وعن بعض الصحابة أنه قال : كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ﴿وعلمنا صنعة لبوس لكم﴾ إن الله تعالى ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان. ﴿وسخرنا لسليمان﴾ القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه ﴿ومن الشياطين﴾ وهم الأوصاف النفسية ﴿من يغوصون له﴾ في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ﴿ويعملون عملاً دون ذلك﴾ من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل :﴿وكنا لهم حافظين﴾ من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة. قال أهل التحقيق : إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال " زويت لي الأرض " وقال " أوتيت مفاتيح خزائن الأرض " وكان الماء ينبع من بين أصابعه. وقال " نصرت بالصبا " وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته. وقال " أسلم شيطاني على يدي " وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. ﴿وأيوب﴾ القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ بأن قلنا له ﴿إركض برجلك﴾ [ص: ٤٢] نظيره ﴿وألق ما في يمينك﴾ [طه: ٦٩] لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح ﴿إذ ذهب﴾ من عالمه ﴿مغاضباً﴾ لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب ﴿فنادى﴾ في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا ﴿وزكريا﴾ الروح ﴿وهبنا له يحيى﴾ القلب ﴿وأصلحنا له﴾ زوج القالب ﴿ويدعوننا رغباً﴾ في الفناء فينا ﴿ورهباً﴾ من البقاء بأنانيتهم ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾ أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله. ﴿ومريم﴾ النفس ﴿التي أحصنت﴾ قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى