محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٨٧ من سورة الأنبياء في ١١٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

١١٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَذَا النّونِ إِذ ذّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لّن نّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىَ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلََهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد ذا النون، يعني صاحب النون. والنون : الحوت. وإنما عَنَى بذي النون : يونس بن متى، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغني عن ذكره في هذا الموضع، وقوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا يقول : حين ذهب مغاضبا.
واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا، وعمن كان ذهابه، وعلى من كان غضبه، فقال بعضهم : كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا يقول : غضب على قومه.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا أما غضبه فكان على قومه.
وقال آخرون : ذهب عن قومه مغاضبا لربه، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه. ذكر من قال ذلك : وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : بعثه الله يعني يونس إلى أهل قريته، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه. فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه : إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا : ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرّقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها، حتى مرّ به مارّ، فقال : ما فعل أهل القرية ؟ فقال : فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها. وعجّوا إلى الله وتابوا إليه. فقبل منهم، وأخّر عنهم العذاب. قال : فقال يونس عند ذلك وغضب : والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم ومضى على وجهه مغاضبا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلّه الشيطان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، في قوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا قال : مغاضبا لربه.
حدثنا الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير فذكر نحو حديث ابن حميد، عن سلمة، وزاد فيه : قال : فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئا، قال : جرّبوا عليّ كذبا فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن وهب بن منبه اليماني، قال : سمعته يقول : إن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوّة، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل، تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها. يقول الله لنبيه ﷺ : فاصْبرْ كمَا صَبَرَ أُولُو العَزْم مِنَ الرسُلِ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ : أي لا تُلْقِ أمري كما ألقاه.
وهذا القول، أعني قول من قال : ذهب عن قومه مغاضبا لربه، أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ على ذلك. على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه واستعظاما له. وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا، وذلك أن الذين قالوا : ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك، فقال بعضهم : إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واسْتَحْيَا منهم، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء. وقال بعض من قال هذا القول : كان من أخلاق قومه الذي فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب، فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك. وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة يونس، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
وقال آخرون : بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن يُنْظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له : الأمر أسرع من ذلك ولم يُنْظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً ليلبسها، فقيل له نحو القول الأوّل. وكان رجلاً في خلقه ضيق، فقال : أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضبا.
وممن ذُكر هذا القول عنه : الحسن البصريّ.
حدثني بذلك الحارث، قال : حدثنا الحسن بن موسى، عن أبي هلال، عن شهر بن حوشب، عنه.
قال أبو جعفر : وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا : ذهب مغاضبا لقومه لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمُقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته ويحذّرهم بأسه وعقوبته على تركهم الإيمان به والعمل بطاعته لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ويصفه بالصفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ : وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ إذْ نادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ويقول : فالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أنهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وقوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : معناه : فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. من قولهم قدرت على فلان : إذا ضيقت عليه، كما قال الله جلّ ثناؤه : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول : ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول : ظنّ أن لن نقضيَ عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم وفراره. وعقوبته أخذ النون إياه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الاَية : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا زيد بن حباب، قال : ثني شعبة، عن مجاهد، ولم يذكر فيه الحكم.
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : يقول : ظنّ أن لن نعاقبه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبيّ : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قالا : ظنّ أن لن نقضيَ عليه العقوبة.
حُدثت عن الحسين. قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ يقول : ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه وفراقه إيّاهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن ابن عباس، في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : البلاء الذي أصابه.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظنّ أنه يُعجز ربه فلا يقدر عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلّه الشيطان، حتى ظن أن لن نقدر عليه. قال : وكان له سلف وعبادة وتسبيح. فأبى الله أن يدعه للشيطان، فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم، فأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك. فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه. قال : فقال : سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ قال : فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته بما كان سلف من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين. قال عوف : وبلغني أنه قال في دعائه : وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هوذة، قال : حدثنا عوف، عن الحسن : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ وكان له سلف من عبادة وتسبيح، فتداركه الله بها فلم يَدَعْه للشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن إياس بن معاوية المدني، أنه كان إذا ذكر عنده يونس، وقوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول إياس : فلِم فرّ ؟
وقال آخرون : بل ذلك بمعنى الاستفهام، وإنما تأويله : أفظنّ أن لن نقدر عليه ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : هذا استفهام. وفي قوله : فَمَا تُغْنِي النّذُر قال : استفهام أيضا.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال : عَنَى به : فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبة له على مغاضبته ربه.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن يُنْسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوّته، ووَصْفُه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، وَصْفٌ له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك. والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلاً على أنه مراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدرَ عَلَيْهِ دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد، كان معلوما أنه ليس به وإذ فسد هذان الوجهان، صحّ الثالث وهو ما قلنا.
وقوله : فَنَادَى في الظّلُماتِ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات، فقال بعضهم : عُني بها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون : فَنادَى في الظّلُمات قال : ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلم
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
نبيا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة، فوفى، فكفل بصلاته، فلذلك سمي ذا الكفل، ونصب إسماعيل وإدريس وذا الكفل، عطفا على أيوب، ثم استؤنف بقوله (كُلّ) فقال (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) ومعنى الكلام: كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله.
وقوله (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) يقول تعالى ذكره: وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل، والهاء والميم عائدتان عليهم (في رحمتنا إنهم من الصالحين) يقول: إنهم ممن صلح، فأطاع الله، وعمل بما أمره
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾
يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد ذا النون، يعني صاحب النون، والنون: الحوت، وإنما عنى بذي النون، يونس بن متى، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع، وقوله (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) يقول: حين ذهب مغاضبا.
واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا، وعمن كان ذهابه، وعلى من كان غضبه، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) يقول: غضب على قومه.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) أما غضبه فكان على قومه.
وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبا لربه، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه.
*ذكر من قال ذلك: وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم:
حدثنا ابن
حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعثه الله، يعني يونس إلى أهل قريته، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وُعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرّقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها، حتى مر به مار، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، وعجُّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم، وأخَّر عنهم العذاب، قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم، ومضى على وجهه مغاضبا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزله الشيطان،
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، في قوله (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) قال: مغاضبا لربه.
حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، فذكر نحو حديث ابن حميد، عن سلمة، وزاد فيه: قال: فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئا، قال: جرّبوا عليّ كذبا، فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن وهب بن منبه اليماني، قال: سمعته يقول: إن يونس بن
متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل، تفسخ تحتها تفسخ الربع (١) تحت الحمل، فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها، يقول الله لنبيه ﷺ (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) : أي لا تلق أمري كما ألقاه، وهذا القول، أعني قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبا لربه، أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه، واستعظاما له، وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم ما أنكروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك، فقال بعضهم: إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء، وقال بعض من قال هذا القول: كان من أخلاق قومه الذين فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب، فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سوره يونس، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
وقال آخرون: بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره، ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له: الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا ليلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلا في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا.
*وممن ذُكر هذا القول عنه: الحسن البصري، حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا الحسن بن موسى، عن أبي هلال، عن شهر بن حوشب، عنه.
قال أبو جعفر: وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا: ذهب
(١) الربع: ولد الناقة أول ما يحمل عليه.
مغاضبا لقومه، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، ويحذّرهم بأسه، وعقوبته على تركهم الإيمان به، والعمل بطاعتك لا شك أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويصفه بالصفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) وَيَقُولُ (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه من قولهم قدرت على فلان: إذا ضيقت عليه، كما قال الله جلّ ثناؤه (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ).
*ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) يقول: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) يقول: ظنّ أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم، وفراره وعقوبته أخذ النون إياه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قال: فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثني شعبة، عن مجاهد، ولم يذكر فيه الحكم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قال: يقول: ظنّ أن لن نعاقبه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن
قتادة والكلبي (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قالا ظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ) يقول: ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه، وفراقه إياهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن ابن عباس، في قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قال: البلاء الذي أصابه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلَّه الشيطان، حتى ظن أن لن نقدر عليه، قال: وكان له سلف وعبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان، فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم، فأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، قال: فقال (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته، بما كان سلف من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين، قال عوف: وبلغني أنه قال في دعائه: وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وكان له سلف من عبادة وتسبيح، فتداركه الله بها فلم يدعه للشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن إياس بن معاوية المدني، أنه كان إذا ذكر عنده يونس، وقوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) يقول إياس: فلِم فرّ؟
وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهام، وإنما تأويله: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟
ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قال: هذا استفهام، وفي قوله
(فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) قال: استفهام أيضا.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبة له على مغاضبته ربه.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوته، ووصفه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، ووصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك، وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلا على أنه مراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد، كان معلوما أنه ليس به وإذا فسد هذان الوجهان، صح الثالث وهو ما قلنا.
وقوله (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات، فقال بعضهم: عني بها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، وكذلك قال أيضا ابن جريج.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نادى في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
حدثني محمد بن إبراهيم السلمي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا محمد بن رفاعة، قال: سمعت محمد بن كعب يقول في هذه الآية (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل.
وقال آخرون: إنما عنى بذلك أنه نادى في ظلمة جوف حوت في جوف حوت آخر في البحر، قالوا: فذلك هو الظلمات.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: أوحى الله إلى الحوت أن لا تضرّ له لحما ولا عظما، ثم ابتلع الحوت حوت آخر، قال (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قال: ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات (أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت، وبالأخرى: ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائز أن تكون تلك الثالثة: ظلمة الليل، وجائز أن تكون كون الحوت في جوف حوت آخر، ولا دليل يدلّ على أيّ ذلك من أيّ، فلا قول في ذلك أولى بالحقّ من التسليم لظاهر التنزيل.
وقوله (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ) يقول: نادى يونس بهذا القول معترفا بذنبه تائبا من خطيئته (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) في معصيتي إياك.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) معترفا بذنبه، تائبا من خطيئته.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال، أبو معشر: قال محمد بن قيس: قوله (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ) ما صنعتُ من

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة " الصافات " وفي سورة " ن " (١) وذلك أن يونس بن مَتَّى، عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية " نينوى "، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا(٢) إليه، ورغت الإبل وفُضْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى :﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ(٣) الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس، عليه السلام، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا(٤). فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا(٥) أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى :﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، أي : وقعت عليه القرعة(٦)، فقام يونس، عليه السلام، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، سبحانه وتعالى، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظما ؛ فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك له يكون سجنًا.
وقوله :﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني : الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
وقوله :﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ : قال الضحاك : لقومه، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [ أي : نضيق عليه في بطن الحوت. يُروَى نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، واختاره(٧) ابن جرير، واستشهد عليه بقوله تعالى :﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
وقال عطية العَوفي :﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٨)، أي : نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول : قدَر وقَدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر :
فَلا عَائد ذَاكَ الزّمَانُ الذي مَضَىتباركت ما تَقْدرْ يَكُنْ، فَلَكَ الأمْرُ
ومنه قوله تعالى :﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، أي : قدر.
وقوله :﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن مسعود : ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عباس(٩)، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جُبَير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة.
وقال سالم بن أبي الجعد : ظلمةُ حُوت في بطن حوت(١٠)، في ظلمة البحر.
قال ابن مسعود، وابنُ عباس وغيرهما : وذلك أنه ذهب به الحوتُ في البحار يَشُقُّها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع(١١) يونسُ تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالكَ قال :﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾
وقال عوف : لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى : يا رب(١٢)، اتخذت لك مسجدًا(١٣) في موضع ما اتخذه(١٤) أحد.
وقال سعيد بن أبي الحسن البصري : مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. رواهما(١٥) ابن جبير.
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - سمعتُ أبا هريرة يقول : قال رسول الله ﷺ :" لما أراد الله حَبْسَ يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسًا، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن(١٦) الحوت : إن هذا تسبيح دواب البحر. قال : فَسَبَّح وهو في بطن الحوت، فسمع(١٧) الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا، إنا نسمع صوتًا ضعيفًا [ بأرض غريبة ](١٨) قال : ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح ؟. قال : نعم ". قال :" فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله عز وجل :(١٩) ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
ورواه ابن جرير(٢٠)، ورواه البزار في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال : لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد(٢١)، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلمَة(٢٢)
عن علي مرفوعًا : لا ينبغي لعبد أن يقول :" أنا(٢٣) خير من يونس بن متى " ؛ سبح لله في الظلمات(٢٤).
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة " ن " (٢٥).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي : حدثني أبو صخر : أن يزيد الرقاشي حدثه قال : سمعت أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ - أن يونس النبي، عليه السلام، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال :" اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين ". فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش(٢٦)، فقالت الملائكة : يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة ؟ فقال : أما تعرفون ذاك(٢٧) ؟ قالوا : لا يا رب(٢٨)، ومن هو ؟ قال : عبدي يونس. قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عَمَلٌ متقبل(٢٩)، ودعوة مجابة ؟. [ قال : نعم ](٣٠). قالوا : يا رب، أَوَلا(٣١) ترحم ما كان يصنع(٣٢) في الرخاء فتنجيَه من البلاء ؟ قال : بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء(٣٣).
١ - سورة الصافات الآيات :(١٣٩ - ١٤٨)، وسورة نون (القلم) الآيات :(٤٨ - ٥٠)..
٢ - في ت :"ولجؤوا"..
٣ - في ت :"العذاب"..
٤ - في ت، ف :"تغرق بهم"..
٥ - في ت :"فأتوا"..
٦ - في ف :"فوقعت القرعة عليه"..
٧ - في ت :"واختارهم"..
٨ - زيادة من ت، ف، أ..
٩ - في ف :"ابن مسعود"..
١٠ - في ف، أ :"حوت آخر"..
١١ - في ت، أ :"حتى يسمع"، وفي ف :"حتى سمع"..
١٢ - في ت :"رب الحوت"..
١٣ - في ت :"مسجد"..
١٤ - في ف، أ :"ما أخده"..
١٥ - في ت :"رواها"..
١٦ - في ف :"وهو ببطن"..
١٧ - في ف، أ :"فسمعت"..
١٨ - زيادة من ف، أ..
١٩ - في ت :"الله تعالى"..
٢٠ - تفسير الطبري (١٧/٦٥)..
٢١ - مسند البزار برقم (٢٢٥٤) "كشف الأستار"..
٢٢ - في ت، ف :"مسلم"..
٢٣ - في ف :"أنا عند الله خير"..
٢٤ - كذا (ابن عبد الحق)، وأظنه تحريف عن عبد بن حميد، إلا أني لا أجزم بذلك، وقد ذكره الهندي في كنز العمال (١٢/٤٧٦) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في تاريخه..
٢٥ - كذا قال الحافظ ابن كثير، وإنما ذكره هناك من حديث ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما..
٢٦ - في ت :"نحو العرش" وفي ف :"تحت العرش". فأما حديث ابن عباس : فرواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٩٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٧٧). وأما حديث عبد الله بن جعفر : فرواه أبو داود في السنن برقم (٤٦٧٠)..
٢٧ - في ف :"ذلك"..
٢٨ - في ت، ف :"يا ربنا"..
٢٩ - في ت، ف :"متقبلا"..
٣٠ - زيادة من ف، أ..
٣١ - في ت، ف، أ :"أفلا"..
٣٢ - في ت، ف :"يصنعه"..
٣٣ - ورواه ابن أبي الدنيات في الفرج بعد الشدة برقم (٣٢) من طريق أحمد بن صالح عن عبد الله بن وهب به..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
هَذِهِ الْقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ "الصَّافَّاتِ" وَفِي سُورَةِ "ن" (١) وَذَلِكَ أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ قَرْيَةِ "نِينَوَى"، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مُغَاضِبًا لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَلَمَّا تَحَقَّقُوا مِنْهُ ذَلِكَ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكْذِبُ، خَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ بِأَطْفَالِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهَا، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَأَرُوا (٢) إِلَيْهِ، وَرَغَتِ الإبل وفُضْلانها، وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَأَوْلَادُهَا، وَثَغَتِ الْغَنَمُ وحُمْلانها، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ (٣) الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يُونُسَ: ٩٨].
وَأَمَّا يُونُسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فَرَكِبَ مَعَ قَوْمٍ فِي سَفِينَةٍ فَلَجَّجت بِهِمْ، وَخَافُوا أَنْ يَغْرَقُوا (٤). فَاقْتَرَعُوا عَلَى رَجُلٍ يُلْقُونَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهُ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، فَأَبَوْا (٥) أَنْ يُلْقُوهُ، ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَأَبَوْا، ثُمَّ أَعَادُوهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤١]، أَيْ: وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ (٦)، فَقَامَ يُونُسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ -فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ-حُوتًا يَشُقُّ الْبِحَارَ، حَتَّى جَاءَ فَالْتَقَمَ يُونُسَ حِينَ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ السَّفِينَةِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْحُوتِ أَلَّا تَأْكُلَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا تُهَشِّمَ لَهُ عَظْمًا؛ فَإِنَّ يُونُسَ لَيْسَ لَكَ رِزْقًا، وَإِنَّمَا بَطْنُكَ لَهُ يَكُونُ سِجْنًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يَعْنِي: الْحُوتَ، صَحَّتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ : قَالَ الضَّحَّاكُ: لِقَوْمِهِ، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [أَيْ: نُضَيِّقَ عَلَيْهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ. يُروَى نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ (٧) ابْنُ جَرِيرٍ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: ٧].
وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٨)، أَيْ: نَقْضِيَ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: قدَر وقَدّر بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَالَ الشاعر:
(١) سورة الصافات الآيات: (١٣٩-١٤٨)، وسورة نون (القلم) الآيات: (٤٨-٥٠).
(٢) في ت: "ولجؤوا".
(٣) في ت: "العذاب".
(٤) في ت، ف: "تغرق بهم".
(٥) في ت: "فأتوا".
(٦) في ف: "فوقعت القرعة عليه".
(٧) في ت: "واختارهم".
(٨) زيادة من ت، ف، أ.
فَلا عَائد ذَاكَ الزّمَانُ الَّذِي مَضَى... تَبَارَكْتَ مَا تَقْدرْ يَكُنْ، فَلَكَ الأمْرُ...
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [الْقَمَرِ: ١٢]، أَيْ: قُدِّرَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: ظلمةُ حُوت فِي بَطْنِ حُوتٍ (٢)، فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا: وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ الحوتُ فِي الْبِحَارِ يَشُقُّها، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْبَحْرِ، فَسَمِعَ (٣) يونسُ تَسْبِيحَ الْحَصَى فِي قَرَارِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وهنالكَ قَالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾
وَقَالَ عَوْفٌ: لَمَّا صَارَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ حَرَّكَ رِجْلَيْهِ فَلَمَّا تَحَرَّكَتْ سَجَدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا رَبِّ (٤)، اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا (٥) فِي مَوْضِعٍ مَا اتَّخَذَهُ (٦) أَحَدٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: مَكَثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. رَوَاهُمَا (٧) ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق بن يَسَار، عمن حدثه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ -مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ-سمعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ خُذْهُ، وَلَا تَخْدِشْ لَحْمًا وَلَا تَكْسِرْ عَظْمًا، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ (٨) الْحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ. قَالَ: فَسَبَّح وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَسَمِعَ (٩) الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا، إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا [بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ] (١٠) قَالَ: ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. قَالُوا: الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عملٌ صَالِحٌ؟. قَالَ: نَعَمْ". قَالَ: "فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (١١) ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٥].
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (١٢)، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ (١٣)، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلمَة (١٤)،
(١) في ف: "ابن مسعود".
(٢) في ف، أ: "حوت آخر".
(٣) في ت، أ: "حتى يسمع"، وفي ف: "حتى سمع".
(٤) في ت: "رب الحوت".
(٥) في ت: "مسجد".
(٦) في ف، أ: "ما أخده".
(٧) في ت: "رواها".
(٨) في ف: "وهو ببطن".
(٩) في ف، أ: "فسمعت".
(١٠) زيادة من ف، أ.
(١١) في ت: "الله تعالى".
(١٢) تفسير الطبري (١٧/٦٥).
(١٣) مسند البزار برقم (٢٢٥٤) "كشف الأستار".
(١٤) في ت، ف: "مسلم".
عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: " أَنَا (١) خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"؛ سَبَّحَ لِلَّهِ فِي الظُّلُمَاتِ (٢).
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَسَيَأْتِي أَسَانِيدُهَا فِي سُورَةِ "ن" (٣).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بن عبد الرحمن بن أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي: حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ أَنْسًا يَرْفَعُ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أَنَّ يُونُسَ النَّبِيَّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلَمَّاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ". فَأَقْبَلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ تَحُفُّ بِالْعَرْشِ (٤)، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ؟ فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَاكَ (٥) ؟ قَالُوا: لَا يَا رَبِّ (٦)، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ. قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرفَع لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ (٧)، وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ؟. [قَالَ: نَعَمْ] (٨). قَالُوا: يَا رَبِّ، أَوَلا (٩) تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ (١٠) فِي الرَّخَاءِ فتنجيَه مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ فِي الْعَرَاءِ (١١).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أَيْ: أَخْرَجْنَاهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، وَتِلْكَ الظُّلُمَاتِ، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِذَا كَانُوا فِي الشَّدَائِدِ ودَعَونا مُنِيبِينَ إِلَيْنَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي حَالِ الْبَلَاءِ، فَقَدْ جَاءَ التَّرْغِيبُ فِي الدُّعَاءِ بِهَا عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَر، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حدثنا إبراهيم بن محمد (١٢) ابن سَعْدٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي مُحَمَّدٌ عَنِ أَبِيهِ سَعْدٍ، -وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -قَالَ: مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي الْمَسْجِدِ، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يَردُدْ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ شَيْءٌ؟ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: لَا وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لَا إِلَّا أَنِّي مررتُ بِعُثْمَانَ (١٣) آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي، ثُمَّ لَمْ يَرْدُد (١٤) عَلَيَّ السَّلَامَ. قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ ألا تكون رَدَدت على أخيك
(١) في ف: "أنا عند الله خير".
(٢) كذا (ابن عبد الحق)، وأظنه تحريف عن عبد بن حميد، إلا أني لا أجزم بذلك، وقد ذكره الهندي في كنز العمال (١٢/٤٧٦) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في تاريخه.
(٣) كذا قال الحافظ ابن كثير، وإنما ذكره هناك من حديث ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما.
فأما حديث ابن عباس: فرواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٩٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٧٧).
وأما حديث عبد الله بن جعفر: فرواه أبو داود في السنن برقم (٤٦٧٠).
(٤) في ت: "نحو العرش" وفي ف: "تحت العرش".
(٥) في ف: "ذلك".
(٦) في ت، ف: "يا ربنا".
(٧) في ت، ف: "متقبلا".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) في ت، ف، أ: "أفلا".
(١٠) في ت، ف: "يصنعه".
(١١) ورواه ابن أبي الدنيات في الفرج بعد الشدة برقم (٣٢) من طريق أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وهب به.
(١٢) في ت: "محمد بن إبراهيم".
(١٣) في ف، أ: "بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ".
(١٤) فِي ت: "يرد".
السَّلَامَ؟ قَالَ: مَا فعلتُ. قَالَ سَعْدٌ: قلتُ: بَلَى (١) حَتَّى حلفَ وَحَلَفْتُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ ذكرَ فَقَالَ: بَلَى، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سمعتُها مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلَّا تَغْشَى بَصَرِي وَقَلْبِي غشَاوة. قَالَ سَعْدٌ: فَأَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ لَنَا [أَوَّلَ دَعْوَةٍ] (٢) ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ، حَتَّى قَام رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعْتُهُ، فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الْأَرْضَ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ أَبُو إِسْحَاقَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَمَهْ؟ " قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا إِنَّكَ ذكرتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ. قَالَ: "نَعَمْ، دعوةُ ذِي النُّونِ، إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ (٣)، بِهِ (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ كَثِير بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ -قَالَ أَبُو خَالِدٍ: أَحْسَبُهُ عَنْ مُصْعَبٍ، يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ -عَنْ سَعْدٍ (٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من دَعَا بِدُعَاءِ يُونُسَ، استُجِيب (٦) لَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: يُرِيدُ بِهِ ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار الكَلاعي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي بِشْر بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعي بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِل بِهِ أَعْطَى، دعوةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". قَالَ: قُلْتُ (٨) : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: هِيَ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى خَاصَّةً وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً، إِذَا دَعَوْا بِهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فَهُوَ شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ دَعَاهُ بِهِ" (٩).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيج، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ المُحَبَّر بْنِ قَحْذَم الْمَقْدِسِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى؟ قَالَ: ابنَ أَخِي، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾
(١) في ف: "ويلي".
(٢) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٣) في ت: "ابن سعيد".
(٤) المسند (١/١٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٥٠٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٤٩٢).
(٥) في ت: "عن سعيد".
(٦) في ت: "استجبت".
(٧) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٨٤) من طريق يحيى بن عبد الحميد، وابن عدي في الكامل (٦/٦٨) من طريق أبي هشام الرفاعي كلاهما عن أبي خالد الأحمر به.
(٨) في ت، ف: "فقلت".
(٩) تفسير الطبري (١٧/٦٥).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٨٧ - ٨٨ } ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
أي : واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو : يونس، أي : صاحب النون، وهي الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم.
[ فجاءهم العذاب ] ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال تعالى :﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وقال :﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله. ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها [ لقوله :﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي : فاعل ما يلام عليه ](١)  والظاهر أن(٢)  عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر عليه، أي : يضيق عليه في بطن الحوت أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر، ولا يستمر عليه، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر ؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات :﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
قال الله تعالى :﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
١ - زيادة من هامش ب..
٢ - في الأصل: أنه..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٨٧ - ٨٨} ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم.
[فجاءهم العذاب] ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله. ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها [لقوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فاعل ما يلام عليه] (١) والظاهر أن (٢) عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر، ولا يستمر عليه، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ولهذا قال هنا -[٥٣٠]- ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي الشدة التي وقع فيها
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بـ " يونس " عليه السلام
(١) زيادة من هامش ب.
(٢) في الأصل: أنه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَذَا النُّونِ
وَصَاحِبَ الحُوتِ، وَهُوَ يُونُسُ - عليه السلام -.
أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ
أَن لَّنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ فِي بَطْنِ الحُوتِ، وَنُؤَاخِذَهُ.

إعراب الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

من كتاب: إعراب القرآن

التقى الماء والخشبة. قال أبو إسحاق: ويجوز «الطير» بالرفع بمعنى يسبّحن هنّ والطير. قال وَكُنَّا فاعِلِينَ أي نقدر على ما نريد، وقال غيره: المعنى وكنا فاعلين للأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذه الآيات.

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨١]

وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً معطوف أي وسخّرنا لسليمان الريح، وقرأ عبد الرحمن الأعرج ولسليمان الريح «١» بالرفع قطعه من الأول، ورفع بالابتداء، كما تقول:
أعطيت زيدا درهما ولعمر دينار.

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٢]

وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
مِنَ في موضع نصب إن نصبت الريح، ويجوز الرفع بالابتداء وإن رفعت الريح فمن في موضع رفع عطف عليها، وإن شئت بالابتداء أيضا. ويَغُوصُونَ على معنى «من»، ولو كان في غير القرآن لجاز يغوص على اللفظ.

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٤]

فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ لأهل التفسير في معناه قولان عن مجاهد وعكرمة بإسنادين صحيحين قالا: قيل لأيوب صلّى الله عليه وسلّم، قد آتيناك أهلك في الجنّة، فإن شئت تركناهم لك في الآخرة، وإن شئت آتيناك هم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله جلّ وعزّ له في الجنّة وأعطاه مثلهم في الدنيا، وقال عكرمة: فاختار أن يكونوا له في الجنّة ويؤتي مثلهم في الدنيا، وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود: كان أهل أيوب عليه السلام قد ماتوا إلّا امرأته فأحياهم الله جلّ وعزّ له وآتاه مثلهم معهم، وعن ابن عباس رحمة الله عليه قال: كان بنوه قد ماتوا، فأحيوا له وولد لهم مثلهم معهم.

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٥]

وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ بمعنى: واذكر كذا.

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٧]

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)
قال أبو جعفر: قد ذكرنا عن سعيد بن جبير أنه قال: مغاضبا لربه جلّ وعزّ.
(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٠٨، ومختصر ابن خالويه ٩٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

نَّقْدِرَ

(نَقْدِرَ) بنون مفتوحة وكسر الدال وترقيق الراء

ورش عن نافع

(نَقْدِرَ) بنون مفتوحة وكسر الدال وتفخيم الراء

إدريس عن خلف قالون عن نافع إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(يُقْدَرَ) بياء مضمومة وبفتح الدال وتفخيم الراء

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٨٧ من سورة الأنبياء

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن شيخ مِن ضَبَّة: أنّ عثمان بن عفان جعل يقول حين ضُرِب والدماءُ تسايل على لحيته: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، اللهم، إنِّي أسْتَعْدِيك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابْتَلَيْتَنِي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٥‏/‏٣١٥ (٤٩)-.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عثمان- قال: في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت، ثم أفضى به إلى البحر، فدار في البحر، ثم رجع في دجلة، فثُمَّ نبذه بالعراء، وهو البر١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٨.
٣
عن مجالد، قال: ذُكر عند عامر الشعبي أنّ يونس مكث في بطن الحوت أربعين ليلة. فقال: ما مكث فيه يومًا، إنّما ابتلعه ضُحًى، فلما كادت الشمس تغرب تثاءب الحوت، فرأى يونس ضوء الشمس قبل أن تغرب، فقال: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فخرج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات -ضمن موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٤‏/‏٤٧٦ (١٨١)-.
٤
عن عوف الأعرابي -من طريق جعفر بن سليمان- قال: لَمّا صار يونس في بطن الحوت ظنَّ أنّه قد مات، ثم حرَّك رجليه، فلمّا تَحَرَّكت سَجَد مكانه، ثم نادى: يا ربِّ، اتخذتُ لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحدٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٤.
٥
عن أنس بن مالك، رفعه: «إنّ يونس حين بدا له أن يدعو الله بالكلمات، حين ناداه في بطن الحوت، قال: اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إنِّي كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تَحُفُّ بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ في بلاد غريبة! فقال: أما تعرفون ذلك؟ قال: يا رب، وما هو؟ قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدُك يونس الذي لم يَزَل يُرفَع له عمل متقبل، ودعوة مجابة؟! قال: نعم. قالوا: يا رب، أفلا ترحم بما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت، فطرحه بالعراء، فأنبت الله عليه اليقطينة»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة ص٤٦-٤٧ (٣٢)، والطبراني في كتاب الدعاء ص٣٥ (٤٧)، وعبد الرزاق ٣‏/‏١٠٤ (٢٥٥٨)، وابن جرير ١٩‏/‏٦٢٨-٦٢٩، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٣٦٨-، من طريق أبي صخر حميد بن زياد الخراط، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك به. وسنده ضعيف؛ فيه يزيد بن أبان الرقاشي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٧٦٨٣): «ضعيف».
٦
عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أراد اللهُ حبسَ يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت: أن خُذْه، ولا تخدش له لحمًا، ولا تكسر عظمًا. فأخذه، ثم هوى به إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسًا، فقال في نفسه: ما هذا؟ قال: فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت: إنّ هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسَبَّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكةُ تسبيحه، فقالوا: يا ربَّنا، إنّا نسمع صوتا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذاك عبدي يونس، عصاني، فحَبَسْتُه في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟ قال: نعم. قال: فشَفَعُوا له عند ذلك، فأمَرَ الحوتَ فقذفه في الساحل، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وهو سقيم﴾» [الصافات:١٤٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ٢‏/‏١٦، وفي تفسيره ١٦‏/‏٣٨٤-٣٨٥، من طريق ابن إسحاق، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة به. وأخرجه البزار ١٥‏/‏٣٤ (٨٢٢٧)، من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن نافع به. قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا مِن هذا الوجه بهذا الإسناد». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٩٨ (١١٣٠٢): «رواه البزار عن بعض أصحابه، ولم يُسَمِّه، وفيه ابن إسحاق، وهو مُدَلِّس، وبَقِيَّة رجاله رجال الصحيح».

تفسير

٥٠ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿فنادى في الظلمات﴾، قال: ظُلْمة الليل، وظُلْمة البحر، وظُلْمة بطن الحوت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٢.
٢
عن سعيد بن جبير، مثله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد.
٣
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق محمد بن رِفاعة-، وعمرو بن ميمون -من طريق أبي إسحاق-، وقتادة بن دعامة -من طريق معمر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
٤
عن عبد الملك ابن جريج، مثله١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٢.
٥
عن سالم بن أبي الجعد -من طريق منصور- قال: أوحى الله تعالى إلى الحوتِ أن: ألّا تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابتلع الحوتَ حوتٌ آخر، قال: ﴿فنادى في الظلمات﴾، قال: ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٣.
٦
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- في قوله: ﴿فنادى في الظلمات﴾، قال: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. قال الملائكة: صوتٌ معروف في أرض غريبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٩).
٧
تفسير إسماعيل السُّدِّيّ: قوله: ﴿فنادى في الظلمات﴾، يعني: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿في الظلمات﴾، يعني: ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في المعني بالظلمات؛ فقيل: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقيل: ظلمة جوف حوت، في ظلمة جوف حوت آخر. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٨٣) مستندًا إلى صحّة المعاني، وعدم الدليل على تعيين أحدها أن يُقال في هذا: «إنّ الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت، وبالأخرى: ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائزٌ أن تكون تلك الثالثة: ظلمة الليل، وجائز أن تكون: كون الحوت في جوف حوت آخر. ولا دليل يدل على أيِّ ذلك من أيٍّ، فلا قول في ذلك أولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية (٦/١٩٦) هذه الأقوال، ثم أردف مُعَلِّقًا: «ويصح أن يعبر بـ﴿الظُّلُماتِ﴾ عن جوف الحوت الأول فقط كما قال: ›فِي غَياباتِ الجُبِّ‹، وكل جهاته ظلمة، فجَمْعُها سائِغٌ».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، مُعْتَرِفًا بذنبه، تائِبًا من خطيئته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٤.
١٠
عن الضحاك بن مزاحم، قال: كل تسبيح في القرآن صلاة، إلا قوله: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١١
تفسير إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، يعني: بخطيئته١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٨.
١٢
قال محمد بن قيس -من طريق أبي معشر- قوله: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾: ما صنعت مِن شيء فلم أعبد غيرك، ﴿إني كنت من الظالمين﴾ حين عصيتُك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٦/٣٨٤-٣٨٥) غير قول محمد بن قيس، وابن عباس من طريق سعيد بن جبير، وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، وقول عوف الآتيين في الآثار المتعلقة بالآية. وقال ابنُ عطية (٦/١٩٦): «وقوله تعالى: ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾، يريد: فيما خالف فيه مِن ترك مداومة قومه والصبر عليهم، هذا أحسن الوجوه».
١٣
قال مقاتل بن سليمان: فنادى: ﴿أن لا إله إلا أنت﴾ يُوَحِّد ربه عز وجل، ﴿سبحانك﴾ نَزَّه تعالى أن يكون ظَلَمَه، ثم أقرَّ على نفسه بالظلم، فقال: ﴿إني كنت من الظالمين﴾ يقول يونس عليه السلام: إني ظلمت نفسي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
١٤
قال يحيى بن سلّام: ﴿فنادى في الظلمات﴾، كما قال الله: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٧.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق منصور- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: البلاء الذي أصابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٠.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- أنّ معاوية قال له يومًا: إنّه ضَرَبَتْنِي أمواجُ القرآنِ البارحةَ في آيتين لم أعرف تأويلَهما، ففزعتُ إليك. قال: وما هما؟ قال: قول الله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾، وأنّه يفوته إنْ أراده، وقول الله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ [يوسف:١١٠]، كيف هذا؟ يظنون أنه قد كذبهم ما وعدهم؟! فقال ابن عباس: أمّا يونس فظن أن لن تبلغ خطيئته أن يُقَدِّر اللهُ عليه بها العقابَ، ولم يشك أنّ الله إن أراده قَدِرَ عليه. وأمّا الآية الأخرى فإنّ الرسل استيأسوا مِن إيمان قومهم، وظنُّوا أنّ مَن أعطاهم الرِّضا في العلانية قد كذَّبهم في السر؛ وذلك لِطول البلاءِ عليهم، ولم تَسْتَيْئِسِ الرسلُ مِن نصر الله، ولم يظنوا أنهم كَذَبَهُم ما وعَدَهُم. فقال معاوية: فرَّجْتَ عَنِّي، يا ابن عباس، فرَّج اللهُ عنك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الزبير بن بكار في الموفقيات.
١٧
عن سعيد بن أبي الحسن -من طريق عوف- قال: بلغني: أنّ يونس لَمّا أصاب الذنبَ انطلق مُغاضِبًا لربه، واسْتَزَلَّهُ الشيطانُ، حتى ظنَّ أن لن نقدر عليه. قال: وكان له سلفٌ وعِبادة وتسبيح، فأبى اللهُ أن يَدَعه للشيطان، فأخذه، فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين مِن بين ليلة ويوم، فأمسك اللهُ نفسَه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربِّه في بطن الحوت، وراجع نفسه. قال: فقال: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. قال: فاستخرجه اللهُ مِن بطن الحوت برحمته، بما كان سَلَف مِن العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين. قال عوف: وبلغني: أنّه قال في دعائه: وبَنَيْتُ لك مسجدًا في مكان لم يبنه أحدٌ قبلي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٠.
١٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق الحكم- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: ظنَّ أن لن نُعاقِبه بذنبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن وهب في الجامع ٢‏/‏٢٥ (٤٠) من طريق الحكم، وابن جرير ١٦‏/‏٣٧٩، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٨٠). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، يقول: ظنَّ أنّ الله لن يقضي عليه عقوبةً، ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه، وفراقه إيّاهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٠
قال عطاء: معناه: فظَنَّ أن لن نُضَيِّق عليه الحبسَ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٣٠٢. وأورد عقبه: مِن قوله: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد:٢٦]، أي: يُضَيِّق.
٢١
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾: فكان له سَلَفٌ مِن عمل صالح، فلم يدَعْه اللهُ، فبِهِ أدركه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٢
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: ظنَّ أن لن نُعاقِبه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٩).
٢٣
عن عطية العوفي، في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: ظنَّ أن لن نقضي عليه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، يقول: ظنَّ أن لن نُعاقِبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٩. وعلَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٥.
٢٥
عن قتادة بن دعامة، ومحمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قالا: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٣٧٩. وعلَّقه يحيى بن سلّام ١/ ٣٣٥ عن قتادة بلفظ: فظن أن لن نعاقبه بما صنع.
٢٦
عن إياس بن معاوية المدني١ -من طريق عبد الرحمن بن الحارث- أنّه كان إذا ذُكِر عنده يونس، وقوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، يقول إياس: فَلِم فَرَّ؟٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعله: المزني.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨١.
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، فحسِب يونسُ أن لن نُعاقبه بما صنع١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
٢٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: هذا استفهام. وفي قوله: ﴿فما تغن النذر﴾ [القمر:٥]، قال: استفهام أيضًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٨١.
تعليقات المحققين
  1. ٢للسلف في تفسير قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ ثلاثة تأويلات: الأول: فظنَّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. الثاني: فظنَّ أنه يُعْجِز ربَّه، فلن يقدر عليه. الثالث: أنه استفهام بمعنى: أفظن أن لن نقدر عليه؟. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٨١-٣٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية واللغة القول الأول، وانتقد القولين الآخرين، فقال: «وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: فظن يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه عقوبةً له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكُفْرِ وقد اختاره لنبوته، ووصفه بأن ظن أن ربه يعجز عمّا أراد به ولا يقدر عليه وصفٌ له بأنّه جَهِلَ قدرةَ الله، وذلك وصفٌ له بالكفر، وغيرُ جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد فإنه قولٌ لو كان في الكلام دليلٌ على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أنّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذِف مِن الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنّه مُراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ دلالة على أنّ المراد به الاستفهام -كما قال ابن زيد- كان معلومًا أنه ليس به. وإذ فسد هذان الوجهان صحَّ الثالثُ، وهو ما قلنا». وانتقد ابنُ عطية (٦/١٩٥) القولَ الثاني بقوله: «وهذا قول مردود».
٢٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا التَقَمَ الحوتُ يونسَ ذهب به حتى أوقفه بالأرض السابعة، فسمع تسبيحَ الأرض، فهَيَّجه على التسبيح، فقال: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. فأخرجه حتى ألقاه على الأرض، بلا شعر ولا ظفر مثل الصبي المنفوس، فأُنبِتَتْ عليه شجرةٌ تُظِلُّه، ويأكل مِن تحتها مِن حشرات الأرض١. فبينا هو نائمٌ تحتها إذ تساقط ورَقُها قد يَبِسَتْ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فقال له: تحزن على شجرةٍ يَبِسَتْ، ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون يُعَذَّبون؟!٢
التخريج
  1. ١قيل: كل ما أُكِلَ من بَقْل الأرض حَشَرَةٌ. لسان العرب (حشر).
  2. ٢أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٧٨-٥٧٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣٠
عن عبد الله بن الحارث، قال: لَمّا التَقَمَ الحوتُ يونسَ نبذ به إلى قرار الأرض، فسمع تسبيح الأرض، فذاك الذي هاجه، فناداه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فنادى﴾، يقول: فدعا ربَّه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
٣٢
عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبدُ الله بن مسعود في بيت المال، قال: لَمّا ابتلع الحوتُ يونسَ عليه السلام أهْوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونسُ عليه السلام تسبيحَ الحصى، فنادى في الظلمات -ظلمات ثلاث: بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر-: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. ﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾ [الصافات:١٤٥]، قال: كهيئة الفرخ المَمْعُوط١ الذي ليس عليه ريش٢
التخريج
  1. ١معط الشعر: نتفه. اللسان (معط).
  2. ٢أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٢‏/‏١٠٦-١٠٧ (٣٨)-، والحاكم ٢‏/‏٣٨٣. وعزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم.
٣٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وذا النون﴾، يعني: يونس بن مَتّى عليه السلام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
٣٤
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وذا النون﴾، يعني: يونس. وقال في آية أخرى: ﴿كصاحب الحوت﴾ [القلم:٤٨]، والحوت: النون١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٤.
٣٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا﴾، يقول: غضب على قومه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٧).
٣٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: بعثه الله -يعني: يونس- إلى أهل قريته، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه، فلمّا فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إنِّي مُرسِل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخْرُج مِن بين أظهرهم. فأعلم قومَه الذي وعده الله مِن عذابه إيّاهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج مِن بين أظهركم فهو -واللهِ- كائنٌ ما وعدكم. فلما كانت الليلةُ التي وُعِدوا بالعذاب في صبحها أدلجَ، ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز مِن أرضهم، وفَرَّقوا بين كل دابة وولدها، ثم عَجُّوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتَنَظَّر يونسُ الخبر عن القرية وأهلها، حتى مرَّ به مارٌّ، فقال: ما فعل أهلُ القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيَّهم خرج مِن بين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، وعجُّوا إلى الله، وتابوا إليه؛ فقبل منهم، وأخَّر عنهم العذاب. قال: فقال يونس عند ذلك -وغضب-: واللهِ، لا أرجع إليهم كذّابًا أبدًا، وعَدتُهم العذابَ في يوم، ثم رُدَّ عنهم! ومضى على وجهه مُغاضِبًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٥.
٣٧
عن سعيد بن جبير -من طريق إسماعيل بن عبد الملك- نحوه، وزاد فيه: قال: فخرج يونسُ ينظر العذاب، فلم ير شيئًا، قال: جرِّبوا عَلَيَّ كذبًا. فذهب مُغاضِبًا لربه حتى أتى البحر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٦، كما أخرجه الثوري ص٢٠٤ مختصرًا.
٣٨
عن عبد الله بن عباس، قال: أتى جبريلُ يونسَ، فقال: انطِلق إلى أهل نَيْنَوى، فأنذِرْهم. قال: ألْتَمِسُ دابَّةً. قال: الأمرُ أعجل مِن ذلك. فغضب، فانطلق إلى السفينة١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٥‏/‏٣٥٠.
٣٩
قال عروة بن الزبير: ذهب عن قومه مُغاضِبًا لربه إذ كُشِف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جَرَّبوا عليه الخُلْف فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السببَ الذي به رُفِع العذاب، وكان غضبُه أنَفَةً مِن ظهور خُلْفِ وعده، وأنّه يُسَمّى: كذّابًا، لا كراهية لحكم الله تعالى١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٥‏/‏٣٥٠.
٤٠
عن سعيد بن أبي الحسن -من طريق عوف- قال: بلغني: أنّ يونس لَمّا أصاب الذنب انطلق مُغاضِبًا لربه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٦.
٤١
عن عامر الشعبي -من طريق مُجالد بن سعيد- في قوله: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، قال: مُغاضِبًا لربِّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٦.
٤٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا﴾، قال: مُغاضِبًا لقومه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٤. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤٣
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، قال: انطلق آبِقًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٤٤
تفسير الحسن البصري: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، يعني: مُكابِدًا لدِين ربِّه١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٥.
٤٥
عن الحسن البصري -من طريق شهر بن حوشب-: أنّه غاضَبَ ربَّه مِن أجل أنه أُمِر بالمصير إلى قومٍ لينذرهم بأسه، ويدعوهم إليه، فسأل ربَّه أن ينظره لِيَتَأَهَّب لِلشُّخُوص إليهم، فقيل له: الأمر أسرع من ذلك. ولم يُنظَر، حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلًا ليلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلًا في خُلُقِه ضِيقٌ، فقال: أعجلني ربي أن آخُذَ نعلًا! فذهب مُغاضِبًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٧.
٤٦
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن- قال: إنّ يونس بن مَتّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقِه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة -ولها أثقال لا يحملها إلا قليل- تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الرُّبَعِ تحت الحِمْل١، فقذفها بين يديه، وخرج هاربًا منها. يقول الله لنبيه ﷺ: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف:٣٥]، ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم:٤٨]، أي: لا تُلْقِ أمري كما ألقاه٢
التخريج
  1. ١الرُّبَع: الفَصِيل، وهو ولد الناقة. والمعنى: أن الفصيل لم يطق الحمل. النهاية (فصل)، وتاج العروس (فسخ).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٦.
٤٧
عن عمرو بن قيس، قال: كانت تكون أنبياء جميعًا يكون عليهم واحد، فكان يُوحى إلى ذلك النبي: أرسل فلانًا إلى بني فلان. فقال الله: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، قال: مُغاضِبًا لذلك النبي١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٤٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، يعني: مُراغمًا لقومه؛ لحزقيل بن أجار، ومَن معه مِن بني إسرائيل، ففارقهم مِن غير أن يؤمنوا١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٩٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾؛ فقال بعضهم: ذهب مغاضبًا لقومه. وقال آخرون: ذهب مُغاضبًا لربه إذ رفع العذاب عن قومه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٧٧) مستندًا إلى السياق القول الثاني بقوله: «وهذا القول -أعني: قولَ مَن قال: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه- أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ على ذلك». وانتقد (١٦/٣٧٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية والقرآن القول الأول، فقال: «على أنّ الذين وجَّهوا تأويل ذلك إلى أنّه ذهب مغاضبًا لقومه إنّما زعموا أنّهم فعلوا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبيٌّ من الأنبياء ربه، واستعظامًا له. وهم بقيلهم أنّه ذهب مغاضبًا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا؛ لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله -تعالى ذِكْرُه- ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويَصِفه بالصِّفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم:٤٨]، ويقول: ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات:١٤٣]». وانتقد ابنُ عطية (٦/١٩٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، قائلًا: «وفي هذا القول مِن الضَّعْف ما لا خفاء به مِمّا لا يَتَّصِف به نبيٌّ». وذكر ابنُ عطية قولًا ثالثًا في الآية، فقال: «وقالت فرقة: إنما غاضب الملِك الذي كان على قومه». ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا نحوٌ مِن الأول [يعني قول من قال: غاضب قومه] فيما يلحق منه يونس عليه السلام».
٤٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، يقول: أن لن نقضي عليه عقوبةً، ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره. قال: وعقوبته أخذُ النُّونِ إيّاه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٩، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٧).
٥٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، قال: ظنَّ أن لن يأخذه العذابُ الذي أصابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٣٧٨-٣٧٩، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏٢٩-، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٦). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

آثار في سياق قصة يونس

قول واحد
١
قال يحيى بن سلّام: وبلغنا: أنّ يونس دعا قومَه زمانًا إلى الله عز وجل، فلمّا طال ذلك وأَبَوْا أوحى الله إليه أنّ العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلمّا دنا الوقتُ تَنَحّى عنهم، فلما كان قبل الوقت بيوم جاء، فجعل يطوف بالمدينة، وهو يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فسمعه رجل منهم، فانطلق إلى الملِك، فأخبره أنّه سمع يونس يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فلمّا سمع ذلك الملِك دعا قومَه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقًا فسيأتيكم العذاب غدًا، فاجتمعوا حتى ننظر في أمرنا. فاجتمعوا، فخرجوا مِن المدينة مِن الغد، فنظروا، فإذا بظُلْمَةٍ وريحٍ شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنّه الحق، ففرَّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا الرماد والتراب على رءوسهم تواضعًا لله، وتَضَرَّعوا إليه، وبكوا، وآمنوا؛ فصرف الله عنهم العذاب. واشترط بعضُهم على بعض ألا يكذب منهم أحدٌ كذبة إلا قطعوا لسانه، فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخِلون وخارجون، فقال: أمرني ربي أن أخبر قومي أنّ العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم؟ فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليهم، فأتوه، فحملوه، ولا يعرفونه، فانطلق إلى ناحية من السفينة، فتقنَّع ورقد، فما مضى إلا قليلًا حتى جاءتهم ريحٌ كادت تُغرِق السفينة، فاجتمع أهلُ السفينة، فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجلَ يدعو الله معنا. ففعلوا، فدعا اللهَ معهم، فرفع الله -تبارك وتعالى- عنهم تلك الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت، فتَفَكَّر العبدُ الصالح يونس، فقال: هذا مِن خطيئتي. أو قال: مِن ذنبي أو. كما قال. فقال لأهل السفينة: شدوني وثاقًا، وألقوني في البحر. فقالوا: ما كُنّا لنفعل وحالُك حالك، ولكنّا نقترع، فمَن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا، فأصابته القرعة، فقال: قد أخبرتُكم. فقالوا: ما كُنّا لِنفعل، ولكن اقترعوا الثانية. فاقترعوا، فأصابته القرعة، ثم اقترعوا الثالثة، فأصابته القرعة، وهو قوله عز وجل: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات:١٤١]، أي: مِن المقروعين، ويُقال: مِن المسهومين، يعني: أنّه وقع السهم عليه. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسَه في البحر، فإذا هو بحوتٍ فاتحٍ فاه، ثم انطلق إلى ذَنَب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فأوحى الله -تبارك وتعالى- إلى الحوت: إنِّي لم أجعله لك رِزقًا، ولكن جعلت بطنَك له سِجنًا. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٣٥-٣٣٧.
التفسير بالمأثور لسورة الأنبياء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

٩٤ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ونوحا إذ (نادى) من قبل وأيوب إذ (نادى) ربه وذا النون إذ ذهب مغاضبا.. (فنادى) في الظلمات وزكريا إذ (نادى) ربه﴾ نجاتك في مُناجاتك.

    — إبراهيم العقيل

  • "فظن أن لن نقدر عليه" نقدر هنا من التقدير أي التضييق والحبس في بطن الحوت.. لا من القدرة، فحاشاه أن يشك في قدرة ربه.

    — علي الفيفي

  • ﴿فنادى في الظلمات﴾.. كم من ضيقة فرجت.. ورحمة نزلَت.. وحاجة قضيت.. حين خلونا بالملك العظيم.

    — روائع القرآن

  • قال النبي ﷺ: "دعوة ذا النون؛ ﴿لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فإنه لم يدعو بها مسلم ربّه في شيء قط إلّا استجاب له".

    — فرائد قرآنية

  • "وذا النون إذ ذهب مغاضبا.." الغضب سبب في سجن نبي كريم في بطن حوت في قاع البحر..: إذن لا تغضب.

    — علي الفيفي

  • أكثروا من دعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إِلا فرج الله كربه ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾.

    — فوائد القرآن

  • ذا النون: أي صاحب الحوت، ذكره الله في القرآن باسمه الصريح ٤ مرات ومرّتين بلقبه؛ ﴿وَذا النونِ؛ صاحب الحوت﴾؛ وتسمّت إحدى سور القرآن باسمه.

    — فرائد قرآنية

  • قال: "وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه" غير مقطوع عنهم، فالله له المنة والفضل. تصحيح_التفسير".

    — عبدالمحسن المطيري

  • ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ نقدر = نضيق وليس الشك في قدرة الله..! ومنه قوله ﷻ: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدَر عليه رزقه﴾.

    — نايف الفيصل

  • ﴿وظنّ أن لن نقدر عليه﴾؛ لها معنيان؛ أولهما: أي لن نُضيّق عليه في معيشته وحاله، والمعنى الآخر: من القضاء والقدر، أي: لم يُقدّر له ما حصل.

    — فرائد قرآنية

  • (فنادى في الظلمات...) الظلمة تحجب عنك الضياء، لكنها لا تقوى على حبس الدعاء!!

    — عايض المطيري

  • (فنادى في الظلمات...) المخرج الذي ينبعث منه النور، إذا أدركتك أن الظلمات، مخرج اللجوء إلى الله!!

    — عايض المطيري

و٨٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٨٧ من سورة الأنبياء

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٨٧ من سورة الأنبياء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(87) And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger[899] and thought that We would not decree [anything] upon him.[900] And he called out within the darknesses,[901] "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."
[899]- At the disbelief of his people.
[900]- Or "would not restrict him" in the belly of the fish.
[901]- That of the night, of the sea, and of the fish's interior.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال