الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى ذكره :﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن﴾[ ٨٦ ].
أي : واذكر [ يا محمد ](١) صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضبا.
قال(٢) ابن عباس والضحاك(٣) : ذهب غاضبا(٤) على قومه.
وعن ابن عباس(٥) أنه خرج(٦) مغاضبا على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم(٧). وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معادة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس ﷺ من ذلك. وكذلك(٨) لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى :﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾[ ٨٦ ].
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان ﷺ بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم. طمع(٩) برحمة الله له في ترك(١٠) التضييق عليه. وقد فسرنا هذا المعنى.
وقيل : إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فارا من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر(١١) الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت(١٢) ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾[ ٨٦ ].
أي : من(١٣) الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي أن تأمرني بالخروج. فاستجاب الله له(١٤)، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له : تدل على(١٥) نبوته وفضله.
وقيل(١٦) : إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه(١٧) إنما أراد أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية(١٨). وخروجه من بطن الحوت عاقلا حيا معجزة له، ودليلا على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر بالتوبة. وذلك(١٩) أنهم كذبوه فيما جاءهم به(٢٠) فأوحي الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا : ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه(٢١) فأقالهم.
قيل : خرجوا إلى موضع يقال له تل(٢٢) الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله(٢٣) عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال : ما فعل أهل القرية، فقال : فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه(٢٤) قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم(٢٥) وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب : والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضبا(٢٦).
قال الحسن(٢٧) : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه(٢٨)، فاستزله الشيطان. وقاله الشعبي.
فقيل(٢٩) : إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به/.
وقيل(٣٠) : كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم(٣١) فيقتلوه.
وقيل(٣٢) : معناه : مغاضبا أي : مغاضبا من أجل ربه. أي : غضب على قومه لكفرهم(٣٣) بربه.
وقال الحسن(٣٤) : أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس(٣٥) الله، ويدعوهم إليه(٣٦)، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن(٣٧) يأخذ نعلا يلبسها. وكان رجلا في خلقه ضيق.
فقال : أعجلني ربي أن آخذ نعلا(٣٨) فذهب مغاضبا.
وقال وهب اليماني(٣٩) : إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوة – ولهها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس – تَفَسَّخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه(٤٠)، وخرج هاربا منها.
وقال الأخفش(٤١) : إنما غاضب(٤٢) بعض الملوك.
واختار الطبري(٤٣) أن يكون المعنى(٤٤) مغاضبا لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضبا لقومه.
وقال ابن عباس(٤٥) : إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله :﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾(٤٦). ثم قال :﴿وأرسلناه إلى مائة ألف ويزدون﴾.
وقوله :﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ أي : فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال : قدرت على فلان : ضيقت عليه(٤٧). ومنه قوله :﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾(٤٨).
قال ابن عباس(٤٩) : معناه : فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه(٥٠) أيضا : أن المعنى : ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب لعيهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك(٥١) : المعنى : فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال : هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قاله : جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن(٥٢) : استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه(٥٣) للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال :﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته(٥٤) لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد(٥٥) : معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر [ عليه ](٥٦).
ثم قال تعالى :﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾[ ٨٦ ].
يعني : فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله : ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب(٥٧).
وقيل(٥٨) : إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
وقوله :﴿إني كنت من الظالمين﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي(٥٩) : لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت(٦٠)، سجد مكانه، ثم نادى : يا رب، اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال(٦١) : " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحما، ولا تكسر له عظما. فأخذه ثم هوى به(٦٢) إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض(٦٣)، سمع يونسا حسا، فقال : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت : هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن الحوت ".
قال : " سمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا، إنا لنسمع(٦٤) صوتا ضعيفا بأرض غريبة(٦٥). قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا(٦٦) : العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة(٦٧) عمل صالح ؟ قال(٦٨) : نعم. قال(٦٩) : فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال :( وهو سقيم ) ".
١ زيادة من ز..
٢ ز: فقال..
٣ انظر: جامع البيان ١٧/٧٦ وعرائس المجالس: ٤٠٧ وزاد المسير ٥/٣٨٠ والقرطبي ١١/٣٣٠..
٤ ز: مغاضبا..
٥ انظر: تفسير الفخر ٢٢/٢١٤..
٦ خرج سقطت من ز..
٧ ز: وصرف عنه. (تحريف)..
٨ ز: وكذا..
٩ ز: طمعا..
١٠ ز: تلك. (تحريف)..
١١ ز: يعفو. (تحريف)..
١٢ ز: أن لا إله إلا أنت..
١٣ من سقطت من ز..
١٤ ز: فاستجبنا له..
١٥ على سقطت من ز..
١٦ القول لابن عباس في جامع البيان ١٧/٧٦..
١٧ بذنبه سقطت من ز..
١٨ آية سقطت من ز..
١٩ ز: وذكره (تحريف)..
٢٠ به سقطت من ز..
٢١ ز: واشتعالهم. (تحريف)..
٢٢ ز: على. (تحريف)..
٢٣ الله سقطت من ز..
٢٤ ع: أنهم. والمثبت في النص من ز..
٢٥ ز: توبتهم..
٢٦ وهو تتمة للقصة السابقة عن ابن عباس. انظر: جامع البيان ١٧/٧٧..
٢٧ انظر: جامع البيان ١٧/٧٧ وعرائس المجالس: ٤٠٩ وتفسير القرطبي ١١/٣٢٩..
٢٨ ز: غاضبا إلى ربه..
٢٩ انظر: الفخر الرازي ٢٢/٢١٣..
٣٠ انظر: الفخر الرازي ٢٢/٢١٣..
٣١ ز: كذلك..
٣٢ القول لأبي النقاش في زاد المسير ٥/٣٨٢..
٣٣ ز: بكفرهم..
٣٤ انظر: جامع البيان ١٧/٧٨ وعرائس المجالس: ٤٠٧ والقرطبي ١١/٣٢٩..
٣٥ ز: بأمر..
٣٦ ز: إليهم..
٣٧ ز: حتى. (تحريف)..
٣٨ قوله : (يلبسها... نعلا) سقط من ز..
٣٩ ولعله من الإسرائيليات التي نقلها وهب بن منبه. انظر: في جامع البيان ١٧/٧٧ وزاد المسير ٥/٣٨٢..
٤٠ ز: في (تحريف)..
٤١ انظر: معاني الأخفش ٢/٣١٢..
٤٢ ز: غالب. (تحريف)..
٤٣ انظر: جامع البيان ١٧/٧٨..
٤٤ المعنى سقطت من ز..
٤٥ انظر: عرائس المجالس: ٤٠٧..
٤٦ الصافات آية ١٤٥..
٤٧ ز: عمله. (تحريف)..
٤٨ الطلاق آية ٧..
٤٩ انظر: جامع البيان ١٧/٧٨ وتفسير القرطبي ١١/٣٣١..
٥٠ انظر: المصدر السابق..
٥١ انظر: جامع البيان ١٧/٧٨-٧٩ والدر المنثور ٤/٣٣٣..
٥٢ انظر: جامع البيان ١٧/٧٩ وزاد المسير ٥/٣٨٣ والقرطبي ١١/٣٣١. والقائل هو سعيد بن أبي الحسن واسمه يسار الأنصاري مولاهم البصري (ت ١٠٨ هـ) انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب ٤/١٦..
٥٣ ز: يدعوه. (تحريف)..
٥٤ ترجمته سقطت من ز..
٥٥ انظر: جامع البيان ١٧/٧٩ وعرائس المجالس: ٤٠٩ وزاد المسير ٥/٣٨٣ وتفسير الفخر الرازي ٢٢/٢١٥..
٥٦ زيادة من ز..
٥٧ انظر: جامع البيان ١٧/٨٠ وزاد المسير ٥/٣٨٣ وتفسير القرطبي ١١/٣٣٣ وابن كثير ٣/١٩٢ والدر المنثور ٤/٣٣٣..
٥٨ القول لسالم بن أبي الجعد في جامع البيان ١٧/٨٠ وزاد المسير ٥/٣٨٣ وابن كثير ٣/١٩٢..
٥٩ ز: عرف الأعراب. (تحريف) وانظر قول عوف في جامع البيان ١٧/٨١ وتفسير القرطبي ١١/٣٣٣. والقائل هو عوف بن أبي جميلة العبدي أبو سهل البصري المعروف بالأعرابي (ت ١٤٦ هـ). انظر: تهذيب التهذيب ٨/١٦٦..
٦٠ ز: تحرك..
٦١ انظر: جامع البيان ١٧/٨١ والقرطبي ١٥/١٢٣ وابن كثير ٣/١٩٢..
٦٢ به سقطت من ز..
٦٣ ز: أسفل الأرضين السبع..
٦٤ ز: نسمع..
٦٥ ز: في الأرض قريبة. (تحريف)..
٦٦ ز: فقالوا..
٦٧ وليلة سقطت من ز..
٦٨ ز: قالوا..
٦٩ قال سقطت من ز..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى