الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾ : فيه أوجهٌ أحدُها : وهو الأجود أن تكونَ " هي " ضميرَ القصة، و " شاخصةٌ " خبرٌ مقدمٌ، و " أبصارُ " مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرٌ ل " هي " لأنها لا تُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مصرِّحٍ بجزأيها، وهذا مذهبُ البصريين. الثاني : أن تكونَ " شاخصة " مبتدأ، و " أبصارُ " فاعلٌ سدَّ مَسَدَّ الخبرِ، وهذا يتمشَّى على رأي الكوفيين ؛ لأنَّ ضميرَ القصةِ يُفَسَّر عندهم بالمفردِ العاملِ عملَ الفعلِ فإنَّه في قوة الجملة. الثالث : قال الزمخشري :" هي " ضميرٌ مُبْهَمٌ تُوَضِّحه الأبصارُ وتُفَسِّره، كما فُسِّر ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ولم يَذْكر غيرَه. قلت : وهذا هو قولُ الفراء ؛ فإنَّه قال :" هي " ضميرُ الأبصارِ تقدَّمَتْ لدلالة الكلام ومجيءِ ما يُفَسِّرها ". وأنشد شاهداً على ذلك :/
فلا وأبيها لا تقول حَليلتيألا فَرَّعني مالكُ بنُ أبي كعبِ
الرابع : أن تكونَ " هي " عماداً، وهو قول الفراء أيضاً، قال :" لأنه يَصْلُح موضعَها " هو " وأنشد :
بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهمٍفهل هو مرفوعٌ بما ههنا راسُ
وهذا لا يَتَمَشَّى إلاَّ على أحدِ قولي الكسائي : وهو أنه يُجيز تقدُّمَ الفصلِ مع الخبرِ المقدَّم نحو :" هو خيرٌ منك زيد " الأصل : زيدٌ هو خيرٌ منك، وقال الشيخ :" أجاز هو القائمُ زيدٌ، على أنَّ " زيداً " هو المبتدأ و " القائم " خبره و " هو " عمادٌ. وأصلُ المسألةِ : زيدٌ هو القائم ". قلتُ : وفي هذا التمثيلِ [ نظرٌ ] ؛ لأنَّ تقديمَ الخبرِ هنا ممتنعٌ لا ستوائِهما في التعريفِ، بخلاف المثال الذي قَدَّمْتُه، فيكون أصلُ الآيةِ الكريمة : فإذا أبصارُ الذين كفروا هي شاخصةٌ، فلما قُدِّم الخبرُ وهو " شاخصةٌ " قُدِّم معها العِمادُ. وهذا أيضاً إنما يجيءُ على مذهبِ مَنْ يرى وقوعَ العمادِ قبل النكرة غيرِ المقاربةِ للمعرفةِ.
الخامس : أَنْ تكونَ " هي " مبتدأً، وخبرُه مضمرٌ، ويَتِمُّ الكلامُ حينئذٍ على " هي "، ويُبْتَدأ بقوله " شاخصة أبصار ". والتقديرُ : فإذا هي بارزةٌ أي : الساعةُ بارزةٌ أو حاضرة، و " شاخصةٌ " خبرٌ مقدمٌ و " أبصارُ " مبتدأٌ مؤخرٌ. ذكره الثعلبي. وهو بعيدٌ جداً لتنافرِ التركيبِ، وهو التعقيدُ عند علماءِ البيان.
قوله :﴿يوَيْلَنَا﴾ معمولٌ لقولٍ محذوفٍ، وفي هذا القولِ المحذوفِ وجهان، أحدُهما : أنَّه جوابُ " حتى إذا " كما تقدَّم. والثاني : في محلِّ نصبٍ على الحالِ من " الذين كفروا "، قاله الزمخشري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى