الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿إذ يغشيكم النعاس﴾[ ١١ ]، الآية.
من قرأ :﴿إذ يغشيكم﴾(١)، احتج بإجماعهم(٢) على :﴿يغشى طائفة منكم﴾(٣).
ومن قرأ :﴿يغشيكم﴾(٤)، مشددا، فرد(٥) الفعل إلى الله عز وجل، احتج بقوله :﴿وينزل عليكم﴾[ ١١ ]، وهو لله بلا اختلاف(٦). فكون الكلام على نظام واحد أحسن(٧).
وقوله :﴿أمنة﴾[ ١١ ]، : مفعول من أجله(٨).
وقيل : هو مصدر(٩).
وقوله ﴿إذ يغشيكم﴾ : العامل في ﴿إذ﴾ قوله :﴿إلا بشرى﴾(١٠)[ ١٠ ]، ﴿إذ يغشيكم﴾، أي : حين يغشيكم.
ومعنى ﴿يغشيكم﴾ : يلقى عليكم(١١)، و﴿أمنة﴾ : أمانا من الله(١٢) لكم من عدوكم أن يغلبكم(١٣)، وذلك يوم أحد أنزل الله عز وجل، عليكم النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد(١٤).
وقوله :﴿وينزل عليكم من السماء ماء﴾[ ١١ ].
كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مجنبين على غير ماء، فأنزل الله عز وجل، ( عليهم(١٥) ) مطرا فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم(١٦) به من إصباحهم مجنبين على غير ماء(١٧) ؛ لأن المشركين سبقوا المسلمين ببدر إلى الماء(١٨) فأصبح المسلمون عطاشا(١٩) مجنبين ومحدثين، فوسوس إليهم الشيطان، وقال : عدوكم على الماء، وأنتم تزعمون / أنكم مسلمون، فأزال الله الأحداث(٢٠) والعطش والوسوسة بالمطر الذي أنزل عليهم، وسكن به الغبار، وتمهدت(٢١) الأرض للوطء عليها(٢٢).
قيل : كانت سبخة(٢٣) لا تثبت عليها الأقدام(٢٤).
وقيل : كانت رملا(٢٥).
وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سبخة.
وقول من قال : كانت الأرض رملة أولى، لقوله(٢٦) :﴿ويثبت به الاقدام﴾.
قال قتادة : ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماء، وكانوا قد التقوا على كثيب(٢٧) أعفر فلبَّده(٢٨) الله عز وجل بالماء، وشرب المسلمون واستقوا، [ و(٢٩) ] أذهب الله عز وجل، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه(٣٠).
وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله عز وجل، بنزول المطر قدرته، وأثبت في قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة الشيطان.
وقوله :﴿ويثبت به الاقدام﴾[ ١١ ].
أي : بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رملة فلبَّّدها المطر حتى تثبت الأقدام عليها(٣١)، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألقوا فيه في بدر.
وقوله :﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾[ ١١ ].
أي : وساوسه(٣٢).
وقال القتيبي(٣٣) : كيده(٣٤).
١ بفتح الياء، وسكون الغين، وفتح الشين وتخفيفها، وبألف بعد الشين. وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، كما في التبصرة ٢١١، وكتاب السبعة في القراءات ٣٠٤، وإعراب القراءات السبع وعللها ١/٢٢٢، وحجة القراءات لأبي زرعة ٣٠٨، وسراج القارئ ٢٣٣. وينظر: جامع البيان ١٣/٤٢٠، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٦، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦، والبحر المحيط ٤/٤٦١..
٢ انظر: الكشف ١/٣٦٠..
٣ آل عمران: ١٥٤، ومستهل الآية: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية...﴾، الآية.
قال في الكشف ١/٤٨٩: "وحجة من قرأ بـ"الألف" ورفع "النعاس" أنه أضاف الفعل إلى ﴿النعاس﴾ فرفعه به، ودليله قوله: ﴿أمنة نعاسا يغشى﴾، [آل عمران: ١٥٤]، في قراءة من قرأه بـ: "الياء" أو "التاء"، فأضاف الفعل إلى "النعاس" أو إلى "الأمنة". و"الأمنة" هي "النعاس". فأخبر: أن النعاس هو الذي يغشى القوم"..

٤ بضم الياء، وفتح الغين، وكسر الشين وتشديدها. وهي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، كما في التبصرة ٢١١، وكتاب السبعة في القراءات ٣٠٤، ومعاني القراءات ١/٤٣٧، وإعراب القراءات السبع ١/٢٢٢، وسراج القارئ ٢٣٣. وينظر المحرر الوجيز ٢/٥٠٦، والبحر المحيط ٤/٤٦١..
٥ في الأصل: فردد، بدالين مهملتين، وهو سبق قلم ناسخ..
٦ انظر: جامع البيان ١٣/٤٢١..
٧ قال في الكشف ١/٤٦٠: "وحجة من ضم "الياء" وخفف أو شدد أنه أضاف الفعل إلى الله، لتقدم ذكره في قوله: ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ فنصب ﴿النعاس﴾ لتعدي الفعل إليه، وقوى ذلك أن بعده ﴿وينزل عليكم﴾ فأضاف الفعل إلى الله، جل ذكره، وكذلك "الإغشاء" يضاف إلى الله، ليتشاكل الكلام،... ، والاختيار: ضم الياء والتشديد، ونصب ﴿النعاس﴾؛ لأن بعده ﴿أمنة منه﴾، فـ:"الهاء" لله، وهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه". انظر: جامع البيان ١٣/٤٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٩..
٨ مشكل إعراب القرآن ١/٣١٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢/٤٠٣، بلفظ: "منصوب مفعول له، كقولك: "فعلت ذلك حذر الشيء"، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٨٩، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/٢٧٥، بلفظ: منصوب على أنه مفعول له، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦، والدر المصون ٣/٤٠٢. انظر: حاشية الجمل على الجلالين ٣/١٧٣..
٩ وهو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/٢٤٢، بلفظ: ".. وهي مصدر، بمنزلة: أمنت أمنه وأمانا وأمنا كلهن سواء"، وجامع البيان ١٣/٤٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٩، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٦، وفيه: "... ، و"الهاء" فيها لتأنيث المصدر، كما هي في المساءة والمشقة"، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦، والدر المصون ٣/٤٠٢، بلفظ: "... مصدر لفعل مقدر، أي: فأمنتم أمنة، وفيه وجه ثالث هو: نصبها على أنها واقعة موقع الحال،... ،"..
١٠ في معاني القرآن للزجاج ٢/٤٠٣: "﴿إذ﴾ موضعها نصب على معنى ﴿وما جعله الله إلا بشرى﴾ في ذلك الوقت". للتوسع انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠٥، والبحر المحيط ٤/٤٦١، والدر المصون ٣/٤٠١..
١١ تمامه في جامع البيان: النعاس..
١٢ في "ر": عز وجل..
١٣ جامع البيان ١٣/٤١٩، وتمامه: "وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل"..
١٤ من قوله: "وذلك يوم أحد" إلى هنا، يأباه السياق؛ لأن الآية تتحدث عن غزوة بدر. ولعله رحمه الله، يقصد ما أخرجه الطبري بسنده،... ، عن ابن زيد قال: قوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾، قال: أنزل الله عز وجل، النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد، فقرأ ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾ [آل عمران: ١٥٤]..
١٥ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
١٦ في "ر": فما أخذتهم، وهو تحريف. وفي الأصل: تلاشت بفعل التصوير. والتصويب من جامع البيان الذي نقل عنه مكي.
وأحزنه غيره وحزنه أيضا، مثل: أسلكه وسلكه:... ، وخزنه: لغة قريش وأحزنه: لغة قريش وأحزنه: لغة تميم، وقرئ بهما. المختار / حزن..

١٧ جامع البيان ١٣/٤٢١، باختصار..
١٨ في سبق المشركين إلى الماء ببدر خلاف، انظر: في المحرر الوجيز ٢/٥٠٧، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٧..
١٩.. وبابه طرب،... ، وقوم عطشى بوزن سكرى، وعطاشى بوزن حبالى، وعِطاش بالكسر، المختار / عطش..
٢٠ أحدث الإنسان إحداثا، والاسم: الحدث، وهو الحالة الناقضة للطهارة شرعا، والجمع: الأحداث، مثل: سبب وأسباب. المصباح / حدث..
٢١ في الأصل: وتهدت، وهو تحريف..
٢٢ لمزيد بيان انظر: جامع البيان ١٣/٤٢٢، وما بعدها..
٢٣ سبخت الأرض سبخا، من باب تعب، فهي سبخة بكسر الباء... ، أي: ملحة. المصباح / سبخ..
٢٤ انظر: تفسير القرطبي ٧/٢٣٧..
٢٥ وهو قول ابن عباس، والضحاك، والسدي، كما في جامع البيان ١٣/٤٢٣، وما بعدها..
٢٦ في الأصل: أول مل قوله، وهو تحريف ليس بشيء..
٢٧ الكثيب من الرمل: المجتمع. المختار / كثب. و: الأعفر: الرمل الأحمر. والأعفر أيضا: الأبيض، وليس بالشديد البياض / المختار..
٢٨ في الأصل: فأبده، وهو تحريف..
٢٩ زيادة من "ر"، وجامع البيان..
٣٠ جامع البيان ١٣/٤٢٣، من غير: "وأحزانه"..
٣١ وهو مذهب إليه ابن عباس، والسدي، ومجاهد، والضحاك، على ما في جامع البيان ١٣/٤٢٣، وما بعدها.
وقال الزجاج في معاني القرآن ٢/٤٠٤: "... ، وجائز أن يكون زين به للربط على قلوبهم فيكون المعنى: ﴿وليربط على قلوبكم ويثبت﴾ بالربط الأقدام". انظر: تفسير الرازي ٨/١٣٩..

٣٢ وهو قول ابن عباس في جامع البيان ١٣/٤٢٥، وزاد المسير ٣/٣٢٨. وهو أيضا قول مجاهد كما في تفسيره ٣٥٢، وجامع البيان ١٣/٤٢٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٦٦..
٣٣ في "ر": القتبي..
٣٤ تفسير غريب القرآن ١٧٧، وتأويل مشكل القرآن ٤٧١. وذكره مكي بنصه في تفسير المشكل من غريب القرآن ١٨٠. وقاله ابن زيد على ما في تفسير الماوردي ٢/٣٠٠، وزاد المسير من غريب القرآن ١٨٠. وقاله ابن زيد على ما في تفسير الماوردي ٢/٣٠٠، وزاد المسير ٣/٣٢٨. انظر: تفسير الرازي ٨/١٣٨، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى