اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ الآية.
في " زَحْفاً " وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك النّاصب له في محلِّ نصب على الحال، والتقديرُ : إذا لقيتُمُ الذين كَفَرُوا زَاحِفينَ زَحْفاً أو يَزْحَفُونَ زحفاً.
والثاني : أنه منصوبٌ على الحال بنفسه، ثُمَّ اختلفوا في صاحب الحال، فقيل : الفاعلُ أي وأنتم زَحْفٌ من الزُّحوفِ، أي : جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً، على حسب ما يُفَسَّر به الزَّحْف، وسيأتي.
وقيل : هو المفعول، أي : وَهُمْ جَمٌّ كثير، أو يمشون إليكم.
وقيل : هي حالٌ منهما، أي : لقيتموهم مُتزاحفين بعضكم إلى بعض، والزَّحْفُ الدُّنو قليلاً قليلاً، يقال : زَحَفَ يَزْحَفُ إليه بالفتح فيها فهو زَاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحَفَ وأزْحَفَ لنا عَدُوُّنَا، أي : دَنَوا لقتالنا.
وقال اللَّيْثُ : الزَّحْفُ : الجماعةُ يمشون إلى عدوِّهم ؛ قال الأعشى :[ الكامل ]
وهذا من باب إطلاق المصدر على العين، والزَّحْفُ : الدَّبيب أيضاً، مِنْ زَحَفَ الصبيُّ قال امرؤُ القيس :[ المتقارب ]
\\ويجوزُ جمعُهُ على : زُحُوف ومَزَاحِف، لاختلافِ النوع ؛ قال الهذليُّ :[ الوافر ]
ومَزاحِف : جمع " مَزْحف " اسم المصدر.
قوله :﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ مفعول :" تولُّوهم " الثَّاني هو " الأدْبار "، وكذا " دُبُره " مفعول ثان ل :" يُولِّهِمْ " وقرأ(٤) الحسن : بالسُّكونِ كقولهم : عُنْق في عُنُق، وهذا من باب التَّعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ من فاعلها ؛ فأتى بلفظ الدُّبُر دُونَ الظَّهر لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمَّى هذا النوع كنايةً، وليس بشيء.
قوله :" إلاَّ مُتَحرفاً " في نصبه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ حال.
والثاني : أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري.
فقال :" فإن قلت : بِمَ انتصبَ :" إلاَّ مُتَحرِّفاً " ؟ قلتُ : على الحالِ و " إلاَّ " لغوٌ، أو على الاستثناءِ من المُولِّين : أي ومنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم مُتَحرفاً أو مُتَحيزاً ".
قال أبُو حيان(٥) :" لا يريدُ بقوله " إلاَّ " لغوٌ أنَّها زائدةٌ، إنَّما يريد أنَّ العامل وهو :" يُولِّهِمْ " وصل لِمَا بعدها كقولهم في " لا " من قولهم : جئت بلا زاد - إنَّها لغوٌ. وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوف والتقدير : ومَنْ يُولِّهِم ملتبساً بأية حال إلاَّ من حال كذا، وإن لم تُقدَّرُ حالٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ " إلاَّ " لأن الشَّرط عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُهُ ألاَّ تدخل " إلاَّ " فيه لا في المفعول، ولا في غيره من الفضلات، لأنه استثناء مُفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب، إنَّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤوَّل ".
قال شهابُ الدِّينِ(٦) :" قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا حاجة إليه لأنَّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقاً، سواءٌ أكان ما بعد إلاَّ فضلةً أو عمدةً فذكرُ الفضلةِ والمفعول يوهم جوازه في غيرهما ".
وقال ابنُ عطيَّة(٧) :" وأمَّا الاستثناءُ فهو من المُولِّين الذين تتضمَّنهم " مَنْ " فجعل نصبه على الاستثناء ".
وقال جماعةٌ : إنَّ الاستثناءَ من أنوع التولِّي، ورُدَّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيبُ : إلاَّ تحيُّزاً أو تحرُّفاً، والتَّحيُّزُ والتَّحَوُّزُ : الانضمامُ، وتحوَّزت الحيَّة : انطوَتْ، وحُزْتُ الشَّيء : ضَمَمْتُهُ، والحَوْزَةُ : ما يَضُمُّ الأشياء، ووزنُ " متحيَّز " " مُتَفَيعِل " والأصل " مُتَحيْوِز " فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكُون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الباء بعدها، ك : مَيِّت، ولا يجوزُ أن يكون :" مُتفَعِّلاً " ؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان " متحوِّزاً "، فأمَّا متحوِّز ف " متفعِّل ".
معنى الآية : إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدْبَارَ : أي لا تنهزموا، فتجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم ثم بيَّن أنَّ الانهزام محرم إلاَّ في حالتين :
إحداهما : أن يكون مُتحَرّفاً للقتال، أي : أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال : تحرَّف وانحرف إذا زالَ عن وجهة الاستواء. والثانية : قوله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ والتَّحيز الانضمام كما تقدَّم، والفئة الجماعةُ، فإذا كان هذا المنهزم منفرداً، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن انضمَّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فربَّمَا وجب عليه التَّحيُّز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون جائزاً. والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلاَّ في هاتين الحالتين، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة
في " زَحْفاً " وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك النّاصب له في محلِّ نصب على الحال، والتقديرُ : إذا لقيتُمُ الذين كَفَرُوا زَاحِفينَ زَحْفاً أو يَزْحَفُونَ زحفاً.
والثاني : أنه منصوبٌ على الحال بنفسه، ثُمَّ اختلفوا في صاحب الحال، فقيل : الفاعلُ أي وأنتم زَحْفٌ من الزُّحوفِ، أي : جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً، على حسب ما يُفَسَّر به الزَّحْف، وسيأتي.
وقيل : هو المفعول، أي : وَهُمْ جَمٌّ كثير، أو يمشون إليكم.
وقيل : هي حالٌ منهما، أي : لقيتموهم مُتزاحفين بعضكم إلى بعض، والزَّحْفُ الدُّنو قليلاً قليلاً، يقال : زَحَفَ يَزْحَفُ إليه بالفتح فيها فهو زَاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحَفَ وأزْحَفَ لنا عَدُوُّنَا، أي : دَنَوا لقتالنا.
وقال اللَّيْثُ : الزَّحْفُ : الجماعةُ يمشون إلى عدوِّهم ؛ قال الأعشى :[ الكامل ]
| لِمَنْ الظَّعَائنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ | مِثْلَ السَّفينِ إذَا تَقَاذَفُ تَجْدِفُ(١) |
| فَزَحْفاً أتَيْتُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ | فَثَوْباً لَبِسْتُ وثَوْباً أجُرّ(٢) |
| كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فِيهِ | قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثَارُ السِّيَاطِ(٣) |
قوله :﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ مفعول :" تولُّوهم " الثَّاني هو " الأدْبار "، وكذا " دُبُره " مفعول ثان ل :" يُولِّهِمْ " وقرأ(٤) الحسن : بالسُّكونِ كقولهم : عُنْق في عُنُق، وهذا من باب التَّعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ من فاعلها ؛ فأتى بلفظ الدُّبُر دُونَ الظَّهر لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمَّى هذا النوع كنايةً، وليس بشيء.
قوله :" إلاَّ مُتَحرفاً " في نصبه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ حال.
والثاني : أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري.
فقال :" فإن قلت : بِمَ انتصبَ :" إلاَّ مُتَحرِّفاً " ؟ قلتُ : على الحالِ و " إلاَّ " لغوٌ، أو على الاستثناءِ من المُولِّين : أي ومنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم مُتَحرفاً أو مُتَحيزاً ".
قال أبُو حيان(٥) :" لا يريدُ بقوله " إلاَّ " لغوٌ أنَّها زائدةٌ، إنَّما يريد أنَّ العامل وهو :" يُولِّهِمْ " وصل لِمَا بعدها كقولهم في " لا " من قولهم : جئت بلا زاد - إنَّها لغوٌ. وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوف والتقدير : ومَنْ يُولِّهِم ملتبساً بأية حال إلاَّ من حال كذا، وإن لم تُقدَّرُ حالٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ " إلاَّ " لأن الشَّرط عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُهُ ألاَّ تدخل " إلاَّ " فيه لا في المفعول، ولا في غيره من الفضلات، لأنه استثناء مُفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب، إنَّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤوَّل ".
قال شهابُ الدِّينِ(٦) :" قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا حاجة إليه لأنَّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقاً، سواءٌ أكان ما بعد إلاَّ فضلةً أو عمدةً فذكرُ الفضلةِ والمفعول يوهم جوازه في غيرهما ".
وقال ابنُ عطيَّة(٧) :" وأمَّا الاستثناءُ فهو من المُولِّين الذين تتضمَّنهم " مَنْ " فجعل نصبه على الاستثناء ".
وقال جماعةٌ : إنَّ الاستثناءَ من أنوع التولِّي، ورُدَّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيبُ : إلاَّ تحيُّزاً أو تحرُّفاً، والتَّحيُّزُ والتَّحَوُّزُ : الانضمامُ، وتحوَّزت الحيَّة : انطوَتْ، وحُزْتُ الشَّيء : ضَمَمْتُهُ، والحَوْزَةُ : ما يَضُمُّ الأشياء، ووزنُ " متحيَّز " " مُتَفَيعِل " والأصل " مُتَحيْوِز " فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكُون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الباء بعدها، ك : مَيِّت، ولا يجوزُ أن يكون :" مُتفَعِّلاً " ؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان " متحوِّزاً "، فأمَّا متحوِّز ف " متفعِّل ".
فصل
معنى الآية : إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدْبَارَ : أي لا تنهزموا، فتجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم ثم بيَّن أنَّ الانهزام محرم إلاَّ في حالتين :
إحداهما : أن يكون مُتحَرّفاً للقتال، أي : أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال : تحرَّف وانحرف إذا زالَ عن وجهة الاستواء. والثانية : قوله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ والتَّحيز الانضمام كما تقدَّم، والفئة الجماعةُ، فإذا كان هذا المنهزم منفرداً، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن انضمَّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فربَّمَا وجب عليه التَّحيُّز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون جائزاً. والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلاَّ في هاتين الحالتين، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة
١ البيت نسبه صاحب البحر للأعشى كما ذكره المصنف وليس في ديوانه ونسب لأبي حفص وغيره. ينظر: زاد المسير ٣/٧٣٣١ البحر المحيط ٤/٤٨، والدر المصون ٣/٤٠٧..
٢ تقدم..
٣ ينظر: البيت في ديوان الهذليين ٢/٢٥ والبحر ٤/٤٦٨، واللسان (زحف) وشرح أشعار الهذليين ٣/١٢٧٣، والدر المصون ٣/٤٠٧..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠، البحر المحيط ٤/٤٧٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٧٠..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٤٠٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥١٠..
٢ تقدم..
٣ ينظر: البيت في ديوان الهذليين ٢/٢٥ والبحر ٤/٤٦٨، واللسان (زحف) وشرح أشعار الهذليين ٣/١٢٧٣، والدر المصون ٣/٤٠٧..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠، البحر المحيط ٤/٤٧٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٧٠..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٤٠٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥١٠..