جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلََكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنّ اللّهَ رَمَىَ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش : فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم. وأضاف جلّ ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جلّ ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدلّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إلها. وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى فأضاف الرمي إلى نبيّ الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جلّ ثناؤه هو الموصل المرميّ به إلى الذين رمُوا من به المشركين، والمسبب الرمية لرسوله. فيقال للمسلمين ما ذكرنا : قد علمتم إضافة الله رمى نبيه ﷺ المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده، ومن رسول الله ﷺ الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة : من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتساب بالقوى ؟ فلن يقولوا في أحدهما قولاً إلاّ ألزموا في الآخر مثله.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ لأصحاب محمد ﷺ، حين قال هذا : قتلت، وهذا : قتلت. وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ قال لمحمد حين حَصَب الكفار.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى قال : رماهم رسول الله ﷺ بالحصباء يوم بدر.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال : ما وقع منها شيء إلاّ في عين رجل.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة، قال : لما ورد رسول الله ﷺ بدرا قال :«هَذِهِ مَصَارِعُهُمْ ». ووجد المشركون النبيّ ﷺ قد سبقهم إليه ونزل إليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبيّ ﷺ قال : هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائها وَفَخْرِها تَحادّكَ وَتُكَذّبُ رَسُولَكَ، اللّهُمّ إني أسألُكَ ما وَعَدْتَنِي » فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عزّ وجلّ.
حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا يعقوب بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال : حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام، قال : لما كان يوم بدر، سمعنا صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية، فانهزمنا.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي، قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال :«شاهَتِ الُوجُوهُ » فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ. وأنزل الله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى. . . الآية، إلى : إنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ. . . الاَية، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها في وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قال رسول الله ﷺ حين التقى الجمعان يوم بدر لعليّ رضي الله عنه :«أعْطِني حَصا مِنَ الأرْضِ » فناوله حصى عليه تراب فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلاّ دخل في عينيه من ذلك التراب شيء. ثم ردِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فذكر رمية النبيّ ﷺ، فقال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى قال : هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال :«شاهَت الوُجُوهُ » فانهزموا، فذلك قول الله عزّ وجلّ : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر، فقال :«يا رَبّ إنْ تَهْلِكْ هذِهِ العِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَد فِي الأرْضِ أبَدا » فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم فما من المشركين من أحد إلاّ أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قال الله عزّ وجلّ في رمي رسول الله ﷺ المشركين بالحصباء من يده حين رماهم : وَلكنّ اللّهَ رَمى : أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوّك منها حين هزمتهم.
ورُوي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال، وهو ما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ قال : جاء أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبيّ ﷺ بعظم حائل، فقال : الله محيي هذا يا محمد وهو رميم ؟ وهو يفتّ العظم. فقال النبيّ ﷺ :«يُحْيِيهِ اللّهُ، ثُمّ يُمِيتُكَ، ثُمّ يُدْخِلُكَ النّارَ » قال : فلما كان يوم أُحد، قال : والله لأقتلنّ محمدا إذا رأيته فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال :«بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ ».
وأما قوله : وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنا فإن معناه : ولينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويغنمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ. وذلك البلاء الحسن، رَمْيُ الله هؤلاء المشركين. ويعني بالبلاء الحسن : النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت، وما في معناه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في قوله : وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهَ بَلاءً حَسَنا : أي ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوّهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته.
وقوله : إنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني : إن الله سميع أيها المؤمنون لدعاء النبيّ ﷺ ومناشدته ربه ومسألته إياه إهلاك عدوّه وعدوّكم ولقيلكم وقيل جميع خلقه، عليم بذلك كله وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده، وغير ذلك من الأشياء محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمره وأمر رسوله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى