محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٧ من سورة الأنفال في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٧ من سورة الأنفال

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلََكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنّ اللّهَ رَمَىَ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش : فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم. وأضاف جلّ ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جلّ ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدلّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إلها. وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى فأضاف الرمي إلى نبيّ الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جلّ ثناؤه هو الموصل المرميّ به إلى الذين رمُوا من به المشركين، والمسبب الرمية لرسوله. فيقال للمسلمين ما ذكرنا : قد علمتم إضافة الله رمى نبيه ﷺ المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده، ومن رسول الله ﷺ الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة : من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتساب بالقوى ؟ فلن يقولوا في أحدهما قولاً إلاّ ألزموا في الآخر مثله.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ لأصحاب محمد ﷺ، حين قال هذا : قتلت، وهذا : قتلت. وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ قال لمحمد حين حَصَب الكفار.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى قال : رماهم رسول الله ﷺ بالحصباء يوم بدر.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال : ما وقع منها شيء إلاّ في عين رجل.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة، قال : لما ورد رسول الله ﷺ بدرا قال :«هَذِهِ مَصَارِعُهُمْ ». ووجد المشركون النبيّ ﷺ قد سبقهم إليه ونزل إليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبيّ ﷺ قال : هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائها وَفَخْرِها تَحادّكَ وَتُكَذّبُ رَسُولَكَ، اللّهُمّ إني أسألُكَ ما وَعَدْتَنِي » فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عزّ وجلّ.
حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا يعقوب بن محمد، قال : حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال : حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام، قال : لما كان يوم بدر، سمعنا صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية، فانهزمنا.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي، قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال :«شاهَتِ الُوجُوهُ » فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ. وأنزل الله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى. . . الآية، إلى : إنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ. . . الاَية، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها في وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قال رسول الله ﷺ حين التقى الجمعان يوم بدر لعليّ رضي الله عنه :«أعْطِني حَصا مِنَ الأرْضِ » فناوله حصى عليه تراب فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلاّ دخل في عينيه من ذلك التراب شيء. ثم ردِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فذكر رمية النبيّ ﷺ، فقال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى قال : هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال :«شاهَت الوُجُوهُ » فانهزموا، فذلك قول الله عزّ وجلّ : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر، فقال :«يا رَبّ إنْ تَهْلِكْ هذِهِ العِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَد فِي الأرْضِ أبَدا » فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم فما من المشركين من أحد إلاّ أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قال الله عزّ وجلّ في رمي رسول الله ﷺ المشركين بالحصباء من يده حين رماهم : وَلكنّ اللّهَ رَمى : أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوّك منها حين هزمتهم.
ورُوي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال، وهو ما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ : وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ قال : جاء أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبيّ ﷺ بعظم حائل، فقال : الله محيي هذا يا محمد وهو رميم ؟ وهو يفتّ العظم. فقال النبيّ ﷺ :«يُحْيِيهِ اللّهُ، ثُمّ يُمِيتُكَ، ثُمّ يُدْخِلُكَ النّارَ » قال : فلما كان يوم أُحد، قال : والله لأقتلنّ محمدا إذا رأيته فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال :«بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ ».
وأما قوله : وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنا فإن معناه : ولينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويغنمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ. وذلك البلاء الحسن، رَمْيُ الله هؤلاء المشركين. ويعني بالبلاء الحسن : النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت، وما في معناه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في قوله : وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهَ بَلاءً حَسَنا : أي ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوّهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته.
وقوله : إنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني : إن الله سميع أيها المؤمنون لدعاء النبيّ ﷺ ومناشدته ربه ومسألته إياه إهلاك عدوّه وعدوّكم ولقيلكم وقيل جميع خلقه، عليم بذلك كله وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده، وغير ذلك من الأشياء محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمره وأمر رسوله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، ممن شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين، أيها المؤمنون، أنتم، ولكن الله قتلهم.
* * *
وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم، وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم. ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.
وكذلك قوله لنبيه عليه السلام: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فأضاف الرميَّ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسبِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين ما ذكرنا (١) قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه ﷺ المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، (٢) كان من الله تسبيبه وتسديده، (٣) ومن رسول الله ﷺ الحذفُ والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٧- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (فلم تقتلوهم)، لأصحاب محمد ﷺ حين قال هذا: "قتلت"، وهذا: "قتلت"= (وما رميت إذ رميت)، قال لمحمد حين حَصَب الكفار.
١٥٨١٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٥٨١٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن
(١) في المطبوعة والمخطوطة: " للمسلمين ما ذكرنا "، وهو خطأ صرف، وظاهر أن كاتب النسخة التي نقل عنها ناسخ المخطوطة، قد وصل " راء " المنكرين بالياء والنون، ولم يضع شرطة الكاف كعادتهم، فقرأها خطأ، ونقلها خطأ.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " ذلك " بغير واو، والكلام لا يستقيم بغيرها.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: " بتسبيبه " وهو خطأ من الناسخ، صوابه ما أثبت بغير باء في أوله، كما يدل عليه السياق.
قتادة: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، قال: رماهم رسول الله ﷺ بالحصباء يوم بدر.
١٥٨٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل.
١٥٨٢١ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة قال: لما ورد رسول الله ﷺ بدرًا قال: هذه مصارعهم! ووَجد المشركون النبيَّ ﷺ قد سبقهم إليه ونزل عليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي ﷺ قال: "هذه قريش قد جاءت بجَلَبتها وفخرها، تحادُّك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني! ". فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عز وجل. (١)
١٥٨٢٢- حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طَسْت، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا. (٢)
(١) الأثر: ١٥٨٢١ - " أبان العطار "، هو " أبان بن يزيد العطار "، ثقة، مضى: ٣٨٣٢، ٩٦٥٦، ١٣٥١٨، ١٥٧١٩.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه ٢: ٢٦٨ في أثناء خبر طويل، قد مضى بعضه برقم: ١٥٧١٩، وهو من كتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان، رواه أبو جعفر مفرقًا في التاريخ، سأخرجه مجموعًا في تخريج الأثر رقم: ١٦٠٨٣.
وكان في المطبوعة هنا: " قد جاءت بخيلائها وفخرها "، وهو تصرف قبيح. وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في التاريخ.
و" الجلبة "، هو اختلاط الناس إذ تجمعوا، وصاح بعضهم ببعض يذمره ويستحثه، كالذي يكون في اجتماع الجيوش.
(٢) الأثر: ١٥٨٢٢ - " أحمد بن منصور بن سيار بن المعارك الرمادي "، شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم: ١٠٢٦٠، ١٠٥٢١.
و" يعقوب بن محمد الزهري "، مختلف فيه، وهو صدوق، لكن لا يبالي عمن حدث. مضى برقم: ٢٨٦٧، ٨٠١٢، ١٥٦٥٤، ١٥٧١٤.
و" عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز الزهري "، الأعرج، يعرف بابن أبي ثابت. ضعيف، كان صاحب نسب، لم يكن من أصحاب الحديث. مضى برقم: ٨٠١٢، ١٥٧٥٦.
و" موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهيب بن زمعة الأسدي القرشي "، ثقة، متكلم فيه، وقال أحمد: " لا يعجبني حديثه "، وقال أبو داود: " له مشايخ مجهولون ". مضى برقم: ٩٩٢٣، ١٥٧٥٦.
و" يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدي القرشي "، روى عنه ابن أخيه " موسى بن يعقوب ". مترجم في الكبير ٤ ٢ ٣٤٦، وابن أبي حاتم ٤ ٢ ٢٧٦، ولم يذكرا فيه جرحًا.
و" أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي "، كان من علماء قريش. ثقة. مترجم في التهذيب، والكني البخاري: ١٣، وابن أبي حاتم ٤ ٢ ٣٤١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد، لضعف " عبد العزيز بن عمران الزهري "، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٢، وقال: " غريب من هذا الوجه "، فقصر في بيان إسناده.
بيد أن الهيثمي ذكره في مجمع الزائد ٦: ٨٤، وقال: " رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن "، فلعله إسناد غير هذا، فإنه قد ضعف عبد العزيز بن عمران في هذا الباب مرارًا كثيرة.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٧٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.
١٥٨٢٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه! "، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، الآية، إلى: (إن الله سميع عليم).
١٥٨٢٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وما رميت إذ رميت)، الآية، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
١٥٨٢٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال رسول الله ﷺ حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي: "أعطني حصًا من الأرض"، فناوله حصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم رَدِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، (١) فذكر رميةَ النبي ﷺ فقال: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
١٥٨٢٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه! "، وانهزموا، فذلك قول الله عز وجل: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
١٥٨٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا! فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب! فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصابَ عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولُّوا مدبرين.
١٥٧٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الله عز وجل في رمي رسول الله ﷺ المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، أي: لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله. (٢)
* * *
(١) " ردفه " (بفتح فكسر) : اتبعه ودهمه.
(٢) الأثر: ١٥٨٢٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٨٣. وكان في المطبوعة والمخطوطة، أغفل ذكر " وما رميت إذ رميت "، وأتى ببقية الآية. وكان في المخطوطة " حين هزمهم "، بغير ذكر لفظ الجلالة، فغيرها في المطبوعة فقال: " فهزمتهم ". وأثبت ما في سيرة ابن هشام.
وروي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال، وهو ما:-
١٥٨٢٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري: (وما رميت إذ رميت)، قال: جاء أبي بن خلف الجمحي إلى النبي ﷺ بعظم حائل، فقال: "آلله محيي هذا، يا محمد، وهو رميم؟ "، وهو يفتُّ العظم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يحييه الله، ثم يميتك، ثم يدخلك النار! قال: فلما كان يوما أحد قال: والله لأقتلن محمدًا إذا رأيته! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
(١)
* * *
(١) أخشى أن يكون في هذا الموضع من التفسير نقص، فإني وجدت ابن كثير (٤: ٣٢) قد ذكر في تفسير هذه الآية ما نسبه إلى ابن جرير، وهذا نصه بترتيبه وتعليقه:
وههنا قولان آخران غريبان جدًّا:
أحدهما: قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر، دعَا بقوس، فأتِىَ بقوسٍ طويلة، وقال: جيئوني بقوس غيرها. فجاؤوه بقوسٍ كَبْداء، فرمى النبيّ ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو في فراشه، فأنزل الله " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ".
وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدرٍ لا مَحالة، وهذا مما لا يخفي على أئمة العلم، والله أعلم.
والثاني: روى ابن جرير أيضًا، والحاكم في مستدركه، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أُحُدٍ أُبَيَّ بن خلفٍ بالحربة في لأْمَته، فخدشه في تَرْقُوَته، فجعل يتد أدأ عن فرسه مرارًا. حتى كانت وفاتُه بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليمَ، موصولا بعذابِ البرزخ، المتصل بعذاب الآخرة.
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا، ولعلهما أرادَا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم ".
قلت: والخبر الأول منهما، رواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٤ من طريق " صفوان بن عمرو، عن عبد العزيز بن جبير "، وقوله: " عبد العزيز "، خطأ، صوابه ما في تفسير ابن كثير.
ثم إن السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٧٥، خرج هذين الخبرين منسوبين إلى ابن جرير أيضًا، وزاد نسبته الأول منهما إلى ابن أبي حاتم. وذكر الثاني وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
ثم زاد السيوطي في الدر المنثور، وهذان الخبران أنقلهما أيضًا بنصهما منه:
الأول: " أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيّب قال: لما كان يوم أُحُد، أخذ أبيُّ بن خلفٍ يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجالٌ من المسلمين لأبيّ بن خلف ليقتلوه. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأخروا! استأخرُوا، فأخذ رسول الله ﷺ حربته في يده فرمى بها أبيّ بن خلف، وكسر ضِلْعًا من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلا، فاحتملوه حين وَلَّوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس! فقال أبيّ حين قالوا ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم! ألم يقلْ: إنِّي أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه يَنْعَشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه.
قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله تعالى: " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى الآية".
الثاني: " وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الزهري في قوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى. قال: حيث رمَى أبيَّ بنَ خلف يوم أُحُدٍ بحربته، فهذا كله، يوشك أن يرجح سقوط شيء من أخبار أبي جعفر في هذا الموضع. إلا أن تكون هذه الأخبار ستأتي فيما بعد في غير هذا الموضع. أما فيما سلف، فإن خبر " أبي بن خلف " قد مضى في حديث السدى رقم: ٧٩٤٣ (ج ٧: ٢٥٥)
والخبر الأول رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٧، من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وأما قوله: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا)، فإنّ معناه: وكي ينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، (١) ويغنّمهم ما معهم، وتكتب لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢)
* * *
وذلك "البلاء الحسن"، رمي الله هؤلاء المشركين، ويعني ب"البلاء الحسن"، النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت وما في معناه. (٣)
١٥٨٣٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال في قوله: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا)، أي ليعرِّف المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، وليشكروا بذلك نعمته. (٤)
* * *
وقوله: (إن الله سميع عليم)، يعني: إن الله سميع، أيها المؤمنون، لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومناشدته ربه، ومسألته إياه إهلاكَ عدوه وعدوكم، فقيل له: إنْ يَكُ إلا جّحْش! قال: أليسَ قال: أنا أقتلك؟ والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا! "
(١) في المطبوعة: " ولينعم "، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: " ويثبت لهم أجور أعمالهم "، وهو لا معنى له، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لخطأ في نقطها.
(٣) انظر تفسير " البلاء " فيما سلف ص: ٨٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) الأثر: ١٥٨٣٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٢٨. وفي السيرة سقط من السياق قوله: " مع كثرة عددهم "، فيصحح هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير ؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم ؛ ولهذا قال :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي : ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي : بل هو الذي أظفركم [ بهم ونصركم ](١) عليهم كما قال تعالى :﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ]﴾ [آل عمران: ١٢٣]. (٢) وقال تعالى :﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] يعلم - تبارك وتعالى - أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى(٣) كما قال :﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
ثم قال لنبيه ﷺ أيضا في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين(٤) يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال :" شاهت الوجوه ". ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ؛ ولهذا قال [ تعالى ](٥) ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي : هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها لا أنت.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : رفع رسول الله ﷺ يديه - يعني يوم بدر - فقال :" يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا ". فقال له جبريل :" خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم " فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وقال السُّدِّيّ : قال رسول الله ﷺ لعلي، رضي الله عنه، يوم بدر :" أعطني حصبا من الأرض ".
فناوله حصبا(٦) عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون(٧) يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
وقال أبو معشر المدني، عن محمد بن قَيْس ومحمد بن كعب القُرَظِي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم، وقال :" شاهت الوجوه ". فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله [ ﷺ ](٨) يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رَمْية رسول الله ﷺ، فأنزل الله :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في قوله [ تعالى ](٩) ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال : هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات فرمى بحصاة [ في ](١٠) ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال :" شاهت الوجوه "، فانهزموا.
وقد روي في هذه القصة(١١) عن عروة بن الزبير، ومجاهد وعكرمة، وقتادة وغير واحد من الأئمة : أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر، وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة، عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر، سمعنا صوتا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية، فانهزمنا(١٢)
غريب من هذا الوجه. وهاهنا قولان آخران غريبان جدا.
أحدهما : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير ؛ أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر، دعا بقوس، فأتى بقوس طويلة، وقال :" جيئوني غيرها ". فجاؤوا بقوس كبداء، فرمى النبي ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو في فراشه، فأنزل الله عز وجل :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(١٣)
وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.
والثاني : روى ابن جرير أيضا، والحاكم في مستدركه، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا أنزلت(١٤) في رمية رسول الله ﷺ يوم أحد أُبَي بن خلف بالحربة وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا، حتى كانت وفاته [ بها ](١٥) بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم، موصولا بعذاب البرزخ، المتصل بعذاب الآخرة(١٦)
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوَة بن الزبير في قوله :﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي : ليُعَرّف المؤمنين من نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم، وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته.
وهكذا فسر(١٧) ذلك ابن جرير أيضا. وفي الحديث :" وكل بلاء حسن أبلانا ".
وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي : سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب.
١ زيادة من ك، م..
٢ زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية"..
٣ في م: "عنده تعالى"..
٤ في أ: "القوم"..
٥ زيادة من أ.
.

٦ في م: "حصباء"..
٧ في م: "المسلمون"..
٨ زيادة من م، ك، أ..
٩ زيادة من م..
١٠ في ك، م، أ: "فرمى في"..
١١ انظر: تفسير الطبري (١٣/٤٤٣ - ٤٤٥)..
١٢ تفسير الطبري (١٣/٤٤٣)..
١٣ سقط هذا الأثر والذي يليه من نص الطبري وأثبته المحقق في الهامش (١٣/٤٤٦).
.

١٤ في م: "نزلت"..
١٥ زيادة من أ..
١٦ المستدرك (٢/٣٢٧)..
١٧ في د: "فسره"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾
يُبَيِّنُ تَعَالَى أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ خَيْرٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَفَّقَهُمْ لِذَلِكَ وَأَعَانَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ قَتَلْتُمْ أَعْدَاءَكُمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ، أَيْ: بَلْ هُوَ الَّذِي أَظْفَرَكُمْ [بِهِمْ وَنَصَرَكُمْ] (١) عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٣]. (٢) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥] يَعْلِمُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا بِلِبْسِ اللَّأْمَةِ وَالْعَدَدِ، وَإِنَّمَا النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (٣) كَمَا قَالَ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٩].
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي شَأْنِ الْقَبْضَةِ مِنَ التُّرَابِ، الَّتِي حَصَبَ بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ (٤) يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجَ مِنَ الْعَرِيشِ بَعْدَ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ وَاسْتِكَانَتِهِ، فَرَمَاهُمْ بِهَا وَقَالَ: " شَاهَتِ الْوُجُوهُ ". ثُمَّ أَمَرَ الصَّحَابَةَ أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمْلَةَ إِثْرَهَا، فَفَعَلُوا، فَأَوْصَلَ اللَّهُ تِلْكَ الْحَصْبَاءَ إِلَى أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا نَالَهُ مِنْهَا مَا شَغَلَهُ عَنْ حَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تعالى] (٥) ﴿وَمَارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي بَلَّغَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَكَبَتَهُمْ بِهَا لَا أَنْتَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ -يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ -فَقَالَ: " يَا رَبِّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ، فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا". فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "خُذْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَارْمِ بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ" فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَمَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَحَدٌ إِلَّا أَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمِنْخَرَيْهِ وَفَمَهُ تُرَابٌ مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
وَقَالَ السُّدِّيّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمَ بدر: "أعطني حصبا من الأرض".
(١) زيادة من ك، م.
(٢) زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية".
(٣) في م: "عنده تعالى".
(٤) في أ: "القوم".
(٥) زيادة من أ.
فَنَاوَلَهُ حَصَبًا (١) عَلَيْهِ تُرَابٌ، فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ شَيْءٌ، ثُمَّ رَدِفَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ (٢) يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْس وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِي قَالَا لَمَّا دَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ". فَدَخَلَتْ فِي أَعْيُنِهِمْ كُلِّهِمْ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ، وَكَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ فِي رَمْية رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] (٤) ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِحَصَاةٍ [فِي] (٥) مَيْمَنَةِ الْقَوْمِ، وَحَصَاةٍ فِي مَيْسَرَةِ الْقَوْمِ، وَحَصَاةٍ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"، فَانْهَزَمُوا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ (٦) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَمْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَة، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، سَمِعْنَا صَوْتًا وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ، كَأَنَّهُ صَوْتُ حَصَاةٍ وَقَعَتْ فِي طَسْتٍ، وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرَّمْيَةَ، فَانْهَزَمْنَا (٧)
غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَهَاهُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ غَرِيبَانِ جِدًّا.
أَحَدُهُمَا: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ بِخَيْبَرَ، دَعَا بِقَوْسٍ، فَأَتَى بِقَوْسٍ طَوِيلَةٍ، وَقَالَ: "جيئوني غيرها". فجاؤوا بِقَوْسٍ كَبْدَاءَ، فَرَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِصْنَ، فَأَقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتَّى قَتَلَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ، وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٨)
وَهَذَا غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ هَذَا كُلَّهُ، وَإِلَّا فَسِيَاقُ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ لَا مَحَالَةَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَئِمَّةِ العلم، والله أعلم.
(١) في م: "حصباء".
(٢) في م: "المسلمون".
(٣) زيادة من م، ك، أ.
(٤) زيادة من م.
(٥) في ك، م، أ: "فرمى في".
(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣/٤٤٣ - ٤٤٥).
(٧) تفسير الطبري (١٣/٤٤٣).
(٨) سقط هذا الأثر والذي يليه من نص الطبري وأثبته المحقق في الهامش (١٣/٤٤٦).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ بحولكم وقوتكم وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره.
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وذلك أن النبي ﷺ وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا.
يقول تعالى لنبيه : لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا أي : إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٧ - ١٩} ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بحولكم وقوتكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وذلك أن النبي ﷺ وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا.
يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
{١٨} ﴿ذَلِكُمْ﴾ النصر من الله لكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم.
{١٩} ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيها المشركون، أي: تطلبوا من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ حين أوقع الله بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الاستفتاح ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. ﴿وإن تعودوا﴾ إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين ﴿نَعُدْ﴾ في نصرهم عليكم.
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئا وأن الله مع الْمؤمنين.
ومن كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية -[٣١٨]- التي أخبر الله أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان.
فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر الله به من كل وجه، لما انهزم لهم راية [انهزاما مستقرا] (١) ولا أديل عليهم عدوهم أبدا.
(١) زيادة من هامش ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ
لِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالأَجْرِ.

إعراب الآية ١٧ من سورة الأنفال

من كتاب: إعراب القرآن

ويجوز «ومن يشاقّ الله»، والتقديردِيدُ الْعِقابِ
له، وحذف له.

[سورة الأنفال (٨) : آية ١٤]

ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ كما تقدّم في الأول، وَأَنَّ في موضع رفع بعطفها على ذلكم. قال الفراء «١» : ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى «وبأنّ للكافرين» قال:
ويجوز أن يضمر واعلموا أنّ، قال أبو إسحاق: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق وعمرا جالسا، بل كان يجوز في الابتداء: زيدا منطلقا لأن المخبر معلم وهذا لا يقوله أحد من النحويين.

[سورة الأنفال (٨) : آية ١٥]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)
إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً مصدر في موضع الحال.

[سورة الأنفال (٨) : آية ١٦]

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ شرط. إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ نصب على الحال. فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ مجازاة. وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ابتداء وخبر.

[سورة الأنفال (٨) : آية ١٧]

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)
وكذا وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ على قراءة «٢» من خفّف «لكن»، ومعنى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ فلم تقتلوهم بتدبيركم ولكن الله قتلهم بالنصر، ونظير هذا أنّ رجلين لو كانا يتقاتلان ومعهما سيفان فجاء رجل وأخذ سيف أحدهما فقتله الآخر لجاز أن يقال: ما قتل ذاك إلّا الذي أخذ سيفه. وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى مثله ويجوز أن يكون المعنى وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصى.

[سورة الأنفال (٨) : آية ١٨]

ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)
ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ «٣» قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو،
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٥.
(٢) انظر الإتحاف ١٤٢.
(٣) انظر تيسير الداني ٩٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٧ من سورة الأنفال

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾. [١٧].
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد العطار، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن محمد البَيّاع، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْرَاني، قال: حدَّثني جدي، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر الجِزَامِي، قال: حدَّثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عُقْبَة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال:
أقبل أبيّ بن خَلَف يوم "أحد" إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريده، فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله عليه السلام فخلوا سبيه، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَيْر - أحد بني عبد الدَّار- ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبيّ من فُرْجَة بين سابِغَة البَيْضة والدرع، فطعنه بحربته، فسقط أبيّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أعجزك! إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المَجَازِ لماتوا أجمعين. فمات أُبَيٌّ إلى النار، فسحقاً لأصحاب السعير، قبل أن يقدم مكة. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وروى صَفْوَان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جُبَير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم "خيبر" دعا بقوس، فأُتِيَ بقوس طويلة، فقال: جيئووني بقوس غيرها. فجاءوه بقوس كبداء فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم [على] الحصن فأَقبل السهم يهوي حتى قتل كِنانة بن أبي الحُقَيق وهو على فراشه فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وأكثر أهل التفسير [على] أن الآية نزلت في رمى النبي عليه السلام القَبْضَة من حَصْبَاءِ الوادي يوم "بدر" حين قال للمشركين: شاهت الوجوه، ورماهم بتلك القبضة، فلم تبق عين مشرك إلا دخلها منه شيء.
قال حَكِيم بن حِزَام: لما كان يوم "بدر" سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طَسْت، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحصاة فانهزمنا. فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.

القراءات في الآية ١٧ من سورة الأنفال

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

رَمَى

بالإمالة

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف خلاد عن حمزة إسحاق عن خلف خلف عن حمزة شعبة عن عاصم

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

هشام عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع

وَلَكِنَّ اللهَ

(وَلَكِنَّ اللهَ) بفتح النون وتشديدها ونصب الهاء

قالون عن نافع رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر روح عن يعقوب حفص عن عاصم شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(وَلَكِنِ اللهُ) بكسر النون وتخفيفها ورفع الهاء

أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي خلف عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٧ من سورة الأنفال

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

٢٣ قولًا
١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: قال الله عز وجل في رمي رسول الله ﷺ المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: ﴿ولكن الله رمى﴾. أي: لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٦.
٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾، قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاثَ حَصَيات، فرَمى بحَصاةٍ في ميمنة القوم، وحصاةٍ في ميسرة القوم، وحصاةٍ بين أظْهُرِهم، فقال: «شاهَتِ الوجوه». فانْهزَموا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن تيمية (٣/٢٥٦): «في قوله: ﴿فلم تقتلوهم﴾ الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي، بل من فعل الله، والقتل هو الإزهاق وذاك متولد، وهذا قد يقوله من ينفي التولد وهو ضعيف؛ لأنه نفى الرمي أيضًا، وهو فعل مباشر، ولأنه قال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [البقرة:٥٤]. وقال: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت القتل. ولأن القتل هو الفعل الصالح للإزهاق، ليس هو الزهوق، بخلاف الإماتة. الثاني: أنه مبني على خلق الأفعال، وهذا قد يقوله كثير من الصوفية، وأظنه مأثورًا عن الجُنَيْد: سلب العبد الفعل نظرًا إلى الحقيقة؛ لأن الله هو خالق كل صانع وصنعته، وهذا ضعيف لوجهين:أحدهما: أنّا وإن قلنا بخلق الفعل، فالعبد لا يُسْلَبُه، بل يضاف الفعل إليه أيضًا، فلا يقال: ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا علمت، فإن هذا مكابرة؛ إذ أقل أحواله الاتصاف، وهو ثابت. وأيضًا فإن هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ببدر، ولو كان هذا لعموم خلق الله أفعال العباد لم يختص ببدر. الثالث: أن الله سبحانه خرق العادة في ذلك، فصارت رءوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة، وصارت الجريدة تصير سيفًا يقتل به. وكذلك رمية رسول الله ﷺ أصابت مَن لم يكن في قدرته أن يصيبه، فكان ما وجد من القتل وإصابة الرمية خارجًا عن قدرتهم المعهودة؛ فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه. وهذا أصح، وبه يصح الجمع بين النفي والإثبات ﴿وما رميت﴾ أي: ما أصبت ﴿إذ رميت﴾ إذ طرحت ﴿ولكن الله رمى﴾ أصاب. وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعيف كإنباع الماء، وغيره من خوارق العادات، أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل. وهذا ظاهر، فلا حجة فيه لا على الجبر، ولا على نفي التولد». وقال ابنُ القيم (١/٤٣٩): «اعتقد جماعةٌ أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال، فيقال: ما صليت إذ صليت، وما صمت إذ صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم؛ إذ لا فرق، فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. وبعد، فهذه الآية نزلت في شأن رميه المشركين يوم بدر بقبصة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الله سبحانه وتعالى نهايته، وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذا قوله في الآية نفسها: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾، ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، فأخْبَرَه أنه هو وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة؛ كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه به، وهو خير الناصرين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٨٢-٨٣)، وكذا ابنُ عطية (٤/١٥٦-١٥٧). وذكر ابنُ عطية أن قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يحتمل احتمالات: الأول: أن يكون مرادًا به ما أيضًا ما في قوله: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾. الثاني: أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه، وذكر أنه منصوص في المهدوي وغيره. الثالث: أن يريد: وما أغنيت إذ رميت حصياتك، ولكن الله رمى، أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله لك، أي: أعانك وصنع لك. وذكر أن أبا عبيدة حكاه في كتاب المجاز.
٣
عن سعيد بن المسيب -من طريق ابن شهاب- قال: لما كان يوم أُحُد أخَذ أُبَيُّ بن خلف يَرْكُضُ فرسَه، حتى دنا من رسول الله ﷺ، واعترض رجال من المسلمين لأُبَيِّ بن خلف لِيقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اسْتَأْخِروا». فاسْتَأْخَروا، فأخذ رسول الله ﷺ حَرْبَتَه في يده، فرَمى بها أُبَيَّ بن خلف، وكَسَر ضِلَعًا من أضلاعه، فرجع أبيُّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلًا، فاحْتَمَلُوه حين ولَّوْا قافِلِين، فطَفِقوا يقولون: لا بأس. فقال أُبَيٌّ حينَ قالوا ذلك له: واللهِ لو كانت بالناس لَقَتَلَتْهم، ألم يَقُلْ: «إني أقْتُلُك -إن شاء الله-؟». فانطَلَق به أصحابه يُنْعِشُونَهُ حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه. قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢‏/‏٣٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٣ (٨٩١٠) مرسلا. وأورده الثعلبي ٤‏/‏٣٣٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق مَعْمَر-، ومحمد ابن شهاب الزهري -من طريق معمر-، قالا: أُنْزِلَتْ في رمية رسول الله - ﷺ - يومَ أُحُد أُبَيَّ بن خلف بالحَرْبَة وهو في لَأْمَتِهِ١، فخَدَشَه في تَرْقُوَتِه٢، فجعل يَتَدَأْدَأُ٣ عن فرسه مرارًا، حتى كانت وفاته بها بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم، مَوْصولًا بعذاب البَرْزَخ المتصل بعذاب الآخرة٤٥
التخريج
  1. ١اللامَة: الدِّرْع، جمعها لُؤَمٌ. اللسان (لأم).
  2. ٢التَّرْقُوِة: هي العظم الذي بين ثُغْرَة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. النهاية (ترق).
  3. ٣أي: يتدحرج. القاموس (دأدأ).
  4. ٤عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم مرسلًا. وفي ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧٣ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب بنحوه بلفظ أطول. وعند ابن جرير ١١/ ٨٧ عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري دون سعيد بسياق مختلف! قال فيه: جاء أُبَي بن خلف الجُمَحي إلى النبي - ﷺ - بعظم حائل، فقال: الله محيي هذا يا محمد وهو رميم؟ وهو يفُتُّ العظم. فقال النبي - ﷺ -: «يحييه الله، ثم يميتك، ثم يدخلك النار» قال: فلما كان يوم أحد قال: والله لأقتلن محمدا إذا رأيته، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: «بل أنا أقتله إن شاء الله». وكذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٥٦.
تعليقات المحققين
  1. ٥علَّقَ ابن كثير (٧/ ٤٣) على قول ابن المسيب، والزهري، بقوله: «هذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم». واسْتَدْرَكَ ابن عطية (٤/ ١٥٨) على هذا القول لدلالة السياق بقوله: «هذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها، وذلك بعيد».
٥
عن محمد ابن شهاب الزهري: في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾، قال: حيث رَمى أُبيَّ بن خلف يوم أُحُدٍ بحربته، فقيل له: إن يَكُ إلا جَحْشٌ١. قال: أليس قال: «أنا أقتلك؟». والله لو قالها لجميع الخَلْق لَماتوا٢
التخريج
  1. ١أي: خَدْشٌ، والجحش: سَحْجُ الجلد وقَشْرُهُ من شيء يصيبه. التاج (جحش).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وابن المنذر مرسلًا.
٦
قال عروة بن الزبير -من طريق هشام-: لَمّا ورد رسول الله ﷺ بدرًا قال: «هذه مَصارِعهم». ووجد المشركون النبي ﷺ قد سبقهم إليه، ونزل إليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي ﷺ قال: «هذه قريش قد جاءت بجلبتها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني». فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عز وجل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تفسيره ١١‏/‏٨٤، وفي تاريخه ٢‏/‏٤٢١ مطولًا مرسلًا.
٧
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر- في قوله: ﴿ولكن الله رمى﴾، أي: لم يكن ذلك برَمْيَتِك؛ لولا الذي جعل الله من نَصْرِك، وما ألْقى في صدور عدوِّك منها حتى هَزَمْتَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٦٦٨-، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٤.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فلم تقتلوهم﴾، قال: لأصحاب محمد ﷺ حين قال هذا: قتَلتُ. وهذا: قتَلتُ ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. قال: لمحمد ﷺ حين حَصَبَ الكفارَ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (ص٣٥٢)، وأخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٢ مرسلا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. وفي تفسير البغوي ٣‏/‏٣٣٩ بلفظ: سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانًا. ويقول الآخر مثله؛ فنزلت الآية.
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: ما وقَع من الحَصْباء شيءٌ إلا في عَيْن رجلٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٥٦، وابن جرير ١١‏/‏٨٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٠
قال صفوان بن عمرو: حدثنا عبد الرحمن بن جُبير: أن رسول الله ﷺ يومَ ابن أبي الحُقَيقِ دعا بقَوس، فأُتِيَ بقوس طويلة، فقال: «جِيئُوني بقوسٍ غيرها». فجاءوه بقوس كَبْداءَ١، فرمى رسول الله ﷺ الحصن، فأقبل السهم يَهْوِي حتى قتل ابن أبي الحُقيق في فراشه، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾٢٣
التخريج
  1. ١قوس كبداء: شديدة. النهاية (كبد).
  2. ٢أخرجه ابن جرير -كما في تفسير ابن كثير ٤‏/‏٣١-، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٣-١٦٧٤ (٨٩١١) مرسلًا. وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٢٣٣، والثعلبي ٤‏/‏٣٣٨-٣٣٩. ولم يرد الأثر في نُسخ تفسير ابن جرير المطبوعة، وقد تنبه إلى ذلك العلامة شاكر في تحقيقه لتفسير ابن جرير ١٣‏/‏٤٤٧، ه١.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّقَ ابن كثير (٧/٤٢) على قول عبد الرحمن بن جبير بقوله: «وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعمّ هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم». واسْتَدْرَكَ ابن عطية (٤/١٥٨بتصرف) على هذا القول بقوله: «هذا فاسدٌ... ، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا».
١١
عن مكحول الشامي، قال: لما كَرَّ عليٌّ وحمزة على شَيْبَة بن ربيعة غضِب المشركون، وقالوا: اثنان بواحد! فاشْتَعَل القتال، فقال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ إنك أمَرْتَني بالقتال، ووَعَدْتني النصر، ولا خُلْفَ لوَعْدِك». وأخذ قبضة مِن حَصًى، فرمى بها في وجوههم، فانْهَزَموا بإذن الله، فذلك قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤١‏/‏٤٥٦ (٨٣٢٩) مرسلًا.
١٢
عن محمد بن كعب القُرَظي، ومحمد بن قيس -من طريق أبي مَعْشَرٍ- قالا: لما دنا القوم بعضهم مِن بعض، أخذ رسول الله - ﷺ - قبضة مِن تراب، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: «شاهَتِ الوجوه». فدَخَلتْ في أعْيُنِهم كلِّهم، وأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - يَقْتُلُونهم ويأسِرونَهم، وكانت هزيمتُهم في رَمْيَة رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ إلى قوله: ﴿سميع عليم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٨٥.
١٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾، قال: رماهم يوم بدر بالحَصْباء١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٥٥، ٢٥٦، وابن جرير ١١‏/‏٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ الآية، ذُكِر لنا: أن نبي الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار، ورمى بها وجوه الكفار، فهُزِموا عند الحجر الثالث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٥ مرسلًا.
١٥
عن إسماعيل السدي، قال: قال رسول الله ﷺ حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي: «أعطِني حصًى من الأرض». فناوله حصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم رَدِفَهُمُ١ المؤمنون يقتلونهم ويأسِرونهم. فذكر رمية النبي ﷺ، فقال: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾٢
التخريج
  1. ١رَدِفَه: تَبِعَه. القاموس (ردف).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٥-٨٦ مرسلًا.
١٦
عن محمد بن السائب الكلبي: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، قال: لَمّا صافَّ رسول الله المشركين، دعا بقبضة من حَصْباء الوادي وترابه، فرمى بها في وجوه المشركين، فملأ الله منها وجوههم وأعينهم ترابًا، وقذف في قلوبهم الرعب؛ فانهزموا، واتَّبَعَهم المؤمنون يقتلونهم ويأسِرونهم١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٧١-.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلم تقتلوهم﴾ يعني: ما قتلتموهم، وذلك أن الرجل من المؤمنين كان يقول: فعلت وقتلت؛ فنزلت: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾، وذلك أن النبي ﷺ حين صافَّ المشركين، دعا بثلاث قبضات من حصى الوادي ورَمْلِه، فناوله عليُّ بن أبي طالب، فرمى بها في وجوه العدو، وقال: «اللهم أرْعِب قلوبهم، وزلزل أقدامهم». فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية، فانهزموا عند الرمية الثالثة، وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فذلك قوله: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٠٥-١٠٦.
١٨
عن سفيان الثوري، ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، قال: رمى الرمي بالتراب حين قال: «شاهت الوجوه»١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص١١٧.
١٩
عن أبي أيوب الأنصاري: [أن رسول الله ﷺ] أخَذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه القوم؛ فانهزَمُوا، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. فقَتَلنا، وأَسَرنا١
التخريج
  1. ١تقدم بتمامه مع تخريجه في نزول قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ الآية.
٢٠
عن حَكِيم بن حِزام، قال: لما كان يوم بدر، سَمِعْنا صوتًا وقَع مِن السماء إلى الأرض، كأنه صوت حَصاة وقَعتْ في طَسْتٍ، ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحَصَيات، وقال: «شاهَتِ١ الوُجُوهُ». فانْهَزَمْنا. فذلك قول الله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١أي: قَبُحَت. النهاية (شوه).
  2. ٢أخرجه الطبراني في الكبير ٣‏/‏٢٠٣ (٣١٢٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة ص٢٢٧ (٣٣١)، وابن جرير ١١‏/‏٨٤-٨٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٢ (٨٩٠٦). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٣٣٨. قال ابن كثير في تفسيره ٤‏/‏٣١: «غريب من هذا الوجه». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٨٤ (٩٩٩٨): «إسناده حسن».
٢١
عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت صوت حَصَياتٍ وقَعْنَ من السماء يوم بدر، كأنّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فلَمّا اصْطَفَّ الناس أخَذَهُنَّ رسول الله ﷺ، فرمى بهنَّ في وجوه المشركين، فانهَزَموا، فذلك قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه إسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة ص٢٢٧ (٣٣٠)، من طريق إبراهيم بن يحيى بن عباد بن هانئ، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن جابر به. إسناده ضعيف، إبراهيم بن يحيى بن عباد هو الشجري، قال عنه ابن حجر في التقريب (٢٦٨): «ليّن الحديث». وقال عن أبيه يحيى بن عباد (٧٦٣٧): «ضعيف، وكان يتلقّن».
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾، قال: قال رسول الله ﷺ لِعَلِيٍّ: «ناوِلْني قَبْضَةً مِن حَصْباءَ». فناوَلَه، فرَمى بها في وجوه القوم، فما بَقِيَ أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحَصْباء، فنزلت هذه الآية: ﴿وما رميت إذ رميت﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏٢٨٥ (١١٧٥٠). قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٨٤ (٩٩٩٩): «رجاله رجال الصحيح».
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: رفع رسول الله ﷺ يده، فقال: «يا رب إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا». فقال له جبريل عليه السلام: خذ قبضة من التراب. فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجههم، فما بقي من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومِنخَرَيْهِ وفمه تراب من تلك القبضة؛ فوَلَّوا مدبرين١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في القضاء والقدر ص١٧٥ (١٤٥)، وأبو نعيم في دلائل النبوة ص٤٦٩-٤٧٠ (٤٠٠) مطولًا، وابن جرير ١١‏/‏٨٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٣ (٨٩٠٧). إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.

تفسير

٣ أقوال
١
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير- في قوله: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا﴾، أي: ليُعَرِّفَ المؤمنين مِن نعمته عليهم في إظهارهم على عدوِّهم، مع كثرة عدوِّهم وقلة عددِهم؛ ليَعْرِفوا بذلك حقَّه، ويَشْكُروا بذلك نعمتَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٦٦٨-، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٧٤.
٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٨٨.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ يعني: القتل والأسر، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء النبي ﷺ، ﴿عَلِيمٌ﴾ به١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٠٥-١٠٦.
التفسير بالمأثور لسورة الأنفال كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٧ من سورة الأنفال

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • لا يغرنك ثقتك بنفسك؛فلست في غنى عن توفيق الله لك،فإنك ربما فعلت الشيء وأتقنته لكن لا يكتب لك التوفيق فيه(وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).

    — سعود الشريم

  • ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) لأن الله معك ؛ فالسداد في يدك ولسانك"

    — عقيل الشمري

  • "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " مشاعر المؤمنين تفويض التدبير لربهم وكمال التوكل عليه رب نبرأ إليك من حولنا وقوتنا أنت القوي

    — عبدالله بلقاسم

  • إن القلة الشجاعة في غزوة بدر كشفت أن الكثرة المشركة سراب، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ) فاستدرج الله جبابرة مكة إلى مصارعهم، ما أغنى عنهم عدد ولا عدة، وأما القلة التي استغاثت بالله، واستنزلت نصره فقد فازت فوزًا عظيمًا.

    — أبو حامدالغزالى

  • ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ﴾.. غرفة محاطة بأسوار وأجناد وجيوش وعتاد.. رمى بك الله جنبيها فهدمها.. ولو رماك بك غير الله لم يصبِ.

    — عبدالله بلقاسم

  • في غزوة بدر أبلى المؤمنون بلاء حسناً، فنالوا النصر والعز والغلبة، ومع ذلك تتابعت الآيات لتربيهم على أن هذا الإنجاز العظيم ليس منهم وأنه من الله وحده (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)

    — محمد الغرير

  • ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) مهما بلغت من المهارة والدقة فإن لم يسددك الله فلن تبلغ الهدف فلا تغتر بنفسك.

    — مجالس التدبر

  • طرقات علي باب التدبر سورة الأنفال آية 17

    — محمد علي يوسف

  • (فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم) فَتِّش في الإنجازات التي تنسبها لنفسك ؛ ستجد غيرك شاركك فيها ؛ امنحه الاعتراف و الثناء

    — ماجد الغامدي

  • ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ...﴾ لا يغرنك ثقتك بنفسك؛ فلست في غنى عن توفيق الله لك،فإنك ربما فعلت الشيء وأتقنته لكن لا يكتب لك التوفيق فيه (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)

    — سعود الشريم

  • قوله في آية الوصية {إن الله سميع عليم} خص السمع بالذكر لما في الآية من قوله {فمن بدله بعد ما سمعه} ليكون مطابقا وقال في الآية الأخرى بعدها {إن الله غفور رحيم} لقوله قبله {فلا إثم عليه} فهو مطابق معنى له. .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فنفى أولا ما أثبته آخرا؟ . جوابه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى أولا والصحابة قتلوا، والله تعالى هو الذي أوصل ما رماه إلى وجوه الكفار، والقتل من الصحابة إلى مقاتليهم فصنع الإسناد إلى الله وإليهم.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٧ من سورة الأنفال

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٧ من سورة الأنفال

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(17) And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.[440] And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw[441] that He might test the believers with a good test.[442] Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
[440]- i.e., Your strength was insufficient to overcome them, but Allāh supported you and gave you victory.
[441]- When the Prophet (ﷺ) threw a handful of dust into the faces of the disbelievers, Allāh caused it to fill the eyes and nose of every soldier, preventing their advance.
[442]- So that they would appreciate Allāh's favor to them.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال