التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم بين لهم - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكراً له، وطاعة لأمره فقال - تعالى - :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال القرطبى : قوله - تعالى - :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾، أي يوم بدر. روى أن أصحاب رسلو الله - ﷺ لما صدروا عن بدر.
ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال : قتلت كذا، وأسرت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده..
وقال ابن كثير : قال على بن طلحة عن ابن عباس : " رفع رسول الله ﷺ -، يديه - يعنى يوم بدر - فقال : " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال جبريل : " خذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم " فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم "، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
وقال السدى : " قال رسول الله - ﷺ - لعلى يوم بدر " أعطنى حصا من الأرض " فناوله حصا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم "، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾.
وقال أبو معشر المدنى " عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظى قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله - ﷺ - قبضه من تراب فرمى بها في جوه القوم وقال : " شاهت الوجوه "، فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - وأنزل الله.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾.
وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ المقصود به رميه - ﷺ - لأبى بن خلف يوم أحد، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر، أو رميه المشركين في غزوة حنين.
قال ابن كثير : وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبى - ﷺ - يوم بدر.. وسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم.
والمعنى : إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم، ولكن الله - تعالى - هو الذي أفظركم بحوله وقوته، بأن خذلهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وقوى قلوبكم، وأمدك بالملائكة، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر.
والفاء في قوله :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ..﴾ يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ لأنه و الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع.
وقوله :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ خطاب للنبى - ﷺ بطريق التلوين.
أى :﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ بالرعب في قلوب الأعداء ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ في وجوههم بالحصباء يوم بدر ﴿ولكن الله﴾ - تعالى - هو الذي ﴿رمى﴾ بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم.
أو المعنى : ما أوصلت الحصبا إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله هو الذي أوصلها إليها.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : يعنى أن الرمية التي رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم.. فأثبت الرمية لرسول الله - ﷺ - لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله - عز وجل -، فكان الله - تعالى - هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول - ﷺ - أصلا.
وقال الآلوسى : واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى - وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإِمام : أثبت - سبحانه - كونه - ﷺ - راميا، فوجب حمله على أنه - ﷺ - رمى كسبا، والله - تعالى - رمى خلقا.
فإن قيل : لماذا ذرك مفعول القتل منفياً ومثبتاً ولم يذكر للرمى مفعول قط ؟
فالجواب - كما يقول أبو السعود - : " أن المقصود الأصلى بيان حال الرمى نفيا وإثباتا، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عينى كل واحد من أولئك الأمة الجمة شئ من ذلك.
وقوله - سبحانه - :﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً﴾ بيان لبعض وجوه حكمته - سبحانه - في خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين.
وقوله ﴿لِيُبْلِيَ﴾ من البلاء بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة لإِظهار الشكر، كما يكون بالمحنة لإِظهار الصبر. والمراد به هنا : الإِحسان والنعمة والعطاء، ليزداد المؤمنون شكراً لربهم لاذى وهبهم ما وهب من نعم.
واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر.
والمعنى، ولكى يحسن - سبحانه - إلى عباده المؤمنين، وينعم عليهم بالنصر والغنائم، ليزدادوا شكراً له، فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم.
وقوله ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تذييل قصد به الحض على طاعة الله، والتحذير من معصيته، أى : إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم، عليم بضمائركم وقلوبكم، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره.
قال القرطبى : قوله - تعالى - :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾، أي يوم بدر. روى أن أصحاب رسلو الله - ﷺ لما صدروا عن بدر.
ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال : قتلت كذا، وأسرت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده..
وقال ابن كثير : قال على بن طلحة عن ابن عباس : " رفع رسول الله ﷺ -، يديه - يعنى يوم بدر - فقال : " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال جبريل : " خذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم " فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم "، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
وقال السدى : " قال رسول الله - ﷺ - لعلى يوم بدر " أعطنى حصا من الأرض " فناوله حصا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم "، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾.
وقال أبو معشر المدنى " عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظى قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله - ﷺ - قبضه من تراب فرمى بها في جوه القوم وقال : " شاهت الوجوه "، فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - وأنزل الله.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾.
وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ المقصود به رميه - ﷺ - لأبى بن خلف يوم أحد، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر، أو رميه المشركين في غزوة حنين.
قال ابن كثير : وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبى - ﷺ - يوم بدر.. وسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم.
والمعنى : إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم، ولكن الله - تعالى - هو الذي أفظركم بحوله وقوته، بأن خذلهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وقوى قلوبكم، وأمدك بالملائكة، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر.
والفاء في قوله :﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ..﴾ يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ لأنه و الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع.
وقوله :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ خطاب للنبى - ﷺ بطريق التلوين.
أى :﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ بالرعب في قلوب الأعداء ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ في وجوههم بالحصباء يوم بدر ﴿ولكن الله﴾ - تعالى - هو الذي ﴿رمى﴾ بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم.
أو المعنى : ما أوصلت الحصبا إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله هو الذي أوصلها إليها.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : يعنى أن الرمية التي رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم.. فأثبت الرمية لرسول الله - ﷺ - لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله - عز وجل -، فكان الله - تعالى - هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول - ﷺ - أصلا.
وقال الآلوسى : واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى - وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإِمام : أثبت - سبحانه - كونه - ﷺ - راميا، فوجب حمله على أنه - ﷺ - رمى كسبا، والله - تعالى - رمى خلقا.
فإن قيل : لماذا ذرك مفعول القتل منفياً ومثبتاً ولم يذكر للرمى مفعول قط ؟
فالجواب - كما يقول أبو السعود - : " أن المقصود الأصلى بيان حال الرمى نفيا وإثباتا، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عينى كل واحد من أولئك الأمة الجمة شئ من ذلك.
وقوله - سبحانه - :﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً﴾ بيان لبعض وجوه حكمته - سبحانه - في خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين.
وقوله ﴿لِيُبْلِيَ﴾ من البلاء بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة لإِظهار الشكر، كما يكون بالمحنة لإِظهار الصبر. والمراد به هنا : الإِحسان والنعمة والعطاء، ليزداد المؤمنون شكراً لربهم لاذى وهبهم ما وهب من نعم.
واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر.
والمعنى، ولكى يحسن - سبحانه - إلى عباده المؤمنين، وينعم عليهم بالنصر والغنائم، ليزدادوا شكراً له، فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم.
وقوله ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تذييل قصد به الحض على طاعة الله، والتحذير من معصيته، أى : إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم، عليم بضمائركم وقلوبكم، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره.