تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) تأويله، والله أعلم، إن الذي هو شر الدواب عند الله هو [ الأصم الأبكم ][ في الأصل وم : الصم البكم ] لا ينتفع بسمعه ولا بلسانه[ في الأصل بلسانه، في م : والبكم الذي لا ينتفع بلسانه ] ونطقه، وهم[ في الأصل وم : لأنهم ] لم ينتفعوا بسمعهم لما جعل له السمع ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق، ولم ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل ؛ فهم شر الدواب كقوله :( أولئك كالأنعام بل هم أضل )[الأعراف: ١٧٩] وأشر، لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها هذه الحواس عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار، فتوقتها[ في الأصل وم : فتوقت عنها ]، وعرفت اللاذ والنافع بها، فرغبت[ في الأصل وم : فترغب ] فيها، فانتفعت[ أدرج قبلها في الأصل وم : ونفع ] الدواب بالحواس التي جعلت[ في الأصل وم : جعل ] لها لما جعلت، ولم تجعل لا هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت، وفهمت، وانتفعت.
وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوال بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت [ وإنما جعلت لهم ][ في الأصل : وإنما جعلت لهم ذلك، في م : لهم ذلك ] ليعرفوا المنافع لهم اللاذ في العاقبة، فيعملوا لذلك، ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك، فيتوقوه، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس، والدواب انتفعت بها لذلك كانوا أضل وأشر.
وقوله تعالى :( إن شر الدواب ) الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى الدائم، وذلك في الآخرة كقوله ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما )[الإسراء: ٩٧] وقوله :( اخسؤا فيها ولا تكلمون )[المؤمنون: ١٠٨] أي تركوا اكتساب البصر الدائم والسمع الدائم والحياة الدائمة.
والباقي سماهم صما وبكما وعميا لم يكتسبوا بصر القلب ونطق القلب [ وسمع القلب ][ من م، ساقطة من الأصل ] فهذه هي الحواس التي تكون في الاكتساب، ولم يكتسبوها، إنما لهم الحواس الظاهرة، أو يقول :( إن شر الدواب ) التي لم ينتفع[ في الأصل وم : ينتفعوا ] بالذي ذكر من الحواس، وتركب[ في الأصل وم : وتركوا ] استعمالها، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى