المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ الآية، هذه آية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين، و ﴿إذ﴾ ظرف لمعمول ﴿واذكروا﴾، تقديره واذكروا حالكم الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون ﴿إذ﴾ ظرفاً للذكر وإنما يعمل الذكر في ﴿إذ﴾ لو قدرناها مفعولة(١)، واختلف الناس في الحال المشار إليها بهذه الآية، فقالت فرقة هي الأكثر : هي حال مكة في وقت بدأة(٢) الإسلام، والناس الذين يخاف «تخطفهم » كفار مكة، و «المأوى » على هذا التأويل المدينة والأنصار، و «التأييد بالنصر » وقعة بدر وما أنجز معها في وقتها، و ﴿الطيبات﴾ الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة : الحال المشار إليها هي حال رسول الله ﷺ وأصحابه في غزوة بدر، والناس الذي يخاف تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة، فإن رسول الله ﷺ كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا والتأييد بالنصر هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو، و ﴿الطيبات﴾ الغنيمة.
قال القاضي أبو محمد : وهذان قولان يناسبان وقت نزول الآية لأنها نزلت عقب بدر، وقال وهب بن منبه وقتادة : الحال المشار إليها هي حال العرب قاطبة، فإنها كانت أعرى الناس أجساماً وأجوعهم بطوناً وأقلهم حالاً ونعماً، والناس الذين يخاف «تخطفهم » على هذا التأويل فارس والروم، و «المأوى » على هذا هو النبوءة والشريعة، و «التأييد بالنصر » هو فتح البلاد وغلبة الملوك، و ﴿الطيبات﴾ هي نعم المآكل والمشارب والملابس.
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يرده أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب في هذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن تمثل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثله صحيح، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية فبعيد لما ذكرناه، وقوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ ترج بحسب البشر متعلق بقوله ﴿واذكروا﴾.
١ - هذا التخريج أحسن من تخريج الزمخشري فقد جعل [إذ] مفعولا للفعل [اذكروا] وهي ظرف، والتقدير: واذكروا وقت كونكم أذلة"، ويؤخذ عليه التصرف في (إذ) حين نصبها مفعولة وهي من الظروف التي لا تتصرف إلا إذا أضيف إليها زمان..
٢ - بدأة: مصدر للفعل (بدأ) بمعنى: حدث ونشأ- وفي بعض النسخ كتبت بداءة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى