اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
لمَّا بيَّن أن الإيمان لا يحصل إلا بالطاعة قال :﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يقال :" وَجِلَ " الماضي بالكسر " يَوْجَلُ " بالفتح، وفيه لغة أخرى، قرئ بها في الشَّاذ وجَلَت بفتح الجيم في الماضي وكسرها في المضارع، فتحذف الواو، ك : وعَدَ يَعِدُ، ويقال في المشهورة : وجِلَ يَوْجَل، ومنهم من يقول " يَاجَلُ " بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ ؛ لأنَّه قلْبُ حرفِ العلّة بأحد السَّببينِ وهو انفتاحُ ما قبل حرفِ العلَّةِ دون تحركه وهو نظيرُ " طَائِيٍّ " في النَّسب إلى " طَيِّىء ".
ومنهم من يقول :" ييجَلُ " بكسر حرف المضارعة، فتقلب الواوُ ياءً، لسكونها وانكسرا ما قبلها، وقد تقدَّم في أول الكتاب أنَّ من العرب من يكسرُ حرف المضارعةِ بشروطٍ منها : أن لا يكون حرفُ المضارعة ياءً إلاَّ في هذه اللَّفظةِ، وفي أبي يئبى. ومنهم من ركب من هاتين اللغتين لغة أخرى وهي فتح الياء وقلب الواو ياء، فقال " يَيَجَلُ " فأخذ قلب الواو ممَّن كسر حرف المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ من لغة الجمهور.
والوَجَلُ : الفزَعُ.
وقيل : استشعارُ الخوف يقال منه : وجِلَ يُوْجَلُ، ويَاجَلُ، ويَيْجَلُ، ويِيجَلُ، وَجَلاً فهو وَجِلٌ.

فصل


معنى الآية : إنَّما المؤمنون الصَّادقون في إيمانهم :﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت وفرقت، وقيل : إذا خوفوا باللَّهِ انقادُوا خوفاً من عقابه. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وتصديقاً ويقيناً، قال عمر بن حبيب وكانت له صحبة : إن للإيمان زيادةً ونقصاناً، قيل فما زيادته ؟ قال : إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه(١).
وكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي :" إنَّ للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان " (٢).
ثم قال :﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا يرجون غيره، فالتَّقديمُ يفيدُ الاختصاص، أي : عليه لا على غيره، وهذه الجملةُ يحتمل أن يكونَ لها محلٌّ من الإعراب، وهو النَّصْبُ على الحالِ من مفعول : زادَتْهُم، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصِّلةِ قبلها، فتدخل في حيِّز الصلاتِ المتقدِّمةِ. وعلى الوجهين فلا محلَّ لها من الإعراب.
١ ذكره البغوي في "تفسيره" المسمى "بمعالم التنزيل" (٢/٢٢٩)..
٢ انظر: المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى