غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿مردفين﴾ فتح الدال : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون : بالكسر.
الوقوف :﴿عن الأنفال﴾ ط ﴿والرسول﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ذات بينكم﴾ ص ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿يتوكلون﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿الذين﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ينفقون﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿هم المؤمنون﴾ ﴿حقاً﴾ ط ﴿كريم﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿بالحق﴾ ص لطول الكلام ﴿لكارهون﴾ ه ﴿لا ينظرون﴾ ه ﴿الكافرين﴾ ه ﴿المجرمون﴾ ه ج لاحتمال كون «إذ» متعلقاً بمحذوف وهو «اذكر» أو بقوله ﴿ويحق﴾ ﴿مردفين﴾ ه ﴿قلوبكم﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿عند الله﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه.
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه. وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣] وقيل : هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ قالت العلماء : زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء الأوّل : بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات. ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوته بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. الثاني : بتعدد التصديق وتجدده ؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد. الثالث : أن يقال : الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبئ عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال :«الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان » وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً. أما قوله ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب ؛ فأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه. ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا. وقيل : الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال. وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ بالتسليم والائتمار ﴿زادتهم إيماناً﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿كما أخرجك ربك﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿كما أخرجك﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿وإن فريقاً﴾ هم القلب والروح ﴿لكارهون﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿يجادلونك﴾ أي الروح والقلب ﴿في﴾ مجيء ﴿الحق بعد ما تبين﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿وإذ يعدكم الله﴾ أيها السائرون ﴿إحدى الطائفتين﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية. ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان : سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته﴾ أي بجذباته ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ النفوس الأمارة بالسوء. ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿بألف من الملائكة﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿إلا بشرى لكم﴾ بتبديل الأخلاق ﴿وما النصر﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿إن الله عزيز﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿حكيم﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى