اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ الآية.
في " أن " وجهان :
أظهرهما : أنَّها مصدريةٌ، وموضعها إما نصبٌ، أو جرٌّ ؛ لأنَّها على حذف حرف الجر، إذ التقدير : في ألاَّ يُعذِّبهم، وهذا الجارُّ متعلقٌ بما تعلَّق به :" لَهُمْ " من الاستقرار، والتقديرُ : أيَّ شيءٍ استقر لهم في عدم تعذيبِ اللَّهِ إياهم ؟ بمعنى : لا حظ لهم في انتفاء العذاب.
والثاني : أنَّها زائدةٌ وهو قول الأخفش.
قال النَّحَّاسُ (١) " : لو كانت كما قال لرفع " يُعذِّبهم ". يعني النَّحاس : فكان ينبغي أن يرتفع الفعلُ على أنه واقعٌ موقع الحال، كقوله :﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله﴾ [المائدة: ٨٤] ولكن لا يلزمُ من الزيادةِ عدمُ العمل، ألا ترى :" أنَّ " مِنْ " و " الباء " يعملان وهما مزيدتان.
وقال أبُو البقاءِ(٢) :" وقيل هو حال، وهو بعيدٌ، لأنَّ " أنْ " تُخلِّص الفعل للاستقبال ".
والظَّاهرُ أنَّ " ما " في قول " وَمَا لهُمْ " استفهامية، وهو استفهامٌ معناه التقرير، أي : كيف لا يُعذَّبُونَ وهم مُتَّصفون بهذه الحال ؟.
وقيل :" ما " نافية، فهي إخبارٌ بذلك، أي : ليس عدمُ التَّعذيب، أي : لا ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال.

فصل


معنى الآية : وما يمنعهم من أن يعذبوا، أي : بعد خروجك من بينهم :﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ أي : يمنعون المؤمنينَ من الطَّواف، وقيل : أراد بالعذاب بالأوَّلِ عذاب الدُّنيا، وبهذا عذاب الآخرة.
وقال الحسن : قوله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] منسوخة بقوله ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ [الأنفال: ٣٤].
قوله ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنَّها استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي : وما كانُوا أولياءَ المسجد.
والثاني : أنَّها نسقٌ على الجملة الحاليَّة قبلها وهي :" وهُم يَصُدُّونَ " والمعنى : كيف لا يُعذِّبهُم اللَّه، وهم مُتَّصفون بهذين الوَصْفيْنِ : صدِّهم عن المسجد الحرام، وانتفاءِ كونهم أولياءه ؟ ويجوزُ أن يعود الضَّميرُ على الله تعالى، أي : لم يكونوا أولياءَ الله.

فصل


قال الحسن : كان المشركون يقولون : نحن أولياء المسجد الحرام، فردَّ الله عليهم بقوله :﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي : أولياء البيت :" إنْ أوْلياؤُهُ " أي : ليس أولياء البيت " إلاَّ المُتَّقُون " يعني المؤمنين الذين يتَّقُون الشرك، ويحترزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت، فلهذا قال بعده :﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ولكن أكثرهم لا يعلمون(٣).
١ ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/٦٧٥..
٢ ينظر: الإملاء لأبي البقاء ٢/٦..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٣٦) والبغوي (٢/٢٤٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى