فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله﴾ لما بيّن سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله ﷺ بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار. ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الكفار، أعني : كفار مكة، مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح. والمعنى : أيّ شيء لهم يمنع من تعذيبهم ؟ قال الأخفش : إن «أن » زائدة. قال النحاس : لو كان كما قال لرفع يعذبهم، وجملة :﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ في محل نصب على الحال، أي وما يمنع من تعذيبهم ؟ والحال أنهم يصدّون الناس عن المسجد الحرام، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله ﷺ وأصحابه من البيت، وجملة ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ﴾ في محل نصب على أنها حال من فاعل ﴿يَصِدُّونَ﴾، وهذا كالردّ لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت، وأن أمره مفوّض إليهم، ثم قال مبيناً لمن له ذلك :﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾ أي : ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال :﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله﴾ قال : عذابهم فتح مكة. وأخرج ابن إسحاق، وأبو حاتم، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله﴾ وهم يجحدون بآيات الله ويكذبون رسله. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله :﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ أي : من آمن بالله وعبده، أنت ومن اتبعك ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾ الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾ قال : من كانوا حيث كانوا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير، قال : كانت قريش يعارضون النبيّ ﷺ في الطواف، ويستهزئون ويصفرون ويصفقون، فنزلت :﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء عن ابن عباس، قال : كانت قريش يطوفون بالكعبة عراة تصفر وتصفق، فأنزل الله :﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ قال : والمكاء الصفير، إنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية : التصفيق وأنزل الله فيهم :﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾الآية. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عنه نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : المكاء الصفير، والتصدية : التصفيق.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال : المكاء إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية الصفير، يخلطون بذلك كله على محمد ﷺ صلاته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ : قال : المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز، والتصدية : التصفيق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿إِلاَّ مُكَاء﴾ قال : كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهنّ ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال : صدّهم الناس. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال : كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال. وهو قوله :﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ فالمكاء مثل نفخ البوق، والتصدية : طوافهم على الشمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك في قوله :﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قال : يعني أهل بدر عذبهم الله بالقتل والأسر.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريقه : قال : حدّثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحسين بن عبد الرحمن بن عمرو قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا : يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثاراً. ففعلوا، ففيهم كما ذكر ابن عباس، أنزل الله :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ إلى ﴿والذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج هؤلاء وغيرهم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحكم بن عتيبة، في الآية قال : نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن شمر بن عطية، في قوله :﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ قال : يميز يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ قال : يجمعه جميعاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى