التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وقوله :﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ..﴾ تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من وعود كاذبة، وأمانى باطلة.
والمراد بهذا التذكير : حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره، حيث إنه - سبحانه - لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان.
والمعنى : احذروا - أيها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة.. واذكروا وقت أن ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ في معاداتكم، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وانتم على الباطل، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غررو ومراءاة، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم، بأن قال لهم ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ أى : لن يغلبكم أحد من الناس، لا محمد - ﷺ - وأصحابه، ولا غيرهم من قبائل العرب، وأنى مجير ومعين وناصر لكم، إذ المراد بالجار هنا : الذي يجير غيره. أى : يؤمنه مما يخاف ويخشى.
قال الآلوسى : أى : ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات - تجعله مجيرا لهم، وحافظا إياهم عن السوء حتى قالوا : اللهم انصر اهدى الفئتين، وأفضل الدينين.
فالقول مجاز عن الوسوسة. والإِسناد في قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ من قبيل الاسناد إلى السبب الداعى. و ﴿لَّكُمْ﴾ خبر ﴿لاَ﴾ أو صفة ﴿غَالِبَ﴾ والخبر محذوف. أى : لا غالب كائنا لكم موجود. و ﴿اليوم﴾ معمول الخبر. و ﴿مِنَ الناس﴾ حال من ضمير الخبر..
وقوله :﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طافة له بها..
وقوله :﴿تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أى : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة.
ومنهم من جعل ﴿تَرَآءَتِ﴾ بمعنى التقت وقوله ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ أى : ولى هاربا ورجع القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من النصرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى : تراجع عنه وأحجم. والعقب : مؤخر القدم.
والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون -، ومناهم بالنصر عليكم... ولكنه حين تراءت الفئتان : فئتكم وفئته، ورأى ما أمدكم الله به من الملائكة، ولى مدبرا وقال للكافرين :﴿إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ﴾ أى : من عهدكم وجواركم ونصرتكم، ﴿إني أرى﴾ من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم ﴿إني أَخَافُ الله﴾ أن يعذبنى قبل يوم القيامة، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه من قبل ملائكته.
وقوله :﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه الله - تعالى عنه، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل.
أى : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره.
هذا، وهناك قولان في كيفية تزيين الشيطان للمشركين :
أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان.
وعليه يكون قوله ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم...﴾ مجازا عن الوسوسة. وقوله ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ استعارة لبطلان كيده، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه.
وثانيهما : أن هذا كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم في صورة إنسان، وقال لهم ما قال مما حكاه الله - تعالى - عنه.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين في تفسير الآية فقال : واذكر ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداة رسول الله - ﷺ -، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وكذا عن الحسن - رحمه الله - قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم.
وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين في بدر - ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكنانى - وكان من أشرفهم - في جند من الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل، نكص.
وقيل : كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحالة ؟ فقال : إنى أرى ما لا ترون، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا.
فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفى الحديث - الذي أخرجه مالك في الموطأ - " وما رئى إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة. إلا مارئى يوم بدر ".
وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق في جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف، وإن كانت تختلف عنها في التفصيل، ومن ذلك قول ابن جرير :
" وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنى معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من بنى مدلج، في صورة سارقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله - ﷺ - قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا الأدبار.
وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه - وكانت يده في رجل من المشركين - انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته.
فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار ؟ قال :﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ وذلك حين رأى الملائكة.
ثم قال : وحدثنا أحمد بن الفرج، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، قال : حدثنا مالك، عن ابراهيم بن أبى عبلة، عن طلحة بن عبد ابن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله - ﷺ - قال : " " مارئى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر " قالوا : يا رسول الله، وما رأى يوم بدر ؟ قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى : يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب ".
وقد سار - ابن جرير وابن كثير - في تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان كان حسيا.
فابن جرير يقول. بعد أن ذكر بضع روايات في تفسير الآية : فتأويل : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم. ايها لامؤمنون لحربكم وقتالاكم، وحسن ذلك لهم، وحثهم عليكم وقال لا غالب لكم اليوم، من بنى آدم، فاطمئنوا وابشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من روائكم.. واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين، وجنود الشيطان من الكافرين، ونظر بعضهم إلى بعض ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ أى : رجع القهقرى على قفاه هاربا.. وقال للمشركين ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم.
وابن كثير يقول : وقوله - تعالى - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية.
أى : حسن لهم لعنة الله - ما جاءوا له، وما هموا به، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج.. ثم قال : فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه..
ومن هذا يتضح أن هذين الإِمامين الجليلين يسيران في تفسيرهما للآية الاكريمة، على أن التزيين كان حسياً، ويهملان القول بغير ذلك ممن تابعهما في هذا الإِمام القرطبى، فقد ذكر عرض الروايات التي وردت في معنى الآية، والتى صرحت بأن الشيطان قد تمثل للمشركين في صورة إنسان، وبنى تفسيره للآية على ذلك.
وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم يكن حسياً، أي أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة، وأنه لم يتمثل لهم في صورة إنسان.
فقد قال - رحمه الله - قوله :﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس...﴾ أى : واذكر ايها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْه﴾ أى : فلما قرب كل من الفريقين من الآخر. نكص، أى : رجع القهرى.. والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ، وتركها بحال من ينكص، أى : رجع القهقهرى.. والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ، وتركها بحال من ينكص على عقبيه ويوليه دبره، ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم، ونكره إياهم وشأنهم، وهو ﴿وَقَالَ إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله﴾ أى : تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة.
ثم قال - بعد أن ضعف الروايات التي أوردها ابن جرير وابن كثير : والمختار عندنا في تفسير الآية أن الشيطان القى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم..
والخلاصة : أننا بمراجعنا لأقوال المفسرين في كيفية تزيين الشيطان للمشركين، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
( أ ) قسم منهم ذكر القولين السابقين في كيفية التزين دون أن يرجح أحدهما على الآخر، وممن فعل ذلك الزمخشرى، والفخر الرازى والآلوسى.
( ب ) وقسم منهم سار في تفسيره على أن التزيين كان حسياً، بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين في صورة إنسان وقال لهم ما قال، وأهمل القول بأن التزيين لم يكن حسياً، وممن فعل ذلك ابن جرير، وابن كثير، والقرطبى.
( ج ) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسياً، بل كان طريق الوسوسة، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين في صورة إنسان، وقدسار في هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا في صحة ما سواه.
والذى نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين : أن الآية الكريمة صريحة في أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن عنه :﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ وأنه حين تراءى الجمعان كذب فعلهُ قوله، فقد ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وقال للمشركين الذين وعدهم ومناهم بالنصر ﴿إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾.
ومن العسير علينا بعد ذ
والمراد بهذا التذكير : حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره، حيث إنه - سبحانه - لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان.
والمعنى : احذروا - أيها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة.. واذكروا وقت أن ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ في معاداتكم، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وانتم على الباطل، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غررو ومراءاة، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم، بأن قال لهم ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ أى : لن يغلبكم أحد من الناس، لا محمد - ﷺ - وأصحابه، ولا غيرهم من قبائل العرب، وأنى مجير ومعين وناصر لكم، إذ المراد بالجار هنا : الذي يجير غيره. أى : يؤمنه مما يخاف ويخشى.
قال الآلوسى : أى : ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات - تجعله مجيرا لهم، وحافظا إياهم عن السوء حتى قالوا : اللهم انصر اهدى الفئتين، وأفضل الدينين.
فالقول مجاز عن الوسوسة. والإِسناد في قوله ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ من قبيل الاسناد إلى السبب الداعى. و ﴿لَّكُمْ﴾ خبر ﴿لاَ﴾ أو صفة ﴿غَالِبَ﴾ والخبر محذوف. أى : لا غالب كائنا لكم موجود. و ﴿اليوم﴾ معمول الخبر. و ﴿مِنَ الناس﴾ حال من ضمير الخبر..
وقوله :﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طافة له بها..
وقوله :﴿تَرَآءَتِ الفئتان﴾ أى : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة.
ومنهم من جعل ﴿تَرَآءَتِ﴾ بمعنى التقت وقوله ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ أى : ولى هاربا ورجع القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من النصرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى : تراجع عنه وأحجم. والعقب : مؤخر القدم.
والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون -، ومناهم بالنصر عليكم... ولكنه حين تراءت الفئتان : فئتكم وفئته، ورأى ما أمدكم الله به من الملائكة، ولى مدبرا وقال للكافرين :﴿إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ﴾ أى : من عهدكم وجواركم ونصرتكم، ﴿إني أرى﴾ من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم ﴿إني أَخَافُ الله﴾ أن يعذبنى قبل يوم القيامة، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه من قبل ملائكته.
وقوله :﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه الله - تعالى عنه، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل.
أى : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره.
هذا، وهناك قولان في كيفية تزيين الشيطان للمشركين :
أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان.
وعليه يكون قوله ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم...﴾ مجازا عن الوسوسة. وقوله ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ استعارة لبطلان كيده، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه.
وثانيهما : أن هذا كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم في صورة إنسان، وقال لهم ما قال مما حكاه الله - تعالى - عنه.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين في تفسير الآية فقال : واذكر ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداة رسول الله - ﷺ -، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وكذا عن الحسن - رحمه الله - قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم.
وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين في بدر - ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكنانى - وكان من أشرفهم - في جند من الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل، نكص.
وقيل : كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحالة ؟ فقال : إنى أرى ما لا ترون، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا.
فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفى الحديث - الذي أخرجه مالك في الموطأ - " وما رئى إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة. إلا مارئى يوم بدر ".
وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق في جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف، وإن كانت تختلف عنها في التفصيل، ومن ذلك قول ابن جرير :
" وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنى معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من بنى مدلج، في صورة سارقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله - ﷺ - قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا الأدبار.
وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه - وكانت يده في رجل من المشركين - انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته.
فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار ؟ قال :﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ وذلك حين رأى الملائكة.
ثم قال : وحدثنا أحمد بن الفرج، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، قال : حدثنا مالك، عن ابراهيم بن أبى عبلة، عن طلحة بن عبد ابن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله - ﷺ - قال : " " مارئى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر " قالوا : يا رسول الله، وما رأى يوم بدر ؟ قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى : يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب ".
وقد سار - ابن جرير وابن كثير - في تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان كان حسيا.
فابن جرير يقول. بعد أن ذكر بضع روايات في تفسير الآية : فتأويل : وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم. ايها لامؤمنون لحربكم وقتالاكم، وحسن ذلك لهم، وحثهم عليكم وقال لا غالب لكم اليوم، من بنى آدم، فاطمئنوا وابشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من روائكم.. واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان﴾ يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين، وجنود الشيطان من الكافرين، ونظر بعضهم إلى بعض ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ أى : رجع القهقرى على قفاه هاربا.. وقال للمشركين ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم.
وابن كثير يقول : وقوله - تعالى - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية.
أى : حسن لهم لعنة الله - ما جاءوا له، وما هموا به، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج.. ثم قال : فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه..
ومن هذا يتضح أن هذين الإِمامين الجليلين يسيران في تفسيرهما للآية الاكريمة، على أن التزيين كان حسياً، ويهملان القول بغير ذلك ممن تابعهما في هذا الإِمام القرطبى، فقد ذكر عرض الروايات التي وردت في معنى الآية، والتى صرحت بأن الشيطان قد تمثل للمشركين في صورة إنسان، وبنى تفسيره للآية على ذلك.
وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم يكن حسياً، أي أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة، وأنه لم يتمثل لهم في صورة إنسان.
فقد قال - رحمه الله - قوله :﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس...﴾ أى : واذكر ايها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْه﴾ أى : فلما قرب كل من الفريقين من الآخر. نكص، أى : رجع القهرى.. والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ، وتركها بحال من ينكص، أى : رجع القهقهرى.. والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ، وتركها بحال من ينكص على عقبيه ويوليه دبره، ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم، ونكره إياهم وشأنهم، وهو ﴿وَقَالَ إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله﴾ أى : تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة.
ثم قال - بعد أن ضعف الروايات التي أوردها ابن جرير وابن كثير : والمختار عندنا في تفسير الآية أن الشيطان القى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم..
والخلاصة : أننا بمراجعنا لأقوال المفسرين في كيفية تزيين الشيطان للمشركين، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
( أ ) قسم منهم ذكر القولين السابقين في كيفية التزين دون أن يرجح أحدهما على الآخر، وممن فعل ذلك الزمخشرى، والفخر الرازى والآلوسى.
( ب ) وقسم منهم سار في تفسيره على أن التزيين كان حسياً، بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين في صورة إنسان وقال لهم ما قال، وأهمل القول بأن التزيين لم يكن حسياً، وممن فعل ذلك ابن جرير، وابن كثير، والقرطبى.
( ج ) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسياً، بل كان طريق الوسوسة، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين في صورة إنسان، وقدسار في هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا في صحة ما سواه.
والذى نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين : أن الآية الكريمة صريحة في أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن عنه :﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ وأنه حين تراءى الجمعان كذب فعلهُ قوله، فقد ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ وقال للمشركين الذين وعدهم ومناهم بالنصر ﴿إِنِّي بريئ مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾.
ومن العسير علينا بعد ذ