تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) أي لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة [ فتكون أنت في الخيانة ][ من م، ساقطة من الأصل ] سواء ؛ لأن عندكم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد. ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب في ما بينهم الحرب.
وقال بعضهم : هو على حقيقة الخوف، يقول : إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ( فانبذ إليهم ) أي ألق إليهم نقضك لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.
وقال أبو عبيدة : قوله :( فانبذ بهم على سواء ) أي أظهر لهم أنك عدو وأنك مناصب حتى يعلموا ذلك، فتصيروا على ذلك سواء. وقال بعضهم :( على سواء ) أي على أمر بين.
قال أبو عبيد : قال غير واحد من أهل العلم ( فانبذ إليهم على سواء ) أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم حتى يصيروا مثلك في العلم، فذلك السواء.
قال الكسائي : السواء العدل، وقال :( فانبذ إليهم على سواء ) أي سر إليهم، وقد علموا بك، وعلمت بهم، وبعضها[ في الأصل وم : وبعضهم ] قريب من بعض.
وحاصل التأويل/٢٠٣-ب/ هو [ التأويلات اللذان ][ في الأصل وم : التأويلين اللذين ] ذكرنهما، والله أعلم.
وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ )[التوبة: ٤] أمر عز وجل بإتمام العهد إلى المدة إذا لم ينقضونا شيئا، ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحدا منهم. فإذا فعلوا شيئا من ذلك فلنا أن ننقض العهد الذي بيننا وبينهم، إذا سألونا ؛ ليسا للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين منفعة ظاهرة، وخير[ في الأصل وم : وخيرا ] لهم مراعاة ذلك العهد وحفظه. فإذا خاف منهم قلة نقضه، والله أعلم.
ثم إذا كانت[ في الأصل وم : كان ] تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منفعة فله أن يناصب معهم الحرب، وإن لم ينبذوا إليهم. وإذا كان ذلك من بعض سبيل التلصص والسرقة فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى