فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الجنوح : الميل، يقال جنح الرجل إلى الرجل : مال إليه ومنه قيل للأضالع جوانح، لأنها مالت إلى الحنوّة، وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير، ومنه قول ذي الرمة :
إذا مات فوق الرحل أحييت روحهبذكراك والعيس المراسيل جنح
ومثله قول عنترة :
جوانح قد أيقنّ أن قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
يعني الطير، والسلم : الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر، وابن محيصن، والمفضل بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ العقيلي «فاجنح » بضم النون، وقرأ الباقون بفتحها. والأولى : لغة قيس، والثانية : لغة تميم. قال ابن جني : ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤوّلة بالخصلة، أو الفعلة.
وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة ؟ فقيل هي منسوخة بقوله :﴿فاقتلوا المشركين﴾ وقيل : ليست بمنسوخة، لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. وقيل : إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى :﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم وَأَنتُمُ الأعلون والله مَعَكُمْ﴾ وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزّة وقوّة، لا إذا لم يكونوا كذلك، فهو جائز كما وقع منه ﷺ من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرّر في مواطنه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ في جنوحك للسلم، ولا تخف من [ مكرهم ]، ف ﴿إِنَّه﴾ سبحانه ﴿هُوَ السميع﴾ لما يقولون ﴿العليم﴾ بما يفعلون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ قال : قريظة. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال : نزلت في بني قريظة نسختها :﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم﴾ إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : السلم الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عنه في الآية قال : إن رضوا فارض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ في الآية قال : إن أرادوا الصلح، فأرده. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال : نسختها هذه الآية ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر﴾ إلى قوله :﴿وَهُمْ صاغرون﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : ثم نسخ ذلك :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ قال : قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿وبالمؤمنين﴾ قال : بالأنصار. وأخرج ابن مردويه، عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، نحوه أيضاً. وأخرج ابن عساكر، عن أبي هريرة، قال : مكتوب على العرش : لا إله إلا الله، أنا الله وحدي لا شريك لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلمي، وذلك قوله :﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾.
وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، أن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ الآية.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس قال : قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول الله :﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ الآية. وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، والبهيقي عنه نحوه. وليس في هذا عن ابن عباس ما يدلّ على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ابن مسعود رضي الله عنه : إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن الواقع قبلها ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ والواقع بعدها ﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ ومع كون الضمير في قوله :﴿مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يرجع إلى المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في قوله :﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فإن هذا يدلّ على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله ﷺ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى