غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿تتوفى﴾ بتاء التأنيث : شامي. الباقون : بالتذكير ﴿ولا يحسبن﴾ بياء الغيبة : ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل. الآخرون : بتاء الخطاب. ﴿أنهم﴾ بالفتح : ابن عامر ﴿السلم﴾ بكسر السين : أبو بكر وحماد ﴿ترهبون﴾ بالتشديد : رويس. الباقون : بالتخفيف من الإرهاب ﴿وإن يكن منكم﴾ بالياء التحتانية : أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون : بالتاء الفوقانية ﴿وعلم﴾ مبنياً للمفعول ﴿ضعفاء﴾ بالمد جمعاً : يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ضعفاً﴾ بفتح الضاد. الآخرون بالضم. ﴿فإن لم يكن منكم مائة﴾ بالتحتانية : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف :﴿كفروا﴾ لا لأن فاعل ﴿يتوفى﴾ الملائكة. وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة. ﴿وأدبارهم﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿الحريق﴾ ه ﴿للعبيد﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿فرعون﴾ لا للعطف. ﴿من قبلهم﴾ ط ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه ﴿بأنفسهم﴾ لا لعطف «أنّ» على «أنَّ» ﴿عليم﴾ ه لا للكاف ﴿من قبلهم﴾ ط ﴿بآيات ربهم﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿آل فرعون﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ظالمين﴾ ه ﴿لا يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿لا يتقون﴾ ه ﴿يذكرون﴾ ه ﴿على سواء﴾ ط ﴿الخائنين﴾ ه ﴿سبقوا﴾ ط لمن قرأ ﴿إنهم﴾ بالكسر ﴿لا يعجزون﴾ ه ﴿من دونهم﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿لا تعلمونهم﴾ ج لذلك ﴿يعلمهم﴾ ط ﴿لا تظلمون﴾ ه ﴿على الله﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿حسبك الله﴾ ط ﴿بين قلوبهم﴾ الأول ط ﴿بينهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿من المؤمنين﴾ ه ﴿على القتال﴾ ط ﴿مائتين﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿لا يفقهون﴾ ه ﴿ضعفاً﴾ ج ﴿مائتين﴾ ج ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه.
﴿الآن خفف الله عنكم﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل. قال الفراء : قد جمع بين «إما » و «أن » في هذه الآية بخلاف قوله ﴿وما يعذبهم﴾ ﴿وإما يتوب عليهم﴾ لأن الفعل هاهنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل : اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا : اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك. قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر. فالجواب من وجوه : أحدها : أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر البتة كقول القائل : اسقني الماء من الجرة. فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة. والثاني : أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير. الثالث : أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له : هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس﴾ [الأعراف: ١١٦] قال القاضي : لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. وقال الواحدي : بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات. وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى ﴿واسترهبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم. وقال الزجاج : اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦] كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض. عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك. وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي هاهنا الإلهام وهاهنا إضمار والتقدير : فألقاها فإذا هي تلقف. قال الجوهري : لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و «ما » في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل ؟ قلت له : من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله ﷺ وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال : أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة. وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر. والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال : لأن لفظ الآية ورد على الخبر. سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل : إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ. ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء. ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان. وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم. ومعنى قوله ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها. والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك. والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾
[النساء: ٢٨].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و﴿لم يك مغيراً نعمة﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿حتى يغيروا﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ما بأنفسهم﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿الذين عاهدت منهم﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿فشرد﴾ يا روح ﴿بهم من خلفهم﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿وجاهدهم﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ﴿ومن رباط الخيل﴾ ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ترهبون﴾ بالذكر والمراقبة ﴿عدوّ الله﴾ الشيطان ﴿وعدوكم﴾ النفس والهوى ﴿وآخرين من دونهم﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿لا تعلمونهم﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿الله يعلمهم﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿إن من أزواجكم وأولادكم﴾ [التغابن: ١٤] ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿يوف إليكم﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿وألف بين قلوبهم﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها. ﴿لو أنفقت ما في أرض﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ولكن الله ألف﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
التأويل :﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و﴿لم يك مغيراً نعمة﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿حتى يغيروا﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ما بأنفسهم﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿الذين عاهدت منهم﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿فشرد﴾ يا روح ﴿بهم من خلفهم﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿وجاهدهم﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ﴿ومن رباط الخيل﴾ ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ترهبون﴾ بالذكر والمراقبة ﴿عدوّ الله﴾ الشيطان ﴿وعدوكم﴾ النفس والهوى ﴿وآخرين من دونهم﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿لا تعلمونهم﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿الله يعلمهم﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿إن من أزواجكم وأولادكم﴾ [التغابن: ١٤] ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿يوف إليكم﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿وألف بين قلوبهم﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها. ﴿لو أنفقت ما في أرض﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ولكن الله ألف﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
الوقوف :﴿كفروا﴾ لا لأن فاعل ﴿يتوفى﴾ الملائكة. وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة. ﴿وأدبارهم﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿الحريق﴾ ه ﴿للعبيد﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿فرعون﴾ لا للعطف. ﴿من قبلهم﴾ ط ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه ﴿بأنفسهم﴾ لا لعطف «أنّ» على «أنَّ» ﴿عليم﴾ ه لا للكاف ﴿من قبلهم﴾ ط ﴿بآيات ربهم﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿آل فرعون﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ظالمين﴾ ه ﴿لا يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿لا يتقون﴾ ه ﴿يذكرون﴾ ه ﴿على سواء﴾ ط ﴿الخائنين﴾ ه ﴿سبقوا﴾ ط لمن قرأ ﴿إنهم﴾ بالكسر ﴿لا يعجزون﴾ ه ﴿من دونهم﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿لا تعلمونهم﴾ ج لذلك ﴿يعلمهم﴾ ط ﴿لا تظلمون﴾ ه ﴿على الله﴾ ط ﴿العليم﴾ ه ﴿حسبك الله﴾ ط ﴿بين قلوبهم﴾ الأول ط ﴿بينهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿من المؤمنين﴾ ه ﴿على القتال﴾ ط ﴿مائتين﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿لا يفقهون﴾ ه ﴿ضعفاً﴾ ج ﴿مائتين﴾ ج ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه.
﴿الآن خفف الله عنكم﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل. قال الفراء : قد جمع بين «إما » و «أن » في هذه الآية بخلاف قوله ﴿وما يعذبهم﴾ ﴿وإما يتوب عليهم﴾ لأن الفعل هاهنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل : اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا : اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك. قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر. فالجواب من وجوه : أحدها : أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر البتة كقول القائل : اسقني الماء من الجرة. فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة. والثاني : أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير. الثالث : أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له : هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس﴾ [الأعراف: ١١٦] قال القاضي : لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. وقال الواحدي : بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات. وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى ﴿واسترهبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم. وقال الزجاج : اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦] كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض. عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك. وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي هاهنا الإلهام وهاهنا إضمار والتقدير : فألقاها فإذا هي تلقف. قال الجوهري : لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و «ما » في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل ؟ قلت له : من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله ﷺ وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال : أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة. وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر. والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال : لأن لفظ الآية ورد على الخبر. سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل : إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ. ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء. ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان. وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم. ومعنى قوله ﴿وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها. والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك. والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾
[النساء: ٢٨].
التأويل :﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و﴿لم يك مغيراً نعمة﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿حتى يغيروا﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ما بأنفسهم﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿الذين عاهدت منهم﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿فشرد﴾ يا روح ﴿بهم من خلفهم﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿وجاهدهم﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ﴿ومن رباط الخيل﴾ ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ترهبون﴾ بالذكر والمراقبة ﴿عدوّ الله﴾ الشيطان ﴿وعدوكم﴾ النفس والهوى ﴿وآخرين من دونهم﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿لا تعلمونهم﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿الله يعلمهم﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿إن من أزواجكم وأولادكم﴾ [التغابن: ١٤] ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿يوف إليكم﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿وألف بين قلوبهم﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها. ﴿لو أنفقت ما في أرض﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ولكن الله ألف﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.