اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية.
قرأ أبو(١) عمرو " تكون " بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على " أسْرَى " وهو قياس " فعيل " بمعنى " مفعول " دالاَّ على أنه ك : جَريح وجَرْحَى.
وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل(٢) عن عاصم " أسَارَى " شبَّهُوا " أسير " ب :" كَسْلان " فجمعوهُ على " فُعَالَى " كَ :" كُسَالَى "، كما شَبَّهُوا به " كسلان " فجمعوه على " كَسْلَى "، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة.
قال الزمخشري :" وقرئ " (٣) ما كان للنَّبي " على التعريف "
فإن قيل : كيف حسن إدخال لفظه " كان " على لفظة " يكون " في هذه الآية ؟ فالجوابُ : قوله " مَا كَان " معناه النفي والتنزيه، أي : ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله :﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
قال أبو عبيدة " يقول : لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ ﴿مَا كَانَ لِلنَبِيٍّ﴾ فمعناه : أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام ".
قوله :" حتَّى يُثخِنَ " قرأ العامَّةُ " يُثْخنَ " مخففاً، عدوهُ بالهمزة.
وقرأ أبُو جعفر(٤) ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر " يُثَخِّنَ " بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة القتل، والجراحات، فيقال : أثْخَنَتْه الجراح، أي : أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه :" حتَّى إذا أثخنتموهم ".
وقيل : حتى يقهر، والإثخان : القهرُ.
وأنشد المفضلُ :[ الطويل ]
كذا أنشده الهروي شاهداً على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على الزِّيادة والمبالغةِ المناسبةِ لأصل معناه، وهي الثَّخانة.
ويقال منه : ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، ك : ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ.
قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾. الجمهور على نصب " الآخرة ".
وقرأ سليمانُ(٦) بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حفِّ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه ؛ إذْ لا يحسن أن يقال : والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك ؛ لأجل المقابلة، قال :" يعني ثوابها " وقدَّره بعضهم ب " أعمال "، أو " ثواب "، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر :[ المتقارب ]
. . . *** ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا(٧)
وقدَّر المضاف :" عَرَضَ الآخِرَةِ ".
قال أبُو حيان(٨) :" ليست الآيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب " لا " نحو :" ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك " أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل ".
اعلم أنه تعالى علّم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في حق النبي ﷺ.
قال الزجاج :" أسْرَى " جمع، و " أسَارَى " جمع الجمع. والإثخان : قال الواحديُّ :" الإثخان " في كُلِّ شيء : عبارة عن قوَّته وشدَّته.
يقال : قد أثخنه المرض : إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح.
فقوله :﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ أي : حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر.
قال أكثر المفسرين : المرادُ منه : أن يبالغ في قتل أعدائه، قالوا : وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه ؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل ؛ قال الشَّاعرُ :
وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة المهابة، وكلمة " حتّى " لانتهاء الغايةِ، فقوله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ يدُلُّ على أنَّ بعد حصول الإثخان في الأرض فله أن يقدم على الأسارى.
وقوله :﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ المرادُ منه : الفداء، وإنّما سمى منافع الدنيا عرضاً ؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام ؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية.
وقوله :﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي : أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال.
ثم قال :﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم ؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم.
قال ابنُ عبَّاسٍ :" هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر ؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى :﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾(١٠) [محمد: ٤].
قال ابنُ الخطيبِ :" هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله :﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك ؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء ".
احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه ؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يريده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة.
وأجيبوا : بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود.
روي عن عبد الله بن مسعود قال :" لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله ﷺ " ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى " فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ.
وقال عمرُ : يا رسول الله : كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليّاً مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عنقَهُ، ومكْنِي من فلانٍ :" نَسيباً لِعمَرَ " فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ.
وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب ؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس : قطعت رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس : يأخذ بقول عمر، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ﷺ فقال " إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال :﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال :﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ومثلك كمثل موسى، قال :﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآية "
ثم قال رسول الله ﷺ :" أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق ".
قال عبد الله بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله ﷺ : فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء(١١).
قال ابن عباس : قال عمر بن الخطاب : فَهَوِيَ رسُولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من العد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ : يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما.
فقال رسول الله ﷺ " أبكي للَّذي عَرَض عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ " شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي ﷺ وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ إلى قوله :﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ(١٢).
وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ : أربعون درهماً.
قرأ أبو(١) عمرو " تكون " بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على " أسْرَى " وهو قياس " فعيل " بمعنى " مفعول " دالاَّ على أنه ك : جَريح وجَرْحَى.
وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل(٢) عن عاصم " أسَارَى " شبَّهُوا " أسير " ب :" كَسْلان " فجمعوهُ على " فُعَالَى " كَ :" كُسَالَى "، كما شَبَّهُوا به " كسلان " فجمعوه على " كَسْلَى "، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة.
قال الزمخشري :" وقرئ " (٣) ما كان للنَّبي " على التعريف "
فإن قيل : كيف حسن إدخال لفظه " كان " على لفظة " يكون " في هذه الآية ؟ فالجوابُ : قوله " مَا كَان " معناه النفي والتنزيه، أي : ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله :﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
قال أبو عبيدة " يقول : لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ ﴿مَا كَانَ لِلنَبِيٍّ﴾ فمعناه : أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام ".
قوله :" حتَّى يُثخِنَ " قرأ العامَّةُ " يُثْخنَ " مخففاً، عدوهُ بالهمزة.
وقرأ أبُو جعفر(٤) ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر " يُثَخِّنَ " بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة القتل، والجراحات، فيقال : أثْخَنَتْه الجراح، أي : أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه :" حتَّى إذا أثخنتموهم ".
وقيل : حتى يقهر، والإثخان : القهرُ.
وأنشد المفضلُ :[ الطويل ]
| تُصَلِّي الضُّحَى ما دَهْرُهَا بتَعَبُّدٍ | وقَدْ أثْخَنَتْ فرعَونَ في كُفُرِهِ كُفْرَا(٥) |
ويقال منه : ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، ك : ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ.
قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾. الجمهور على نصب " الآخرة ".
وقرأ سليمانُ(٦) بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حفِّ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه ؛ إذْ لا يحسن أن يقال : والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك ؛ لأجل المقابلة، قال :" يعني ثوابها " وقدَّره بعضهم ب " أعمال "، أو " ثواب "، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر :[ المتقارب ]
. . . *** ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا(٧)
وقدَّر المضاف :" عَرَضَ الآخِرَةِ ".
قال أبُو حيان(٨) :" ليست الآيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل ب " لا " نحو :" ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك " أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل ".
فصل
اعلم أنه تعالى علّم في هذه الآية حكما آخر من أحكام الجهاد في حق النبي ﷺ.
قال الزجاج :" أسْرَى " جمع، و " أسَارَى " جمع الجمع. والإثخان : قال الواحديُّ :" الإثخان " في كُلِّ شيء : عبارة عن قوَّته وشدَّته.
يقال : قد أثخنه المرض : إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح.
فقوله :﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ أي : حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر.
قال أكثر المفسرين : المرادُ منه : أن يبالغ في قتل أعدائه، قالوا : وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه ؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل ؛ قال الشَّاعرُ :
| لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ من الأذَى | حتَّى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ(٩) |
وقوله :﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ المرادُ منه : الفداء، وإنّما سمى منافع الدنيا عرضاً ؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام ؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية.
وقوله :﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي : أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال.
ثم قال :﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم ؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم.
قال ابنُ عبَّاسٍ :" هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر ؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى :﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾(١٠) [محمد: ٤].
قال ابنُ الخطيبِ :" هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله :﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك ؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء ".
فصل
احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه ؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يريده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة.
وأجيبوا : بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود.
فصل
روي عن عبد الله بن مسعود قال :" لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله ﷺ " ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى " فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ.
وقال عمرُ : يا رسول الله : كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليّاً مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عنقَهُ، ومكْنِي من فلانٍ :" نَسيباً لِعمَرَ " فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ.
وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب ؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس : قطعت رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس : يأخذ بقول عمر، وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ﷺ فقال " إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال :﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال :﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ومثلك كمثل موسى، قال :﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآية "
ثم قال رسول الله ﷺ :" أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق ".
قال عبد الله بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله ﷺ : فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء(١١).
قال ابن عباس : قال عمر بن الخطاب : فَهَوِيَ رسُولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من العد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ : يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما.
فقال رسول الله ﷺ " أبكي للَّذي عَرَض عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ " شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي ﷺ وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ إلى قوله :﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ(١٢).
وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ : أربعون درهماً.
١ ينظر: الحجة ٤/١٦٢-١٦٣، حجة القراءات ص (٣١٣) إعراب القراءات ١/٢٣٣، إتحاف ٢/٨٣..
٢ ينظر: السبعة ص ٣٠٩، الحجة ٤/١٦٣-١٦٤، حجة القراءات ص ٣١٤..
٣ قرأ بها أبو الدرداء وأبو حيوة.
ينظر: الكشاف ٢/٢٣٥، المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٣..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٢٣٥، المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٤، الدر المصون ٣/٤٣٦..
٥ البيت ينظر: القرطبي ٨/٤٨، الدر المصون ٣/٤٣٧..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٤، الدر المصون ٣/٤٣٧..
٧ تقدم..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٥١٤..
٩ البيت للمتنبي ينظر: ديوانه بشرح العكبري ٤/١٢٥ وتفسير الرازي ١٥/٢٠١..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٢)..
١١ أخرجه أحمد (١/٣٨٣) والترمذي (٣٠٨٤) والحاكم (٣/٢٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/١٣٨-١٣٩) عن عبد الله بن مسعود وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٦٤-٣٦٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه..
١٢ أخرجه مسلم (٣/١٣٨٣-١٣٨٥) كتاب الجهاد والسير: باب الإمداد بالملائكة..
٢ ينظر: السبعة ص ٣٠٩، الحجة ٤/١٦٣-١٦٤، حجة القراءات ص ٣١٤..
٣ قرأ بها أبو الدرداء وأبو حيوة.
ينظر: الكشاف ٢/٢٣٥، المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٣..
٤ ينظر: الكشاف ٢/٢٣٥، المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٤، الدر المصون ٣/٤٣٦..
٥ البيت ينظر: القرطبي ٨/٤٨، الدر المصون ٣/٤٣٧..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٥٢، البحر المحيط ٤/٥١٤، الدر المصون ٣/٤٣٧..
٧ تقدم..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٥١٤..
٩ البيت للمتنبي ينظر: ديوانه بشرح العكبري ٤/١٢٥ وتفسير الرازي ١٥/٢٠١..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٦٢)..
١١ أخرجه أحمد (١/٣٨٣) والترمذي (٣٠٨٤) والحاكم (٣/٢٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/١٣٨-١٣٩) عن عبد الله بن مسعود وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٣٦٤-٣٦٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه..
١٢ أخرجه مسلم (٣/١٣٨٣-١٣٨٥) كتاب الجهاد والسير: باب الإمداد بالملائكة..