محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦٧ من سورة الأنفال في ١٢٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الأنفال

١٢٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتّىَ يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخرة وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ما كان لنبيّ أن يحتبس كافرا قدر عليه وصار في يده من عَبَدَة الأوثان للفداء أو للمنّ. والأسر في كلام العرب : الحبس، يقال منه : مأسور، يراد به : محبوس، ومسموع منهم : أناله لله أسرا. وإنما قال الله جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ يعرّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدر ثم فادى بهم كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.
وقوله : حتى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ يقول : حتى يبالغ في قتل المشركين فيها، ويقهرهم غلبة وقسرا، يقال منه : أثخن فلان في هذا الأمر إذا بالغ فيه، وحُكي أثخنته معرفة، بمعنى : قتلته معرفة. تريدون : يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ : تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأسركم المشركين، وهو ما عرض للمرء منها من مال ومتاع، يقول : تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطُعْمها. وَاللّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ يقول : والله يريد لكم زينة الاَخرة، وما أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته في جناته بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض، يقول لهم : واطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها. وَاللّهُ عَزِيرٌ يقول : إن أنتم أردتم الاَخرة لم يغلبكم عدوّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، وإنه حَكِيمٌ في تدبيره أمره خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى : فإمّا مَنّا بَعْدُ وإمّا فِدَاءً فجعل الله النبيّ والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم وإن شاءوا فادَوْهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيْا. . . الآية، قال : أراد أصحاب نبيّ الله ﷺ يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذ وكان أوّل قتال قاتله المشركين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، قال : الإثخان : القتل.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا شريك، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، في قوله : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ قال : إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل.
قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى. . . الاَية، نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمُنّ وإن شئت ففَادِ.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ يعني : الذين أسروا ببدر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى من من عدوه. حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ : أي يثخن عدوّه، حتى ينفيهم من الأرض. تُرِيدُونَ عَرَض الدّنْيا : أي المتاع والفداء بأخذ الرجال. وَاللّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ بقتلهم لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الاَخرة.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، قال : حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال : لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله ﷺ :«ما تَقُولُونَ في هَؤُلاءِ الأسْرَى ؟ » فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستأن بهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم وقال عمر : يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا قال : فقال له العباس : قطعت رَحِمَكَ. قال : فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناسٌ : يأخُذُ بقَوْلِ أبي بَكْرٍ، وَقالَ ناسٌ : يأْخُذُ بقَوْلِ عُمَرَ، وَقالَ ناسٌ : يَأْخُذُ بقَوْلِ عبَدْ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال :«إن اللّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجالٍ حتى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللّبَنِ، وإن اللّهَ لَيُشَدّدَ قُلُوبَ رِجالِ حتى تَكُونَ أشَدّ مِنَ الحِجارَةِ وَإنّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ، قالَ : مَنْ تَبِعَنِي فإنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فإنّكَ غَفُورٌ رُحِيمٌ وَمَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى، قالَ : إنْ تُعَذّبَهُمْ فإنّهُمْ عِبادُكَ. . . الاَية، ومَثَلَكَ يا عُمَرَ مَثَلُ نُوحٍ قالَ : رَبّ لا تَذَرْ على الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارا، وَمَثَلُكَ يا ابْنَ رَوَاحَةَ كمَثَلِ مُوسَى، قالَ : رَبّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ ». قال رسول الله ﷺ :«أنْتُمُ اليَوْمَ عالَةٌ، فَلا ينْفَلِتَنّ أحَدٌ مِنْهُمْ إلاّ بِفِدَاءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ » قال عبد الله بن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ :«إلاّ سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ » قال : فأنزل الله : ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ. . . إلى آخر الثلاث الآيات.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عكرمة بن عمار، قال : حدثنا أبو زميل، قال : ثني عبد الله بن عباس، قال : لما أسروا الأسارى يعني يوم بدر قال رسول الله ﷺ :«أيْنَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَر وعَليّ ؟ » قال :«ما ترون في الأسارى ؟ » فقال أبو بكر : يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوّة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ :«ما تَرَى يا ابْنَ الخَطّابِ ؟ » فقال : لا والذي لا إله إلا هو ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبيّ الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. قال عمر : فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت : يا رسول الله أخبرني من أيّ شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال رسول الله ﷺ :«أبْكِي للّذِي عَرَضَ لأصَحابِي مِنْ أخْذِهِمُ الفِدَاءَ، وَلَقَدْ عُرِضَ عَليّ عَذَابُكُمْ أدْنَى مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ » لشجرة قريبة من رسول الله ﷺ فأنزل الله عزّ وجلّ ما كانَ لِنَبِيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتى يُثْخِنَ في الأرْضِ. . . إلى قوله : حَلالاً طَيّبا وأحلّ الله الغنيمة لهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)، و (ضُعْفًا)، بفتح الضاد أو ضمها، لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الصوابَ.
* * *
فأما قراءة من قرأ ذلك: "ضعفاء"، فإنها عن قراءة القرأة شاذة، وإن كان لها في الصحة مخرج، فلا أحبُّ لقارئٍ القراءةَ بها.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان لنبي أن يحتبس كافرًا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ.
* * *
و"الأسر" في كلام العرب: الحبس، يقال منه: "مأسورٌ"، يراد به: محبوس. ومسموع منهم: "أبَاله الله أسْرًا". (١)
* * *
وإنما قال الله جل ثناؤه [ذلك] لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يعرِّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.
* * *
(١) انظر تفسير " الأسير " فيما سلف ٢: ٣١١، ٣١٢.
وأما قوله: " أباله الله أسرا "، فإن " الأسر " " بضم الألف وسكون السين "، وهو احتباس البول، يقال: " أخذه الأسر ". وهذه الجملة كانت في المخطوطة: " أبي الله أسرًا "، وفي لسان العرب، كما في المطبوعة " أناله بالنون "، وفي أساس البلاغة: " وفي أدعيتهم: أبي لك الله أسرا ".
والذي في المخطوطة وأساس البلاغة يرجح صواب ما قرأته بالباء.
وقوله: (حتى يثخن في الأرض)، يقول: حتى يبالغ في قتل المشركين فيها، ويقهرهم غلبة وقسرًا.
* * *
يقال منه: "أثخن فلان في هذا الأمر"، إذا بالغ فيه. وحكي: "أثخنته معرفةً"، بمعنى: قتلته معرفةً.
* * *
= (تريدون)، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تريدون)، أيها المؤمنون، (عرض الدنيا)، بأسركم المشركين =وهو ما عَرَض للمرء منها من مال ومتاع. (١) يقول: تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطُعْمها = (والله يريد الآخرة)، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته في جناته، بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض. يقول لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، (٢) لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها = (والله عزيز)، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب = وأنه (حكيم) (٣) في تدبيره أمرَ خلقه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٢٨٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)، [سورة محمد: ٤]، فجعل الله النبيَّ والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن
(١) انظر تفسير " العرض " فيما سلف ٩: ٧١ ١٣: ٢١١.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " واطلبوا "، والسياق للفاء لا للواو.
(٣) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز)، (حكم).
شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم.
١٦٢٨٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا)، الآية، قال: أراد أصحاب نبيّ الله ﷺ يوم بدر الفداءَ، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. (١) ولعمري ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذ! وكان أول قتال قاتله المشركين.
١٦٢٨٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد قال: "الإثخان"، القتل. (٢)
١٦٢٨٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير في قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، قال: إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتلَ.
١٦٢٩٠-... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، الآية، نزلت الرخصة بعدُ، إن شئت فمنّ، وإن شئت ففاد.
١٦٢٩١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، يعني: الذين أسروا ببدر.
١٦٢٩٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى)، من عدوه = (حتى يثخن في الأرض)، أي:
(١) في المطبوعة حذف " أربعة آلاف "، الثانية، كأنها لم تعجبه، غفر الله له! !.
(٢) الأثر: ١٦٢٨٨ - " حبيب بن أبي عمرة "، القصاب، أو: اللحام، " أبو عبد الله الحماني "، ثقة قليل الحديث سلف برقم: ١٠٢٢٤.
يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض = (تريدون عرض الدنيا)، أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال = (والله يريد الآخرة)، بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة. (١)
١٦٢٩٣- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم، (٢) لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم! وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا. قال: فقال له العباس: قُطِعتْ رَحِمُك! قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عُمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوبَ رجال حتى تكون أشد من الحجارة! وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)، الآية [سورة المائدة: ١١٨].
(١) الأثر: ١٦٢٩٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٧١. وفي لفظ سيرة ابن هشام بعض الاختلاف، وأشك في قوله هناك: " أي: قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره، والذي تدرك به الآخرة ".
(٢) كان في المطبوعة: " واستأن بهم "، وهو نص الخبر في مسند أحمد وغيره، من " الأناة ". يقال: " استأنى بالشيء "، ترفق به، وأخره وانتظر به، وتربص به. ونقل صاحب أساس البلاغة: " واستأنيت فلانًا ": لم أعجله، وأنشد لابن مقبل:
وَقَوْمٌ بأَيدِيهِمْ رِمَاحُ رُدَينَةٍشَوَارِعَ تَسْتأني دَمًا أو تسَلَّفُ
قال: " تنظره أو تتعجله ".
ورواية " واستأنهم " هذه هي الثابتة في تاريخ أبي جعفر، في رواية هذا الخبر.
ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [سورة نوح: ٢٦]، ومثلك كمثل موسى قال: (١) (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ) [سورة يونس: ٨٨]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عالة، (٢) فلا ينفلتّنَ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتُني في يوم أخوفَ أن تقع عليَّ الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. قال: فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى آخر الثلاث الآيات. (٣)
١٦٢٩٤- حدثنا ابن بشار قال، [حدثنا عمر بن يونس اليمامي] قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثنا أبو زميل قال، حدثني عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبو بكر وعمر وعلي؟ قال: ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيبٍ لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهويَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت. (٤) قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أيّ شيء تبكي أنتَ وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرَض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرِض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة! لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، إلى قوله: (حلالا طيبا)، وأحلّ الله الغنيمة لهم. (٥)
* * *
(١) في المطبوعة: " ومثلك يا بن أبي رواحة كمثل موسى "، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة، وهو اجتراء قبيح بلا علم، فإن الحديث ليس فيه هذه الزيادة، والقول فيه موجه إلى عمر، ولم يذكر فيه عن ابن رواحة مثل، كما في جميع المراجع، بل في بعضها: " وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ". فهذه زيادة لا تحل لأحد.
وإنما ترك رسول الله ﷺ ضرب مثل لعبد الله بن رواحة، والله أعلم، لما في مشورته من النكال الشديد، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه وتعالى، وأعاذنا من عذاب جهنم بفضله ورحمته ومنه على كل عاص من عباده.
(٢) " العالة ": الفقراء ذوي الفاقة، جمع " عائل ". و " عال الرجل "، احتاج وافتقر.
(٣) الأثر: ١٦٢٩٣ - إسناده منقطع، لأن "أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود"، لم يسمع من أبيه.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من هذه الطريق نفسها رقم: ٣٦٣٢ - ٣٦٣٤،
ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٢١، ٢٢، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: " صحيح، سمعه جرير بن عبد الحميد ".
ورواه الطبري في تاريخه ٢: ٢٥٩، بلفظه وإسناده.
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٨٦، ٨٧، وفصل الكلام فيه، وقال: " رواه أحمد... ورواه الطبراني، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات ".
ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٨.
وأما قوله: " إلا سهيل بن بيضاء "، فهو خطأ من بعض الرواة، وإنما هو " سهل بن بيضاء " أخو " سهيل " لأبيه وأمه، قال ابن سعد: " أسلم بمكة وكتم إسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدرًا مع المشركين، فأسر يومئذ. فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلى عنه. والذي روى القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود، ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ مسلمًا، لا شك فيه. فخلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل "، ابن سعد ٤ ١ ١٥٦.
(٤) هذا الخبر عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه، كما سترى في التخريج.
(٥) الأثر: ١٦٢٩٤ - " أبو زميل "، هو " سماك بن الوليد الحنفي "، سلف أخيرًا برقم: ١٥٧٣٤، ١٦٠٠، وسائر رجال الإسناد قد مضوا جميعًا.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " حدثنا ابن بشار قال حدثنا عكرمة بن عمار "، وهو إسناد مختل، والظاهر أن الناسخ كتب " ابن بشار " في آخر الصفحة، كما هو في مخطوطتنا، ثم لما انتقل إلى أول الصفحة التالية كتب: " حدثنا عكرمة بن عمار "، فأسقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين، واستظهرته من رواية صدر هذا الخبر نفسه في الترمذي، في كتاب التفسير، حيث رواه مختصرًا، قال: " حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عمر بن يونس اليمامي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ".
وقد مضى مختصرًا كما في الترمذي، برقم: ١٥٧٣٤، وقد بينت تخريج الخبر هناك.
وهذا الخبر مطولا رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٠٨، ٢٢١، من طريق أبي نوح قراد، عن عكرمة بن عمار.
ورواه مسلم في صحيحه مطولا ١٢: ٨٤ - ٨٧، من طريق هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن عكرمة، ثم من طريق زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفي (اليمامي)، عن عكرمة.
ورواه أبو جعفر في التاريخ ٢: ٢٩٤، مطولا، من طريق أحمد بن منصور، عن عاصم بن علي، عن عكرمة.
ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٩.
وهو حديث صحيح، لا يعرف إلا من طريق عكرمة بن عمار، كما سلف.
وخرجه ابن كثير في تفسير ٤٥: ١٨، ١٩.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس، رضي الله عنه، قال : استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال :" إن الله قد أمكنكم منهم " فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال :" يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس ". فقام عمر فقال : يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، فقال : يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال : فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال : وأنزل الله، عز وجل :﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية(١)
وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ :" ما تقولون في هؤلاء(٢) الأسارى ؟ " قال : فقال أبو بكر : يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم. قال : وقال عمر : يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. قال : وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله، أنت في واد كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه. [ قال : فقال العباس : قطعت رحمك ](٣) قال : فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس : يأخذ بقول عمر. وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال :" إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، عليه السلام، قال :﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، عليه السلام، قال :﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام، قال :﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام، قال :﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق ". قال ابن مسعود : قلت : يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ :" إلا سهيل بن بيضاء " فأنزل الله تعالى :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى آخر الآية.
رواه الإمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٤) وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ نحوه(٥) وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.
وروى ابن مردويه أيضا - واللفظ له - والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى : حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال : لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال : وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :" إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " فقال له عمر : فآتهم ؟ قال :" نعم " فأتى عمر الأنصار فقال لهم : أرسلوا العباس فقالوا : لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله ﷺ رضى ؟ قالوا : فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه. فأخذه عمر فلما صار في يده قال له : يا عباس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال : فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر : عشيرتك. فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال : اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾(٦) الآية.
قال الحاكم : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٧)
وقال سفيان الثوري، عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، رضي الله عنه، قال : جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال : خَيِّر أصحابك في الأسارى : إن شاءوا الفداء، وإن شاؤوا القتل على أن يقتل منهم مقبلا مثلهم. قالوا : الفداء ويقتل منا.
رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري، به(٨) وهذا حديث غريب جدا.
وقال ابن عون [ عن محمد بن سيرين ](٩) عن عبيدة، عن علي قال : قال رسول الله ﷺ في أسارى يوم بدر :" إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهم ". قال : فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة، رضي الله عنه(١٠)
ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلا(١١) فالله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال : غنائم بدر، قبل أن يحلها لهم، يقول : لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال الأعمش : سبق منه ألا يعذب أحدا شهد بدرا. وروى نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء.
وقال شعبة، عن أبي هاشم(١٢) عن مجاهد :﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي : لهم بالمغفرة ونحوه عن سفيان الثوري، رحمه الله.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يعني : في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال الله تعالى :﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الآية. وكذا روى العوفي، عن ابن عباس. وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة والأعمش أيضا : أن المراد ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأمة بإحلال الغنائم وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله.
ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة " (١٣)
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا " (١٤)
ولهذا قال الله تعالى :﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.
وقد روى الإمام أبو داود في سننه : حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة(١٥)
وقد استقر الحكم في الأسرى(١٦) عند جمهور العلماء : أن الإمام مخير فيهم : إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.
١ المسند (٣/٢٤٣)..
٢ في أ: "هذه"..
٣ زيادة من د، ك، م، والمسند والطبري.
.

٤ المسند (١/٣٨٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٨٤) والمستدرك (٣/٢١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه"..
٥ ذكرهما السيوطي في الدر المنثور (٤/١٠٤، ١٠٧)..
٦ في ك: "تكون"..
٧ المستدرك (٢/٣٢٩) وقال الذهبي: "على شرط مسلم"..
٨ سنن الترمذي برقم (١٥٦٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٦٦٢) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث الثوري لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة"..
٩ زيادة من المستدرك ودلائل النبوة..
١٠ رواه الحاكم في المستدرك (٢/١٤٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٣/١٣٩) من طريق إبراهيم بن عرعرة قال: أخبرنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد عن عبيدة، عن علي به، وقال ابن عرعرة: "رددت هذا على أزهر فأبى إلا أن يقول: عبيدة عن علي" وصححه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين"..
١١ رواه الطبري في تفسيره (١٤/٦٧) من طريق ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة به مرسلا..
١٢ في د: "هشام"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١).
.

١٤ رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٨٥) من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة، عن الأعمش به نحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش"..
١٥ سنن أبي داود برقم (٢٦٩١)..
١٦ في د، ك، أ: "الأسارى"
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رَفْعٌ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (١)
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمْكَنَكُمْ مِنْهُمْ" فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمْكَنَكُمْ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا هُمْ إِخْوَانُكُمْ بِالْأَمْسِ". فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلنَّاسِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَأَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ. قَالَ: فَذَهَبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْغَمِّ، فَعَفَا عَنْهُمْ، وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الْآيَةَ (٢)
وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ (٣) الْأُسَارَى؟ " قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَتِبْهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْرَجُوكَ، وَكَذَّبُوكَ، فَقَدِّمْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْحَطَبِ، فَأَضْرِمِ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَارًا، ثُمَّ أَلْقِهِمْ فِيهِ. [قَالَ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ] (٤) قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ. وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌرَحِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٦]، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٨]، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ موسى
(١) المستدرك (٢/٢٣٩).
(٢) المسند (٣/٢٤٣).
(٣) في أ: "هذه".
(٤) زيادة من د، ك، م، والمسند والطبري.
عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ: ٨٨]، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦]، أَنْتُمْ عَالَةٌ فَلَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إلا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (١) وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ (٢) وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا -وَاللَّفْظُ لَهُ -وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا أُسِرَ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، أُسِرَ الْعَبَّاسُ فِيمَنْ أُسِرَ، أَسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: وَقَدْ أَوْعَدَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنْ يَقْتُلُوهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَمْ أَنَمِ اللَّيْلَةَ مِنْ أَجْلِ عَمِّي الْعَبَّاسِ، وَقَدْ زَعَمَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ قَاتِلُوهُ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِهِمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَأَتَى عُمَرُ الْأَنْصَارَ فَقَالَ لَهُمْ: أَرْسِلُوا الْعَبَّاسَ فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نُرْسِلُهُ. فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: فَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِضًى؟ قَالُوا: فَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِضًى فَخُذْهُ. فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَلَمَّا صَارَ فِي يَدِهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبَّاسُ، أَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ تُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ إِسْلَامُكَ، قَالَ: فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ. فَأَرْسِلْهُمْ، فَاسْتَشَارَ عُمَرَ، فَقَالَ: اقْتُلْهُمْ، فَفَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ (٣) الْآيَةَ.
قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٤)
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ -هُوَ ابْنُ حَسَّانَ -عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: خَيِّر أَصْحَابَكَ فِي الْأُسَارَى: إِنْ شَاءُوا الْفِدَاءَ، وإن شاؤوا الْقَتْلَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ مُقْبِلًا مِثْلَهُمْ. قَالُوا: الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، به (٥) وهذا حديث غريب
(١) المسند (١/٣٨٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠٨٤) والمستدرك (٣/٢١) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه".
(٢) ذكرهما السيوطي في الدر المنثور (٤/١٠٤، ١٠٧).
(٣) في ك: "تكون".
(٤) المستدرك (٢/٣٢٩) وقال الذهبي: "على شرط مسلم".
(٥) سنن الترمذي برقم (١٥٦٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٦٦٢) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث الثوري لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي زائدة".
جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ] (١) عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في أُسَارَى يَوْمِ بَدْرٍ: "إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ، وَاسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ". قَالَ: فَكَانَ آخِرُ السَّبْعِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٢)
وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا (٣) فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَ: غَنَائِمُ بَدْرٍ، قَبْلَ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُمْ، يَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي لَا أُعَذِّبُ مَنْ عَصَانِي حَتَّى أَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَا رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: سَبَقَ مِنْهُ أَلَّا يُعَذِّبَ أَحَدًا شَهِدَ بَدْرًا. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ (٤) عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَيْ: لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يَعْنِي: فِي أُمِّ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَغَانِمَ وَالْأُسَارَى حَلَالٌ لَكُمْ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ مِنَ الْأُسَارَى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الْآيَةَ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَالْأَعْمَشِ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِإِحْلَالِ الْغَنَائِمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيُسْتَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (٥)
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لم تحل
(١) زيادة من المستدرك ودلائل النبوة.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٢/١٤٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٣/١٣٩) من طريق إبراهيم بن عرعرة قال: أخبرنا أزهر، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ، عن علي به، وقال ابن عرعرة: "رددت هذا على أزهر فأبى إلا أن يقول: عبيدة عن علي" وصححه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين".
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٤/٦٧) من طريق ابن علية عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عبيدة به مرسلا.
(٤) في د: "هشام".
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١).
الغنائم لسود الرؤوس غَيْرِنَا" (١)
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذُوا مِنَ الْأُسَارَى الْفِدَاءَ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِدَاءَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعَمِائَةٍ (٢)
وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي الْأَسْرَى (٣) عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ: إِنْ شَاءَ قَتَلَ -كَمَا فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ -وَإِنْ شَاءَ فَادَى بِمَالٍ -كَمَا فَعَلَ بِأَسْرَى بَدْرٍ -أَوْ بِمَنْ أُسِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ -كَمَا فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْجَارِيَةِ وَابْنَتِهَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا فِي سَبْيِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُمَا وَأَخَذَ فِي مُقَابَلَتِهِمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ مَنْ أَسَرَ. هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ آخَرُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ مُقَرَّرٌ في موضعه من كتب الفقه.
(١) رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٨٥) من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة، عن الأعمش بِهِ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غريب من حديث الأعمش".
(٢) سنن أبي داود برقم (٢٦٩١).
(٣) في د، ك، أ: "الأسارى"

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٦٧ -٦٩ ْ } ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ﴾
هذه معاتبة من اللّه لرسوله وللمؤمنين يوم ﴿بدر ْ﴾ إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، . وكان رأي : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم.
فقال تعالى :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ْ﴾ أي : ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور اللّه ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد اللّه، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم، . فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا..
فإذا أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم.
يقول تعالى :﴿تُرِيدُونَ ْ﴾ بأخذكم الفداء وإبقائهم ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا ْ﴾ أي : لا لمصلحة تعود إلى دينكم.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ْ﴾ بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ْ﴾ أي : كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٦٧ -٦٩} ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم ﴿بدر﴾ إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء،. وكان رأي: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم.
فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم،. فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا.
فإذا أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم.
يقول تعالى: ﴿تُرِيدُونَ﴾ بأخذكم الفداء وإبقائهم ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض.
﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ به القضاء والقدر، أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم - أيها الأمة - العذاب ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفي الحديث: ﴿لو نزل -[٣٢٧]- عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلا عمر﴾
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جميع أموركم ولازموها، شكرا لنعم الله عليكم،. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب،. ويغفر لمن لم يشرك به شيئا جميع المعاصي.
﴿رَحِيمٌ﴾ بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالا طيبا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يُثْخِنَ
يُبَالِغَ فِي الْقَتْلِ.

إعراب الآية ٦٧ من سورة الأنفال

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الأنفال (٨) : آية ٦٧]

ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وتكون على تأنيث الجماعة أسرى أسارى وأسارى. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي المغانم والفداء، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يريد لكم ثواب الآخرة لأنه خير لكم.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٦٨]

لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)
فيه خمسة أجوبة: فمن أحسنها أنّ المعنى لولا كتاب من الله نزل وهو القرآن فآمنتم به فاستحققتم العفو والصفح لعذّبكم، وقيل: المعنى لولا كتاب من الله نزل وهو القرآن فآمنتم به فاستحققتم العفو والصفح لعذّبكم، وقيل: المعنى لولا أنّ الله جلّ وعزّ كتب أنه سيحل لكم المغانم لعذّبكم، والجواب الخامس أن المعنى لولا أنّ الله جلّ وعز كتب أنه يغفر لأهل بدر ما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر لعذّبكم. ومعنى لَوْلا في اللغة امتناع شيء لوقوع شيء. وكِتابٌ مرفوع بالابتداء وسَبَقَ في موضع النعت له ولا يكون خبرا لأنه لا يجوز أن يؤتى بخبر لما ارتفع بعد لولا بالابتداء. هذا قول سيبويه والتقدير لولا كتاب من الله سبق تدارككم لَمَسَّكُمْ والأصل فيها فعل ثم أدغمت ويجوز الإظهار كما قال: [البسيط] ١٧٦-
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقيأنّى أجود لأقوام وإن ضننوا «١»
فِيما أَخَذْتُمْ أدغمت الذال في التاء لأن المهموس أخفّ ويجوز الإظهار هنا.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٦٩]

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ في الفاء معنى الشرط والمجازاة، وقال سيبويه «٢» فالكلم اسم وفعل وحرف، والتقدير في الآية قد أحللت لكم الفداء فكلوا ممّا غنمتم، حَلالًا طَيِّباً منصوب على الحال.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٠]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى خاطب النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم قال لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ
(١) الشاهد لقعنب بن أم صاحب في الخصائص ١/ ١٦٠، والكتاب ١/ ٥٨، وسمط اللآلي ٥٧٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣١٨، ولسان العرب (ظلل) و (ضنن)، والمنصف ١/ ٣٣٩، ونوادر أبي زيد ٤٤، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ١٥٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٤١، وشرح المفصل ٣/ ١٢، ولسان العرب (حمم)، والمقتضب ١/ ١٤٢، والمنصف ٢/ ٦٩. [.....]
(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٦٧ من سورة الأنفال

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [٦٧].
قال مجاهد: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي فيوافق رأيه ما يجيء من السماء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استشار في أسَارَى بدر، فقال المسلمون: يا رسول الله بنو عمك افدهم. فقال عمر لا يا رسول الله اقتلهم. قال فنزلت هذه الاية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
وقال ابن عمر: استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأسارى أبا بكر، فقال: قومك وعشيرتك، خلِّ سبيلهم. واستشار عمر فقال: اقتلهم. فَفَادَاهمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأَنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ قال: فلقي النبي صلى الله عليه وسلم عمر، فقالَ: كاد أن يصيبنا في خِلاَفِكَ بلاء.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحِيرِي، قال: أخبرنا حاجب بن أحمد، قال: حدَّثنا محمد بن حماد، قال: حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله، قال:
لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟
فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واسْتَأْنِ بهم، لعل الله عزّ وجلّ [أن] يتوب عليهم.
وقال عمر: كذّبوك وأخرجوك، فقدِّمهم فاضرب أعناقهم.
وقال عبد الله بن رَوَاحَة: يا رسول الله انظر وادياً كثيرَ الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً. فقال العباس: قطعت رحمك.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله، ثم خرج عليهم فقال:
إن الله عز وجل لَيُلِينُ قلوبَ رجال فيه حتى تكون ألينَ من اللَّبَن، وإن الله عز وجل لَيُشَدِّدُ قلوبَ رجال فيه حتى تكون أشدَّ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وإن مثلك يا ابا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عَالة، أنتم اليوم عَالة، فلاَ ينْقَلِبَنَّ منهم أحدٌ إلا بفداء أو ضرب عنق. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث.
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أبو نُوح قُرَاد، قال: حدَّثنا عَكْرِمة بن عمار، قال: حدَّثنا سِمَاكٌ الحنَفيِ أبو زُمَيْل، قال: حدَّثني ابن عباس، قال: حدَّثني عمر بن الخطاب، قال:
لما كان يوم بدر والتقوا، فهزم الله المشركين وقُتِلَ منهم سبعون رجلاً وأسر [منهم] سبعون رجلاً - استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً، فقال أبة بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفِدْية، فيكونَ ما أخذنا منهم قُوّةَ لنا على الكفار، وعسى الله أن يَهْدِيَهُمْ [للإسلام]، فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عَقِيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله عز وجل أنه ليس في قلوبنا هَوَادَة للمشركين، هؤلاء صَنَادِيدهُم وأئمتهم وقادتهم. فَهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت [لبكائكما]. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عَرَضَ عليّ أصحابُكَ مِن الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
رواه مسلم في الصحيح عن هَنّاد بن السَّرِيّ، عن ابن مبارك، عن عكرمة ابن عمار.

القراءات في الآية ٦٧ من سورة الأنفال

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَسْرَى

(أُسَارَى) بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ألف، وعدم الإمالة

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(أَسْرَى) بفتح الهمزة وإسكان السين وبعدها راء مع إمالة الألف

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(أَسْرَى) بفتح الهمزة وإسكان السين وبعدها راء مع تقليل الألف

ورش عن نافع

(أَسْرَى) بفتح الهمزة وإسكان السين وبعدها راء مع فتح الألف

قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

أَن يَكُونَ

(أَن تكُونَ) بالتاء

السوسي عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(أَن يَكُونَ) بالياء وإدغام النون فيها بغنة

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف خلاد عن حمزة إدريس عن خلف قالون عن نافع ورش عن نافع حفص عن عاصم البزي عن ابن كثير شعبة عن عاصم قنبل عن ابن كثير ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(أَن يَكُونَ) بالياء وإدغام النون فيها بلا غنة

خلف عن حمزة

لِنَبِىٍّ أَن

(لِنَبِىٍّ أَن) بياء مشددة منونة بالكسر بعد الباء مع السكت على الساكن قبل الهمزة

خلف عن حمزة

(لِنَبِىٍّ أَن) بياء مشددة منونة بالكسر بعد الباء مع عدم السكت أو النقل

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم خلاد عن حمزة حفص عن عاصم خلف عن حمزة

(لِنَبِىءٍ أَن) بياء ساكنة تمد 3 حركات بعد الباء وبعدها همزة منونة بالكسر دون نقل أو سكت

قالون عن نافع

(لِنَبِىءٍ أَن) بياء ساكنة تمد 6 حركات بعد الباء وبعدها همزة منونة بالكسر مع نقل حركة الهمزة بعدها إلى الساكن

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٦٧ من سورة الأنفال

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بنزول الآية

٧ أقوال
١
عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: أسَرَ المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلُوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: «اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، فتقووا به على عدوكم، وإن قَبِلْتُمُوه قُتِل منكم سبعون، أو تقتلوهم». فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، وقُتِلَ منهم سبعون. قال عبيدة: وطلبوا الخيرتين كلتيهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٢١٩، ١١‏/‏٢٧٩.
٢
عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: كان فداءُ أسارى بدر مائةَ أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، ومن الدنانير ستة دنانير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٩.
٣
عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ في الأُسارى يومَ بدر: «إن شئتُم قتَلتُموهم، وإن شئتُم فادَيْتُم واسْتَمتَعتُم بالفداء، واسْتُشْهِد منكم بعِدَّتِهم». فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، استُشْهِد باليمامة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏١٥١ (٢٦١٩)، وابن مردويه -كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٢‏/‏٣٨-. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه». وقال ابن كثير في تفسيره ٤‏/‏٩٠: «ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا». قلنا: وسيأتي قريبًا. وقال: «رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به، وهذا حديث غريب جدًّا».
٤
عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا اسْتَشار النبي ﷺ الناسَ في أُسارى بدر، قال رسول الله ﷺ: «مَلَكان مِن الملائكة أحدُهما أحْلى مِن الشَّهْد، والآخرُ أمَرُّ مِن الصَّبِر، ونَبِيّان مِن الأنبياء أحدُهما أحلى على قومِه من الشَّهْد، والآخرُ أمَرُّ على قومه من الصَّبِر؛ فأمّا النَّبِيان فنوحٌ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾، وأما الآخر فإبراهيمُ إذ قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾؛ وأما المَلَكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحبُ الشِّدَّة، وهذا صاحبُ اللِّين، ومَثَلُهما في أُمَّتي أبو بكرٍ وعمر»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن بشران في أماليه ١‏/‏١٦٨-١٦٩ (٣٨٥)، ١‏/‏٣٧٠-٣٧١ (٨٥٠)، من طريق الحسن بن سلام، ثنا عبد الرحمن بن حفص، ثنا زياد البكائي، ثنا عثمان بن عبد الرحمن [أو عمر بن عبد الرحمن]، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر به. إسناده ضعيف جدًا إن كان عبدالرحمن بن حفص هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني، فقد قال عنه ابن حجر في التقريب (٣٩٢٢): «متروك».
٥
عن عبد الله بن عباس: أنّ النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «ألا أُخْبِرُكما بمَثَلِكما في الملائكة ومَثَلِكما في الأنبياء؟ مَثَلُك يا أبا بكر في الملائكة مَثَلُ ميكائيل، ينزل بالرحمة، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ إبراهيم، قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾. ومَثَلُك يا عمر في الملائكة مَثَلُ جبريل، ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومَثَلُك في الأنبياء مَثَلُ نوح، قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢‏/‏٦١٧-٦١٨ (١٤٢٤)، وابن عدي في الكامل ٤‏/‏١٠٦ (٦٨٠) في ترجمة رباح بن أبي معروف. قال أبو نعيم في حلية الأولياء ٤‏/‏٣٠٤: «غريب من حديث سعيد بن جبير، تفرّد به رباح عن ابن عجلان». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٢‏/‏٧٧٥ (١٤٨٠): «ورباح تركه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، لا يتابع على هذا الحديث».
٦
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- قال: فُضِّل عمر على الناس بأربعٍ: بذِكْرِه الأُسارى يومَ بدر، فأمَرَ بقَتْلِهم، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾، وبذِكْرِه الحجاب، أمَرَ نساءَ النبي ﷺ، فقالت زينب: وإنَّك لَتَغارُ علينا والوَحْيُ ينزِلُ في بيوتنا. فأنزل الله: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب:٥٣]، ودعوةِ نبي الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، أّيِّدِ الإسلامَ بعُمَر». ورأيِه في أبي بكر، كان أولَ الناس بايَعه١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٧‏/‏٣٧٢ (٤٣٦٢). قال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٦٧ (١٤٤٣٠): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وفيه أبو نهشل، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».
٧
عن عَبِيدَة السَّلْمانِيّ -من طريق ابن سيرين- قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ يومَ بدر، فقال: إن ربَّك يُخبِرُك: إن شئتَ أن تقتُلَ هؤلاء الأُسارى، وإن شئتَ أن تُفادِيَ بهم ويُقْتَلَ مِن أصحابِك مثلُهم. فاستشارَ أصحابَه، فقالوا: نُفادِيهم، فنَتَقَوّى بهم، ويُكْرِمُ الله بالشهادة مَن يشاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٥‏/‏٢٠٩ (٩٤٠٢).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٢٤١) أنه على هذه الرواية فالتخيير من عند الله، وهو إعلام بغيب، ثم استدرك قائلًا: «وإذا خُيِّرُوا فكيف يقع التوبيخ بعدُ بقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾». ثم رَجَّح (٤/٢٤١-٢٤٢بتصرف) أنّ العَتَبَ لم يكن للنبيِّ، وإنما كان لأصحابه على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبةً في أخذ المال منهم، وأنّ التخيير وقع لَمّا سِيق الأسرى إلى المدينة، وأنفذ رسول الله ﷺ القتلَ في النّضر وعقبة، والمنَّ في أبي عزّة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم، فاستشار ﷺ حينئذ، فاستمر عمر رضي الله عنه على أولِ رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومالَ رسول الله ﷺ إلى رأي أبي بكر، وأن كلا الرأيين كان اجتهادًا بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب. وانتقد القول بأن الآية نزلت بسبب المشورة والآراء مستندًا إلى الدلالات العقلية، وذلك أن التخيير لا يستلزم العتب، ثم ذكر الدافع للمفسرين للقول بهذا القول، فقال: «ووجْه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول، فوقع العتْب، ولم يكن تخييرًا في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله ﷺ ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل».

تفسير

١٣ قولًا
١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- يقول في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، يعني: الذين أُسِرُوا ببدر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٢.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ مِن قبلك يا محمد ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٢٥-١٢٦.
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ من عدوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٣.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾، يقول: حتى يَظْهَرَ على الأرض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق الأعمش- في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾، قال: إذا أسرتموهم فلا تُفادُوهم؛ حتى تُثْخِنُوا فيهم القتل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٢ بنحوه.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق حبيب بن أبي عمرة- قال: الإثْخانُ هو القتل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٢‏/‏٤٢٠، وابن جرير ١١‏/‏٢٧٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى يُثْخِنَ﴾ عدوُّه ﴿فِي الأَرْضِ﴾ ويَظْهَرَ عليهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٢٥-١٢٦.
٨
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿حتى يثخن في الأرض﴾، أي: يُثْخِنَ عدُوَّه، حتى ينفيهم من الأرض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٣.
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم- في قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، يعني: الخَراج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٣.
١٠
عن الحسن البصري -من طريق القاسم- قال: لو لم يكُن لنا ذُنُوبٌ نخافُ على أنفسِنا منها إلا حُبُّنا للدنيا لخَشِينا على أنفسِنا، إنّ الله يقول: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾. أرِيدوا ما أرادَ الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، قال: أراد أصحاب محمد ﷺ يومَ بدر الفِداء، ففادَوهم بأربعةِ آلاف أربعةِ آلاف، ولَعَمْرَي ما كان أثخنَ رسول الله ﷺ يومئذ، وكان أولَ قتال قاتله المشركين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال، ﴿والله يريد الآخرة﴾ بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٣.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يعني: المال، وهو الفِداء من المشركين، نزلت بعد قتال بدر، ﴿واللَّهُ يُرِيدُ﴾ لكم ﴿الآخِرَةَ﴾، ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يعني: منيع في ملكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره. وذلك أن الغنائم لم تَحِلَّ لأحدٍ من الأنبياء ولا المؤمنين قبلَ محمد ﷺ، وأخبر اللهُ الأممَ: إنِّي أحللت الغنائمَ للمجاهدين من أمة محمد ﷺ، وكان المؤمنون إذا أصابوا الغنائم جمعوها ثم أحرقوها بالنيران، وقتلوا الناس، والأسارى، والدواب، وهذا في الأمم الخالية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٢٥-١٢٦.

النسخ في الآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾، قال: ذلك يومَ بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كَثُروا واشتدَّ سلطانُهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأُسارى: ﴿فإما منا وإما فداء﴾ [محمد:٤]. فجعل الله النبي والمؤمنين في أمرِ الأُسارى بالخيار؛ إن شاءوا قتَلوهم، وإن شاءوا استعبَدوهم، وإن شاءوا فادَوهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧١-٢٧٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٢، والنحاس في ناسخه ص٤٧٢، والبيهقي ٦‏/‏٣٢٣-٣٢٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق خَصِيف- في قوله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى حتى يُثْخنَ في الأرضِ﴾، قال: نزَلت الرخصة بعدُ؛ إن شئتَ فمُنَّ، وإن شئتَ ففادِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن سعيد بن جبير: أنّ النبي ﷺ لم يَقْتُل يومَ بدر صَبْرًا إلا ثلاثةً: عقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وطُعْمةَ بن عَدِي، وكان النضرُ أسَره المِقْداد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٤‏/‏٣٧٢.

قراءات

قول واحد
١
عن أنس، أن النبي ﷺ قرأ: ‹أن تَكُونَ لَهُ أسْرى›١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٦١ (٢٩٤٢). قال الحاكم: «صحيح». و‹أن تَكُونَ لَهُ› بالتاء قراءة متواترة، قرأ بها أبو عمرو، ويعقوب، وقرأ بقيّة العشرة ﴿أّن يَّكُونَ لَهُ﴾ بالياء. انظر: النشر ٢‏/‏٢٧٧، والإتحاف ص٣٠٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٢٤٠) أن هذه القراءة على التأنيث مراعاة للفظ الأسرى.

نزول الآية

١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق ابنه أبي عبيدة- قال: لما كان يومُ بدر جِيءَ بالأُسارى، وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ: «ما تَرَوْن في هؤلاء الأُسارى؟». فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كَذَّبوك وأخرَجوك وقاتَلوك، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعناقَهم. وقال عبد الله بن رَواحَة: يا رسول الله، انظُرْ واديًا كثير الحطب فأضْرِمْه عليهم نارًا. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قَطَعْتَ رحِمَك. فدخل النبي ﷺ ولم يَرُدَّ عليهم شيئًا، فقال أناس: يأخُذ بقول أبي بكر. وقال أناس: يأخذ بقول عمر. وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رَواحَة. فخرج رسول الله ﷺ، فقال: «إنّ الله ليُلَيِّنُ قلوبَ رجال حتى تكون ألينَ مِن اللبن، وإنّ الله ليُشَدِّدُ قلوبَ رجال فيه حتى تكونَ أشدَّ مِن الحجارة، مَثَلُك يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم:٣٦]، ومَثَلُك يا أبا بكر كمَثَلِ عيسى عليه السلام، قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة:١١٨]، ومَثَلُك يا عمر كمَثَلِ نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح:٢٦]، ومَثَلُك يا عمر كمَثَلِ موسى عليه السلام إذ قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس:٨٨]، أنتم عالةٌ فلا يَنفَلِتَنَّ منهم أحدٌ إلا بفِداءٍ أو ضرْبةِ عُنُقٍ». فقال عبد الله: يا رسول الله، إلّا سهيلَ ابن بَيْضاء، فإني سمِعتُه يذكُرُ الإسلام. فسكَت رسول الله ﷺ، فما رأيتُني في يومٍ أخوفَ مِن أن تقعَ عليَّ الحجارةُ من السماء في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: إلا سهيلَ ابن بَيْضاء. فأنزل الله تعالى: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى حتّى يُثْخِنَ في الأرضِ﴾ إلى آخر الآيتين١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٦‏/‏١٣٨-١٤٠ (٣٦٣٢)، ٦‏/‏١٤٢ (٣٦٣٤)، والترمذي ٥‏/‏٣١٧-٣١٨ (٣٣٣٨) مختصرًا، والحاكم ٣‏/‏٢٤ (٤٣٠٤)، وابن جرير ١١‏/‏٢٧٣-٢٧٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣١-١٧٣٢ (٩١٥١). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٣٧١. قال الترمذي: «هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٢٠٨: «هذا حديث غريب من حديث أبي عبيدة، لم يروه عنه إلا عمرو بن مرة». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٨٧ (١٠٠٠٨-١٠٠١٠): «رواه أحمد... ورواه أبو يعلى بنحوه، ورواه الطبراني أيضًا، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات». وقال الألباني في الإرواء ٥‏/‏٤٨: «منقطع، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه».
٢
عن أبي أيوب الأنصاري: [أنّ رسول الله ﷺ] أخَذَ قبضةً من التراب، فرمى بها في وجوه القوم؛ فانهزَمُوا، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. فقَتَلْنا وأسَرْنا، فقال عمر: يا رسول الله، ما أرى أن يكون لك أسْرى، فإنّما نحن داعُون مُؤَلِّفُون. فقلنا معشرَ الأنصار: إنما يَحمِلُ عمرَ على ما قال حسدٌ لنا. فنام رسول الله ﷺ، ثم استَيقَظ، ثم قال: «ادعُوا لي عمر». فدُعِيَ له، فقال له: «إن الله قد أنزَلَ عليَّ: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾» الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٤‏/‏١٧٤-١٧٥ (٤٠٥٦). قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٧٤ (٩٩٥٠): «وإسناده حسن». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١٠٢٠: «وأما ما رواه الطبراني في الكبير... فلا يثبت إسناده، وإن حَسَّنَه الهيثميُّ؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، هذا إن سَلِم من شيخ الطبراني بكر بن سهل؛ فقد ضَعَّفَه النسائي». وقد تقدم بتمامه مع تخريجه في نزول قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ الآية.
٣
عن أبي هريرة، في هذه الآية، قال: استشارَ رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال: يا رسول الله، قد أعطاك الله الظَّفَرَ، ونصَرك عليهم، فَفادِهمْ، فيكونَ عونًا لأصحابِك. واستشارَ عمر، فقال: يا رسول الله، اضرِبْ أعناقَهم. فقال رسول الله ﷺ: «رحِمكُما الله، ما أشبهَكُما باثنين مَضَيا قبلَكما؛ نوح وإبراهيم؛ أما نوحٌ فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح:٢٦]، وأما إبراهيم فإنه يقول: ربِّ ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم:٣٦]» وفادى بهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: استشارَ النبي ﷺ أبا بكر وعمرَ في أُسارى بدر، فقال أبو بكر: يا رسول الله، اسْتَبْقِ قومَك، وخُذِ الفداءَ. وقال عمر: يا رسول الله، اقتُلْهم. فقال رسول الله ﷺ: «لو اجْتَمَعْتُما ما عَصَيْتُكما». فأنزل الله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي زُمَيْل- قال: لَمّا أسروا الأسارى -يعني: يوم بدر- قال رسول الله ﷺ: «أين أبو بكر، وعمر، وعلي؟». قال: «ما ترون في الأسارى؟». فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العَمِّ والعَشِيرة، وأرى أن تأخذ منهم فِدْيَة تكون لنا قُوَّةً على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا ابن الخَطّاب؟». فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله، ولكن أرى أن تُمَكِّنَنا منهم، فتُمَكِّنَ عليًّا من عَقِيلٍ فيضرب عنقه، وتُمَكِّن حمزةَ من العباسِ فيضربَ عنقه، وتمكنني من فلان -نَسِيبٍ لعمر- فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت. قال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ: «أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُك من أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولقد عُرِضَ عَلَيَّ عذابُكم أدْنى من هذه الشجرة» -شجرة قريبة من رسول الله ﷺ-، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿حلالا طيبا﴾، وأحلَّ الله الغنيمة لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٣٨٥ (١٧٦٣) مطولًا، وابن جرير ١١‏/‏٢٧٥-٢٧٦.
٦
عن عبد الله بن عمر: أنّ النبي ﷺ لَمّا أسَر الأسرى يوم بدر استشار أبا بكرٍ، فقال: قومُك وعترتك -أو وعشيرتُك- فخلِّ سبيلَهم. فاستشارَ عمر، فقال: اقتُلْهم. ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى﴾ الآية. فلَقِي رسول الله ﷺ عمر، فقال: «كاد أن يُصيبَنا في خلافِك شرٌ –أو بلاء-»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ١‏/‏٤٣، والحاكم ٢‏/‏٣٥٩ (٣٢٧٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه».
٧
عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا أُسِر الأُسارى يوم بدر أُسِر العباس فيمَن أُسِر؛ أسَرَه رجلٌ مِن الأنصار، وقد وعَدَتْه الأنصار أن يقتلوه، فبلَغ ذلك النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «لَمْ أنَمِ الليلةَ مِن أجلِ عَمِّي العباس، وقد زَعَمتِ الأنصارُ أنهم قاتِلوه». فقال له عمر: فآتِيهم؟ قال: «نعم». فأتى عمرُ الأنصار، فقال لهم: أرْسِلوا العباس. فقالوا: لا واللهِ، لا نُرْسِلُه. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رِضًا. قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رِضًا فخُذْه. فأخَذه عمر، فلما صارَ في يدِه قال له: يا عباس، أسلِمْ، فواللهِ، لَأَن تُسْلِمَ أحبُّ إلَيَّ مِن أن يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاك إلا لِما رأيتُ رسول الله ﷺ يُعْجبُه إسلامُك. قال: فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: عَشِيرتُكَ، فأرسِلْهم. فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿ما كان لنبيٍّ أن تكونَ له أسرى﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٥٩ (٣٢٧٠) مختصرًا دون قصة العباس، وابن مردويه واللفظ له -كما في تفسير ابن كثير ٤‏/‏٨٩-. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الذهبي: «صحيح على شرط مسلم».
٨
عن أنس، قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأُسارى يوم بدر، فقال: إنّ اللهَ قد أمْكَنَكم منهم. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأَعْرَضَ عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناس، إنّ الله قد أمكَنَكم منهم، وإنما هم إخوانُكم بالأمس». فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد فقال للناس مثلَ ذلك، فقام أبو بكر الصديق، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفِداء. فعفا عنهم، وقَبِل منهم الفِداء، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢١‏/‏١٨٠-١٨١ (١٣٥٥٥). قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٨٧ (١٠٠١٢): «رواه أحمد عن شيخه علي بن عاصم بن صهيب، وهو كثير الغلط والخطأ، لا يرجع إذا قيل له الصواب، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح». وقال الألباني في الإرواء عن سند أحمد ٥‏/‏٤٧: «وعليٌّ هذا ضعيف لكثرة خطئه وإصراره عليه إذا بين له الصواب».
٩
قال مجاهد بن جبر – من طريق حبيب -: كان عمر بن الخطاب يرى الرأي فيوافق رأيه ما يجيء من السماء، وإن رسول الله ﷺ استشار في أسارى «بدر»، فقال المسلمون: بنو عمك افدهم، قال عمر: لا يا رسول الله اقتلهم، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٨‏/‏٦٠-٦١ (٣٣٩٣٦)، وعلقه الواحدي في أسباب النزول ص٤٠١.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: كان النبي ﷺ قد استشار أصحابَه في أسارى بدر، فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: اقتُلْهم؛ فإنهم رءوس الكفر، وأئمة الضلال. وقال أبو بكر: لا تقتلهم؛ فقد شَفى الله الصدورَ، وقَتَل المشركين، وهَزَمَهم، فآدِهِم أنفسَهم، ولْيَكُن ما نأخذ منهم في قوة المسلمين، وعونًا على حرب المشركين، وعسى الله أن يجعلهم أعوانًا لأهل الإسلام فيسلموا. فأُعْجِب النبي ﷺ بقول أبي بكر الصديق، وكان النبي ﷺ رحيمًا، وأبو بكر أيضًا رحيمًا، وكان عمر ماضِيًا، فأخذ النبي ﷺ بقول أبي بكر، ففاداهم، فأنزل الله عز وجل توفيقًا لقول عمر: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. فقال النبي ﷺ لعمر: «احمد الله؛ إنَّ ربَّك واتاك١ على قولك». فقال عمر: الحمد لله الذي واتاني على قولي في أُسارى بدر. وقال النبي ﷺ: «لو نَزَل عذابٌ من السماء ما نجا مِنّا أحدٌ إلا عمر بن الخطاب، إنه نهاني فَأَبَيْتُ»٢
التخريج
  1. ١واتاك: وافقك. لسان العرب (أتى).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٢٨-١٣٠.
التفسير بالمأثور لسورة الأنفال كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦٧ من سورة الأنفال

٩ وقفات في هذه الآية

  • لن تخشى ربك بحق إلا إذا علمت عظمته(إنما يخشى الله من عباده العلماء)ولن تزهد في الدنيا إلا بمعرفة اﻵخرة(تريدون عرض الدنيا والله يريد اﻵخرة).

    — سعود الشريم

  • اجعل من إخلاصك لله ومتابعة نبيه ﷺ صخرة تتهاوى أمامها حظوظك من الدنيا والناس،فما عندهم ينفد وما عند الله باق(تريدون عرض الدنيا والله يريد اﻵخرة)

    — سعود الشريم

  • إنما نشطوا لباطلهم وفترنا عن حقنا ﻷنهم قوم استعملوا دنياهم لخدمة دينهم، واستعملنا ديننا لخدمة دنيانا!!. )تريدون عرض الدنيا والله يريد اﻵخرة) .

    — سعود الشريم

  • تدبر الأية 67 للشيخ عبد الرحمن المحمود

    — عبدالرحمن المحمود

  • ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ عند كل عمل تنوي أن تتقرب به إلى الله تذكر هذه الآية وعالج إخلاصك ونيتك. قال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك.

    — مجالس التدبر

  • في هذه الآية وما بعدها عتاب شديد للنبي صلى الله عليه وسلم والذين معه؛ وشدة العتاب على قدر قوة المحبة!

    — محمد القحطاني

  • اجعل من إخلاصك لله ومتابعة نبيه ﷺ صخرة تتهاوى أمامها حظوظك من الدنيا والناس،فما عندهم ينفد وما عند الله باق (تريدون عرض الدنيا والله يريد اﻵخرة)

    — سعود الشريم

  • قوله تعالى: (ترِيدونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يرِيدُ الآخِرةَ وَاللهُ عَزِيز حكِيمٌ) . " والله يريد الآخرة " أي ثوابها، وإلَّا فهو كما يريد الآخرة، يريد الدنيا وإلَّا فما وُجدتْ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 256

    — سعد الشثري

الناسخ والمنسوخ في الآية ٦٧ من سورة الأنفال

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسْرَى حتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
قال ابن عباس: هو منسوخٌ بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّاً بعدُ وإمَّا فداءً﴾ [محمد: ٤]: وذلك أن هذا نزل والمسلمونَ قليلٌ، فَمُنِعَ النبي من الخيار في الأسرى، فلما كثر المسلمون وتقوَّوا، أَنزل الله؛: ﴿فإمَّا مَنَّاً بعدُ وإِمّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]فَخُيِّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأسرى، فإن شاء قَتَلَ وإن شاء عفا وإن شاء استعبد، وإن شاء فادى.
والذي يوجبه النظر وعليه جماعةٌ من العلماء: أن الآيةَ غيرُ منسوخة لأنه خبر والخبرُ لا ينسخ. والمعنى:
إن الله - جلّ ذكره - أَعلَم نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس لنبيٍّ أن يكون له أسرى ويترك القتلَ حتى يتمكَّن في فتح الأرض، فقد بيَّن في الآية أنه إنما مُنِعَ من ذلك إذا لم يُثْخِن في الأرض، فدلَّ الخطابُ أنه مباح إذا أثخَن في الأرض أن يكون له أسرى وأن يترك القتل، فلما أثخنَ في الأرض وفتح الله له وتقوَّى الإِسلامُ ترك القتلَ، وكان له أسرى على ما فهم من الآية، ونزل: ﴿فَإِمَّا مَنَّاً بعدُ وإما فِداءً﴾ تأكيداً وبياناً لآية الأنفال.
فالآيتان في معنى واحد، وقد بيَّن الله ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا لقيتم الذين كَفَرُوا فَضربَ الرِّقاب حتى إذا أثخنتموهم فَشُدُّوا الوَثاق فإما منَّاً بعد وإما فداءً﴾ [محمد: ٤]، فأَمرَ اللهُ بضربِ رقاب المشركين فإذا كَثُرَ ذلك فيهموفشى - وهو الإِثخان - جاز ترك قتلهم، وأن يشدّ وثاقهم، ثم يفادي بينهم أو يمُنّ عليهم، وهو معنى آية الأنفال.

ترجمات معاني الآية ٦٧ من سورة الأنفال

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(67) It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,[457] but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
[457]- i.e., material benefit, such as the ransom paid for prisoners.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال