الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿ما كان لنبيء أن يكون له أسرى﴾ إلى قوله :﴿غفور رحيم﴾[ ٦٧-٦٩ ].
المعنى : ما كان لنبي أن يحبس كافرا(١) قدر عليه للفدية والمن(٢).
و " الأسر " : الحبس(٣).
قوله :﴿حتى يثخن في الارض﴾[ ٦٧ ].
أي : حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم(٤).
وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، أن قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم(٥).
وقوله :﴿تريدون عرض الدنيا﴾[ ٦٧ ].
هذا للمؤمنين الذين رغبوا(٦) في أخذ المال في الفداء(٧).
﴿والله يريد الآخرة﴾[ ٦٧ ]، أي : يريد لكم زينة الآخرة وخيرها(٨).
قال ابن عباس : كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسرى :﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾(٩)، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أساراهم(١٠).
وقال مجاهد : " الإثخان " : القتل(١١).
وقال ابن مسعود : لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله ﷺ : ما تقولون في هؤلاء الأسارى ؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه، قومك وأهلك، فاستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
وروي عنه أنه قال : يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام(١٢).
وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعناقهم.
وروي عنه أنه قال : لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها(١٣).
وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم. فقال له العباس : قطعتك(١٤) رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فقال ناس : نأخذ(١٥) برأي أبي بكر. وقال ناس : نأخذ برأي عمر.
وقال ناس : نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال : " إن الله ليلين قلوب رجال [ حتى تكون ألين(١٦) من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام(١٧) قال :﴿فمن تبعني [ فإنه ](١٨) مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾(١٩)، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال :﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾(٢٠)، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال :﴿رب(٢١) لا تذر على الارض من الكافرين ديارا﴾(٢٢)، ومثلك يا عبد الله(٢٣) كمثل موسى، قال :﴿ربنا اطمس على أموالهم/واشدد على قلوبهم﴾(٢٤)، ثم قال رسول الله ﷺ : " أنتم اليوم عالة، فلا يقتلن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق " (٢٥).
قال قتادة : فَادَوْهُم(٢٦) بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي ﷺ لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين(٢٧).
قال مالك : الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم(٢٨) أسارى المسلمين(٢٩)، قال : وأمثل(٣٠) ذلك عندنا أن يقتل(٣١) من خيف منه(٣٢).
وقال جماعة من العلماء : الإمام مخير، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي، وغيره )(٣٣).
من قتل أسيرا قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبيا أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره(٣٤).
وقال الأوزاعي والثوري : لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدما وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه(٣٥).
١ في الأصل: كافر، وهو خطأ ناسخ. وفيه: الفدية وهو تحريف، وصوابه في "ر"، وجامع البيان الذي نقل عنه مكي. واحتبسه بمعنى حبسه المختار / حبس..
٢ جامع البيان ١٤/٥٨، وفيه، بعد جملة: قدر عليه، "وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمن"..
٣ جامع البيان ١٤/٥٨، باختصار..
٤ جامع البيان ١٤/٥٩، باختصار.
قال الزجاج في معاني القرآن ٢/٤٢٥،: "... معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه، ويجوز أن يكون حتى يتمكن في الأرض. والإثخان في كل شيء: قوة الشيء وشدته، يقال: قد أثخنته"، وتمامه في زاد المسير: ٣/٣٨٠: "... يقال: قد أثخنته المرض: إذا اشتدت قوته عليه".
وفي الكشاف ٢/٢٢٣، "ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات، إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة. وأثخنه المرض: إذا أثقله، من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة"..

٥ جامع البيان ١٤/٥٨، بتصرف..
٦ رغب فيه: أراده، وبابه: طرب. و: رغبه أيضا. وارتغب فيه مثله. ورغب عنه: لم يرده، المختار / رغب..
٧ انظر: جامع البيان ١٤/٥٩..
٨ المصدر نفسه، باختصار..
٩ محمد: آية ٤، والآية بتمامها: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾..
١٠ صحيفة علي بن أبي طلحة ٢٥٦، وجامع البيان ١٤/٥٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧٣٢، وتفسير البغوي ٣/٣٧٦، والدر المنثور ٤/١٠٨، وتمام الأثر فيها: "... إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم"..
١١ جامع البيان ١٤/٦٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧٣٢، وزاد نسبته إلى سعيد بن جبير، والدر المنثور ٤/١٠٩، وفتح القدير ٢/٣٧٣..
١٢ جزء من أثر مروي عن ابن عباس، كما في جامع البيان ١٤/٦٣..
١٣ جزء من أثر مروي عن ابن عباس، كما في جامع البيان ١٤/٦٣..
١٤ كذا في المخطوطتين، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧٣١.
وفي جامع البيان ١٤/٦١، والدر المنثور ٤/١٠٥، وفتح القدير ٢/٣٧٢: "قُطعت رحمك"..

١٥ كذا في المخطوطتين. وفي مصادر التوثيق، ص٦٦٨، هامش ٣: يأخذ، وهو الأنسب للسياق..
١٦ تكملة لازمة من مصادر التوثيق..
١٧ في "ر": صلى الله عليه وسلم..
١٨ زيادة من "ر"..
١٩ إبراهيم: آية ٣٨..
٢٠ المائدة: آية ١٢٠..
٢١ نوح: آية ٢٨..
٢٢ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
٢٣ كذا في المخطوطتين. وفي مصادر التوثيق أسفله، هامش ٣: "ومثلك يا عمر مثل موسى"، عدا جامع البيان، ففيه: "ومثلك مثل موسى"، يقصد عمر رض الله عنه.
قال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه لجامع البيان ١٤/٦٢: "في المطبوعة: ومثلك يا ابن رواحة كمثل موسى"، زاد من عنده [يقصد الناشر] ما ليس في المخطوطة، وهو اجتراء قبيح بلا علم، فإن الحديث ليس فيه هذه الزيادة، والقول فيه موجه إلى عمر، ولم يذكر فيه عن ابن رواحة مثل، كما في جميع المراجع".
والأمر كما قال، رحمه الله، ولكن تبين لك الآن أن الزيادة المنتقدة زيادة قديمة، وليست من ناشر مخطوطة جامع البيان، ولعلها من النساخ..

٢٤ يونس: آية ٨٨..
٢٥ جامع البيان ١٤/٦١، وانظر: في تخريج الشيخ شاكر، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧٣١، وتفسير ابن كثير ٢/٣٢٥، وفيه: "رواه الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، والدر المنثور ٤/١٠٥، وفتح القدير ٢/٣٧٢، بزيادة واختصار في بعض ألفاظه..
٢٦ في "ر": فافدوهم، انظر: اللسان/فدى..
٢٧ في جامع البيان ١٤/٦٠: "... عن قتادة قوله: ﴿ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا﴾، الآية، قال: أراد أصحاب نبي الله ﷺ يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. ولعمري ما كان أثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ، وكان أول قتال قاتله المشركين". وهو في الدر المنثور ٤/١٠٩، وفتح القدير ٢/٣٧٣، من غير قوله: "... ولعمري.... المشركين"..
٢٨ في الأصل: لهم وهو تحريف وفي "ر": هم، وهو تحريف أيضا. وأثبت ما يعضده السياق..
٢٩ انظر الكافي ٢٠٨، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد ٢/٥٦١-٥٦٣، ومقدماته ٣٩٢، وبداية المجتهد ٦/١٠، ودلائل الأحكام لابن شداد ٤/١٧٦، وتفسير القرطبي ١٦/١٥١، والقوانين الفقهية ١٧٠..
٣٠ في "ر": قال: ما مثل ذلك عندي، وهو تحريف..
٣١ في الأصل: أن يعيد. ويأباه السياق..
٣٢ لم أقف عليه فيما لدي من مصادر. انظر: النوادر والزيادات ٣/٧٠-٧٤: قتل الأسارى واسترقاقهم..
٣٣ انظر: أحكام القرآن ١/١٨٥، و: ٢/٣٨، ودلائل الأحكام لابن شداد ٤/١٧٦، والفقه الإسلامي وأدلته ٦/٤٧٣..
٣٤ انظر: في حكم الأسارى النوادر والزيادات ٣/٧٠-٧٤، والإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢/٩٣٢، ٩٣٣، والكافي ٢٠٨، ٢٠٩، وبداية المجتهد ٦/٥-١٠..
٣٥ انظر: المصادر نفسها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى