فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ومعنى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍ﴾ ما صح له وما استقام، وقرأ أبو عمرو، وسهيل ويعقوب، ويزيد، والمفضل، ﴿أن تكون﴾ بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، وقرأ أيضاً يزيد والمفضل «أسارى » وقرأ الباقون ﴿أسرى﴾ والأسرى جمع أسير، مثل قتلى وقتيل، وجرحى وجريح، ويقال في جمع أسير أيضاً أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد، لأنهم كانوا يشدّون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشدّ بالقدّ أسيراً، قال الأعشى :
وقيدني الشعر في بيتهكما قيدت الأسرات الحمارا
وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً. والإثخان : كثرة القتل والمبالغة فيه ؛ تقول العرب : أثخن فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه. فالمعنى : ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك. وقيل معنى الإثخان : التمكن، وقيل : هو القوّة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم، وفدائهم ؛ ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال :﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله. قوله :﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحياة ﴿الدنيا﴾ أي : نفعها ومتاعها بما قبضتم من الفداء، وسمي عرضاً لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي : يريد لكم الدار الآخرة بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل. وقرئ «يريد الآخرة » بالجر على تقدير مضاف وهو المذكور قبله، أي والله يريد عرض الآخرة ﴿والله عَزِيزٌ﴾ لا يغالب ﴿حَكِيمٌ﴾ في كل أفعاله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، عن أنس قال : استشار النبيّ ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال :«إن الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ ﷺ. ثم عاد رسول الله ﷺ فقال :«يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم ؛ وإنما هم إخوانكم بالأمس»، فقام عمر فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ ﷺ ثم عاد فقال مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال : يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله ﴿لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ :«ما تريدون في هؤلاء الأسارى ؟» فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً، فقال العباس وهو يسمع : قطعت رحمك، فدخل النبي ﷺ عليهم ولم يردّ عليهم شيئاً، فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس : يأخذ بقول عمر، وقال قوم : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ فقال :«إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال :﴿ومن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال :﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾، ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال :﴿رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾، ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال :﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ أنتم عالة فلا ينفلتنّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق»، فقال عبد الله : يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ :«إلا سهيل بن بيضاء»، فأنزل الله :﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عليّ قال : قال النبي ﷺ في الأسارى يوم بدر :" إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدّتهم "، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس اسشهد باليمامة وأخرج عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة عن عبيدة نحوه. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال : لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسره، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :«إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه»، فقال له عمر : فآتيهم ؟ قال «نعم»، فأتى عمر الأنصار فقال : أرسلوا العباس، فقالوا : لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله ﷺ رضا، قالوا : فإن كان لرسول الله ﷺ رضا فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له : يا عباس أسلم، فوالله إن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال : فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر فقال أبو بكر : عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال : اقتلهم، ففاداهم رسول الله، فأنزل الله، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ يقول حتى يظهروا على الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد، قال : الإثخان هو : القتل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، أيضاً في الآية قال : ثم نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمنّ، وإن شئت ففاد. وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ قال : أراد أصحاب محمد ﷺ يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ قال : الخراج. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ﴾ قال : سبق لهم المغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال : ما سبق لأهل بدر من السعادة. وأخرج النسائي، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال : سبق أن لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدّم إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى