غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أن تكون﴾ بالتاء الفوقانية : أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿أسارى﴾ يزيد والمفضل. الآخرون ﴿أسرى﴾ من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو حمزة. والباقون : بفتحها.
الوقوف :﴿في الأرض﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿الآخرة﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عظيم﴾ ه ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿منهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿حتى يهاجروا﴾ ج ﴿ميثاق﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿كبير﴾ ه ﴿حقا﴾ ط ﴿كريم﴾ ه ﴿منكم﴾ ط ﴿في كتاب الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله﴾ إن يظهر معلومه أن ﴿في قلوبكم خيراً﴾ وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته ﴿يؤتكم﴾ في الدنيا ﴿خيراً مما أخذ منكم﴾ من المنافع العاجلة ﴿ويغفر لكم﴾ في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب. ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله ﷺ قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة. وقال ابن عباس : نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث. وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشر الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس. كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال ﷺ : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا. قال العباس : وكلمت رسول الله ﷺ أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال : أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا. قال : وكلفني الرسول ﷺ فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث. فقال العباس : تركتني يا محمد أتكفف قريشاً : فقال رسول الله عليه وسلم : فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل. فقال العباس : وما يدريك ؟ قال : أخبرني به ربي. قال العباس : فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس : فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ما كان لنبي﴾ الروح ﴿أن يكون له أسرى﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله ﷺ قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿والله يريد الآخرة﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿عذاب عظيم﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿حلالاً طيباً﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. ﴿واتقوا الله﴾ عما سواه ﴿إن الله غفور﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿رحيم﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿يؤتكم خيراً﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿فأمكن منهم﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿والله عليم﴾ بأحوالهم ﴿حكيم﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. ﴿والذين آووا﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ونصروا﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿والذين آمنوا﴾ بأن الطلب حق ﴿ولم يهاجروا﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. ﴿وإن استنصروكم﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿فعليكم النصر﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿إلا على قوم﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿فأولئك منكم﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى