غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أن تكون﴾ بالتاء الفوقانية : أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿أسارى﴾ يزيد والمفضل. الآخرون ﴿أسرى﴾ من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو حمزة. والباقون : بفتحها.
الوقوف :﴿في الأرض﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿الآخرة﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عظيم﴾ ه ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿منهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿حتى يهاجروا﴾ ج ﴿ميثاق﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿كبير﴾ ه ﴿حقا﴾ ط ﴿كريم﴾ ه ﴿منكم﴾ ط ﴿في كتاب الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
واعلم أن رسول الله ﷺ إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال ﴿إن الذين آمنوا﴾ ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ﴿وهاجروا﴾ فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين
﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ [الحديد: ١٠] وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله تعالى الأنصار بعدهم فقال ﴿والذين آووا ونصروا﴾ أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث ؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم : السلطان ولي من لا ولي له. وقال سبحانه ﴿ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم﴾ [يونس: ٦٢] فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً. قال المفسرون : لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف ﴿وإن استنصروكم﴾ عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر. وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله تعالى حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا
على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ما كان لنبي﴾ الروح ﴿أن يكون له أسرى﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله ﷺ قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿والله يريد الآخرة﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿عذاب عظيم﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿حلالاً طيباً﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. ﴿واتقوا الله﴾ عما سواه ﴿إن الله غفور﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿رحيم﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿يؤتكم خيراً﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿فأمكن منهم﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿والله عليم﴾ بأحوالهم ﴿حكيم﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. ﴿والذين آووا﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ونصروا﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿والذين آمنوا﴾ بأن الطلب حق ﴿ولم يهاجروا﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. ﴿وإن استنصروكم﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿فعليكم النصر﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿إلا على قوم﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿فأولئك منكم﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى