محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧٢ من سورة الأنفال في ١٢١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧٢ من سورة الأنفال

١٢١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آوَواْ وّنَصَرُوَاْ أُوْلََئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مّن وَلاَيَتِهِم مّن شَيْءٍ حَتّىَ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ إِلاّ عَلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله. وَهاجَرُوا يعني : هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم، يعني : تركوهم وخرجوا عنهم، وهجرهم قومُهم وعشيرتهم. وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ يقول : بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصابها في حرب أعداء الله من الكفار في سبيل الله، يقول في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه. وَالّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا يقول : والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه يعني أنهم جعلوا لهم مأوى يأوون إليه، وهو المثوى والمسكن، يقول : أسكنوهم وجعلوا لهم من منازلهم مساكن، إذ أخرجهم قومهم من منازلهم ونَصَرُوا يقول : ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين. أُولئكَ بعضُهمْ أوْلياءُ بَعْضٍ يقول : هاتان الفرقتان، يعني المهاجرين والأنصار، بعضهم أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار. وقد قيل : إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض، وأن الله ورّث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة دون القرابة والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعد بقوله : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آووْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ يعني في الميراث. جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله : وَالّذِينَ آمَنُوا وَلمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا يقول : ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك، حتى أنزل الله هذه الآية : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يقول : لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك وَالّذِينَ آووْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ. . . إلى قوله : حتى يُهاجِرُوا وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاث منازل. منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، وآوَوْا وَنَصَرُوا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاريّ بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله : ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا وكان حقّا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبيّ ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذين لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبا مفروضا بقوله : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وبقوله : وَالمُؤمِنُونَ والمُؤمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الثلاث الآيات خواتيم الأنفال فيهنّ ذكر ما كان من ولاية رسول الله ﷺ بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرها : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا. . . إلى قوله : بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قال : بلغنا أنها كانت في الميراث لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا والمؤمنون الذين لم يهاجروا، قال : ثم نزل بعد : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فتوارثوا ولم يهاجروا. قال ابن جريج، قال مجاهد : خواتيم الأنفال الثلاث الاَيات فيهنّ ذكر ما كان والي رسول الله ﷺ بين المهاجرين المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرها : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آووْا وَنَصَرُوا. . . إلى قوله : ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا قال : لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا، فنسخ ذلك بعد ذلك قول الله : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلاّ أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا أي من أهل الشرك. فأجيزت الوصية، ولا ميراث لهم، وصارت المواريث بالملل، والمسلمون يرث بعضهم بعضا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرث أهل ملتين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن، قالا : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ. . . إلى قوله : ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجر، فنسخها فقال : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آووْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ فِي الميراث، وَالّذِينَ آمَنُوا وَلمْ يُهاجِرُوا وهؤلاء الأعراب، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ في الميراث، وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ يقول بأنهم مسلمون، فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ إلاّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ في الميراث، وَالّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ الذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله، ثم نسختها الفرائض والمواريث، فتوارث الأعراب والمهاجرون.
القول في تأويل قوله تعالى : وَالّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ إلاّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
يعني بقوله تعالى ذكره : والّذِينَ آمَنُوا الذين صدقوا بالله ورسوله، ولَمْ يُهاجِرُوا قومهم الكفار، ولم يفارقوا دار الكفر إلى دار الإسلام. ما لَكُمْ أيها المؤمنون بالله ورسوله المهاجرون قومهم المشركين وأرضَ الحرب، مِنْ وَلايَتِهِمْ يعني : من نصرتهم وميراثهم. وقد ذكرت قول بعض من قال : معنى الولاية ههنا الميراث، وسأذكر إن شاء الله من حضرني ذكره بعد. مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا قومهم ودورهم من دار الحرب إلى دار الإسلام. وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ يقول : إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا في الدين، يعني بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، فعليكم أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار النصر، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق، يعني عهد قد وثق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه. وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول : والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضا أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر، ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم. بَصِيرٌ يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حتى يُهاجِرُوا قال : كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وآخى النبيّ ﷺ بينهم، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر لا يرث أخاه، فنسخ ذلك قوله : وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ.
حدثنا محمد، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري : أن النبيّ ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال :«تُقيمُ الصّلاةَ، وتُؤْتي الزّكَاةَ، وتَحجّ البَيْتَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وأنّكَ لا ترى نَارَ مُشْرِكٍ إلاّ وأنْتَ حَرْبٌ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ يعني : إن استنصركم الأعراب المسلمون أيها المهاجرون والأنصار على عدوّهم فعليكم أن تنصروهم. إلاّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ترك النبيّ ﷺ الناس يوم توفي على أربع منازل : مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي مؤمن لم يهاجر إن استنصره النبيّ ﷺ نصره وإن تركه فهو إذن له وإن استنصر النبيّ ﷺ في الدين كان حقّا عليه أن ينصره، فذلك قوله : وَإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم)، يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله = "وهاجروا"، يعني: هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم، يعني: تركوهم وخرجوا عنهم، وهجرهم قومهم وعشيرتهم (١) = (وجاهدوا في سبيل الله)، يقول: بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصَابها في حرب أعداء الله من الكفار (٢) = (في سبيل الله)، يقول: في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه (٣) = (والذين آووا ونصروا)، يقول: والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه، يعني: أنهم جعلوا لهم مأوًى يأوون إليه، وهو المثوى والمسكن، يقول: أسكنوهم، وجعلوا لهم من منازلهم مساكنَ إذ أخرجهم قومهم من منازلهم (٤) = (ونصروا)، يقول: ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين = (أولئك بعضهم أولياء بعض)، يقول: هاتان الفرقتان، يعني المهاجرين والأنصار، بعضهم أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من
(١) انظر تفسير " المهاجرة " فيما سلف ٤: ٣١٧، ٣١٨ ٧: ٤٩٠ ٩: ١٠٠، ١٢٢.
(٢) انظر تفسير " المجاهدة " فيما سلف ٤: ٣١٨ ١٠: ٢٩٢، ٤٢٣.
(٣) انظر تفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٤) انظر تفسير " آوى "، و " المأوى " فيما سلف ١٣: ٤٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار. (١)
* * *
وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض، وأن الله ورَّث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة، دون القرابة والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعدُ بقوله: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)، [سورة الأنفال: ٧٥ وسورة الأحزاب: ٦].
* ذكر من قال ذلك:
١٦٣٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) [سورة الأنفال: ٧٥ وسورة الأحزاب: ٦]، في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام.
١٦٣٣٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك = (والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)، إلى قوله: (حتى يهاجروا). وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى
(١) انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).
قوم مؤمنين في ديارهم وعَقارهم وأموالهم = و (آووا ونصروا)، (١) وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذّب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين. وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرَّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا). وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدوِّ الذين لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحقْ كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا. فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [سورة الأنفال: ٧٥]، وبقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [سورة التوبة: ٧١].
١٦٣٣٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الثلاث الآيات خواتيم الأنفال، فيهن ذكر ما كان والىَ رسول الله ﷺ بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث. ثم نسخ ذلك آخرها: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
١٦٣٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا)، إلى قوله: (بما تعملون بصير)، قال: بلغنا أنها كانت في الميراث، لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا، والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزل بعد: (وَأُولُو
(١) في المطبوعة: " وفي قوله: آووا ونصروا ". زاد ما ليس في المطبوعة.
الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فتوارثوا ولم يهاجروا = قال ابن جريج، قال مجاهد: خواتيم "الأنفال" الثلاث الآيات، فيهن ذكر ما كان واليَ رسول الله ﷺ بين المهاجرين المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرها: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).
١٦٣٣٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا)، إلى قوله: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، قال: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئًا، فنسخ ذلك بعد ذلك، فألحق الله (١) (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)، [سورة الأحزاب: ٦]، أي: من أهل الشرك، فأجيزت الوصية، (٢) ولا ميراث لهم، وصارت المواريث بالملل، والمسلمون يرث بعضهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرث أهل ملتين.
١٦٣٣٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله)، إلى قوله: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، كان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر، فنسخها فقال: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
١٦٣٣٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
(١) في المطبوعة: " قول الله "، مكان " فألحق الله "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.
(٢) في المخطوطة: " حرت الوصية "، هكذا غير منقوط، وكأن الصواب ما في المطبوعة.
ولو قرئت: " خيرت الوصية " (بالبناء للمجهول)، لكان وجها.
حدثنا أسباط، عن السدي: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعهم أولياء بعض)، في الميراث = (والذين آمنوا ولم يهاجروا)، وهؤلاء الأعراب = (ما لكم من ولايتهم من شيء)، في الميراث = (وإن استنصروكم في الدين) يقول: بأنهم مسلمون = (فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، في الميراث = (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم)، ثم نسختها الفرائض والمواريث، = "وأولوا الأرحام". الذين توارثوا على الهجرة = (بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فتوارث الأعرابُ والمهاجرون. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: (والذين آمنوا). الذين صدقوا بالله ورسوله = (ولم يهاجروا). قومهم الكفار، ولم يفارقوا دارَ الكفر إلى دار الإسلام = (ما لكم)، أيها المؤمنون بالله ورسوله. المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحرب (٢) = (من ولايتهم)، يعني: من نصرتهم وميراثهم.
* * *
(١) كانت هذه الجملة في المطبوعة: " فأولئك منكم، والذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله، ثم نسختها الفرائض والمواريث، فتوارث الأعراب والمهاجرون " قدم وأخر فيما كان في المخطوطة، وهو: " فأولئك منكم، ثم نسختها الفرائض والمواريث " الذي توارثوا على الهجرة في كتاب الله، فتوارث الأعراب والمهاجرون. واستظهرت الصواب.
(٢) انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص ٧٧، تعليق: ، والمراجع هناك.
وقد ذكرت قول بعض من قال: "معنى الولاية، ههنا الميراث"، وسأذكر إن شاء الله من حضرني ذكره بعدُ.
* * *
= (من شيء حتى يهاجروا)، قومَهم ودورَهم من دار الحرب إلى دار الإسلام = (وإن استنصروكم في الدين)، يقول: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا = (في الدين)، يعني: بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، "فعليكم"، أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار، (النصر) = (إلا) أن يستنصروكم = (على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، يعني: عهد قد وثَّق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه (١) = (والله بما تعملون بصير)، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم = (بصير)، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء. (٢)
١٦٣٣٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وآخى النبي ﷺ بينهم، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة. وكان الرجل يسلم ولا يهاجر، لا يرث أخاه، فنسخ ذلك قوله: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) [سورة الأحزاب: ٦].
١٦٣٣٩- حدثنا محمد قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن النبي ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال:
(١) انظر تفسير " الميثاق " فيما سلف ١٣، ٣١٥، تعليق: والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة (بصر).
تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت حرب. (١)
١٦٣٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وإن استنصروكم في الدين)، يعني: إن استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار، على عدوهم، فعليكم أن تنصروهم، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.
١٦٣٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ترك النبي ﷺ الناسَ يوم تُوفي على أربع منازل: مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي مؤمن لم يهاجر; إن استنصره النبي ﷺ نصره، وإن تركه فهو إذْنُه، (٢) وإن استنصر النبي ﷺ في الدين كان حقًّا عليه أن ينصره، فذلك قوله: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) = والرابعة: التابعون بإحسان.
١٦٣٤٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا)، إلى آخر السورة، قال: إن رسول الله ﷺ توفي وترك الناس على أربع منازل (٣) مؤمن مهاجر. ومسلم أعرابي، والذين آووا ونصروا، والتابعون بإحسان.
* * *
(١) يعني بذلك: أن يبعد منزله عن منزل المشرك " حتى لا يرى ناره " نهى منه ﷺ عن جوار لمشرك.
(٢) في المطبوعة: " فهو إذن له " ثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: " قال رسول الله " وذلك أن كاتب المخطوطة وصل لام "قال" بألف "إن"، ووصل ألف "إن" بنونها.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين، خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاؤوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم : المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولى ببعض(١) أي : كل منهم أحق بالآخر من كل أحد ؛ ولهذا آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري، عن ابن عباس(٢) ورواه العَوْفي، وعلي بن أبي طلحة، عنه(٣) وقال(٤) مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغيرهم.
قال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جَرير - هو ابن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :" المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة " تفرد به أحمد(٥)
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا شيبان(٦) حدثنا عِكْرِمة - يعني ابن إبراهيم الأزدي - حدثنا عاصم، عن شَقِيق، عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" المهاجرون والأنصار، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ". هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود(٧)
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في(٨) كتابه، فقال :﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وقال :﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى :﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٨، ٩].
وأحسن ما قيل في قوله :﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي : لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا محمد بن مَعْمَر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة قال : خَيَّرني رسولُ الله ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة(٩)
ثم قال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقوله :﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ [ قرأ حمزة :" ولايتهم " بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدِّلالة والدَّلالة ] (١٠)﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خُمسها إلا ما حضروا فيه القتال، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا وَكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيْدة، عن أبيه : بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلمي، رضي الله عنه، قال : كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال :" اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو : خلال - فأيتهن ما أجابوك(١١) إليها فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم : ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب
المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم ".
انفرد به(١٢) مسلم، وعنده زيادات أخر(١٣)
وقوله :﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول تعالى : وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني، على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم ؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي : مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مروي عن ابن عباس، رضي الله عنه.
١ في د، ك، م، أ: "بعضهم أولياء بعض"..
٢ صحيح البخاري برقم (٦٧٤٧)..
٣ رواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٨)..
٤ في أ: "وقاله"..
٥ المسند (٤/٣٦٣)..
٦ في د: "سفيان"..
٧ مسند أبي يعلى (٨/٤٤٦) وفيه عكرمة بن إبراهيم، ضعيف.
.

٨ في د، أ: "من"..
٩ مسند البزار برقم (٢٧١٨) "كشف الأستار" وفيه علي بن زيد، ضعيف..
١٠ زيادة من د، م، أ..
١١ في أ: "ما أجابوا".
.

١٢ في أ: "انفرد بإخراجه"..
١٣ المسند (٥/٣٥٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٣١)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ قَالُوا: لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلَى قَوْمِنَا.
وَفَسَّرَهَا السُّدِّيّ عَلَى الْعُمُومِ، وَهُوَ أَشْمَلُ وَأَظْهَرُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾
ذَكَرَ تَعَالَى أَصْنَافَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَسَمَهُمْ إِلَى مُهَاجِرِينَ، خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وجاؤوا لِنَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وَبَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَإِلَى أَنْصَارٍ، وَهُمُ: الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذْ ذَاكَ، آوَوْا إِخْوَانَهُمُ الْمُهَاجِرِينَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَوَاسَوْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَنَصَرُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِالْقِتَالِ مَعَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ (١) أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِالْآخَرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ؛ وَلِهَذَا آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، كُلُّ اثْنَيْنِ أخَوَان، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إِرْثًا مُقَدَّمًا عَلَى الْقَرَابَةِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْمَوَارِيثِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) وَرَوَاهُ العَوْفي، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ (٣) وَقَالَ (٤) مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرير -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لِبَعْضٍ، وَالطُّلَقَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْعُتَقَاءُ مِنْ ثَقِيفٍ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ (٥)
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ (٦) حَدَّثَنَا عِكْرِمة -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيَّ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ شَقِيق، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَالطُّلَقَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْعُتَقَاءُ مِنْ ثَقِيفَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ". هَكَذَا رَوَاهُ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ الله بن مسعود (٧)
(١) في د، ك، م، أ: "بعضهم أولياء بعض".
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٧٤٧).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٨).
(٤) في أ: "وقاله".
(٥) المسند (٤/٣٦٣).
(٦) في د: "سفيان".
(٧) مسند أبي يعلى (٨/٤٤٦) وفيه عكرمة بن إبراهيم، ضعيف.
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ فِي (١) كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٠٠]، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الْآيَةَ. [التَّوْبَةِ: ١١٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الْآيَةَ [الْحَشْرِ: ٨، ٩].
وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيْ: لَا يَحْسُدُونَهُمْ عَلَى فَضْلِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ عَلَى هِجْرَتِهِمْ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَاتِ تَقْدِيمُ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: خَيَّرني رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ، فَاخْتَرْتُ الْهِجْرَةَ (٢)
ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ [قَرَأَ حَمْزَةُ: "وِلَايَتِهِمْ" بِالْكَسْرِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا وَاحِدٌ كالدِّلالة والدَّلالة] (٣) ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ هَذَا هُوَ الصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، بَلْ أَقَامُوا فِي بَوَاديهم، فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَغَانِمِ نَصِيبٌ، وَلَا فِي خُمسها إِلَّا مَا حَضَرُوا فِيهِ الْقِتَالَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَد، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ: بُرَيْدة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالْلَّهِ، إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ: خِلَالٍ -فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ (٤) إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كأعراب
(١) في د، أ: "من".
(٢) مسند البزار برقم (٢٧١٨) "كشف الأستار" وفيه علي بن زيد، ضعيف.
(٣) زيادة من د، م، أ.
(٤) في أ: "ما أجابوا".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٧٢ ْ } ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ْ﴾
هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها اللّه بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل اللّه، وتركوا أوطانهم للّه لأجل الجهاد في سبيل اللّه، وبين الأنصار الذين آووا رسول اللّه ﷺ وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ْ﴾ فإنهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال، فلما لم يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء. لكنهم ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ ْ﴾ أي : لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ْ﴾ والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم.
وقوله تعالى :﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ْ﴾ أي : عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ْ﴾ يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٧٢} ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله، وبين الأنصار الذين آووا رسول الله ﷺ وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فإنهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال، فلما لم يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء. لكنهم ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
آوَوْا
أَنْزَلُوا الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِهِمْ.

إعراب الآية ٧٢ من سورة الأنفال

من كتاب: إعراب القرآن

فيه ثلاثة أجوبة: يكون المعنى يا أيّها النبي قل لهم قولوا لمن في أيديكم من الأسرى، ويكون على أنّ المخاطبة له صلّى الله عليه وسلّم، مخاطبة لأمته كما قال جلّ وعزّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] ويكون على تحويل المخاطبة في إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فأمّا أن يكون على التعظيم فبعيد. إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً شرط وكسرت الميم لالتقاء الساكنين والجواب يُؤْتِكُمْ فلذلك حذفت منه الياء.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٧١]

وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ أي في نقض العهد لأنهم عاهدوه ألّا يحاربوه صلّى الله عليه وسلّم أي إن فعلوا هذا فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي خانوا أولياءه المؤمنين بديئا. وجمع خيانة خيائن وكان يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو إلّا أنهم فرّقوا بينه وبين جمع خائنة، ويقال: خائن وخون وخونة وخانة.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٢]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إنّ. وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا معطوف عليه. أُولئِكَ رفع بالابتداء بَعْضُهُمْ ابتداء ثان. أَوْلِياءُ بَعْضٍ «١» خبره والجميع خبر إنّ، وَالَّذِينَ آمَنُوا ابتداء، والخبر ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة من ولايتهم «٢». يقال: وليّ بيّن الولاية ووال بيّن الولاية. قال أبو جعفر: والفتح في هذا أبين وأحسن لأنه بمعنى النصر، وقال أبو إسحاق: ويجوز الكسر لأنه مشتمل فصار كالصناعة وكالخياطة. قال: ويجوز فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ بالنصب على الإغراء.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٣]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)
وقال الكسائي: يجوز النصب في قوله: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ «٣».

[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٤]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)
حَقًّا مصدر.
(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٧.
(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٨، وتيسير الداني ٩٦.
(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٧٢ من سورة الأنفال

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

مِّن وَلاَيَتِهِم

(مِنَ وَلاََيتِهِمْ) إدغام النون في الواو بغنة وبفتح الواو وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(مِن وَلاَيتِهِمُ) إدغام النون في الواو بغنة وبفتح الواو وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(مِن وِلاَيَتِهِمْ) إدغام النون في الواو بغنة وبكسر الواو وإسكان الميم

خلاد عن حمزة

(مِن وِلاَيَتِهِمْ) إدغام النون في الواو بلا غنة وبكسر الواو وإسكان الميم

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٧٢ من سورة الأنفال

١٢ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية إجمالًا، والنسخ فيها

١١ قولًا
١
عن زيد بن أسْلَم -من طريق القاسم-، أنّه قال: وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾، فكان الأعرابيُّ لا يرث المُهاجِرِيَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٧٣-٧٤ (١٦١).
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿وهاجَرُوا﴾ إلى المدينة ﴿وجاهَدُوا﴾ العدوَّ ﴿بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهؤلاء المهاجرون، ثم ذكر الأنصار، فقال: ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ النبيَّ ﷺ ﴿ونَصَرُوا﴾ النبيَّ ﷺ، ثم جمع المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث؛ لِيُرَغِّبَهم بذلك في الهجرة، فقال الزبير بن العوام ونفرٌ معه: كيف يَرِثُنا غيرُ أوليائنا وأولياؤنا على ديننا، فمن أجل أنهم لم يهاجروا لا ميراث بيننا، فقال الله بعد ذلك: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة ﴿ما لَكُمْ مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ في الميراث؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٣٠.
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ إلى قوله: ﴿وفساد كبير﴾، قال: كان المؤمنُ المهاجرُ والمؤمنُ الذي ليس بمهاجر لا يتوارثان، وإن كانا أخَوَيْن مؤمِنَيْن. قال: وذلك لأنّ هذا الدين كان بهذا البلد قليلًا حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام، وقال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح». وقرأ: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٦.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، قال: إنّ المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثِ منازل؛ منهم المؤمنُ المهاجر المُباينُ لقومِه في الهجرة، خرَج إلى قومٍ مؤمنين في ديارهم وعقارِهم وأموالِهم. وفي قوله: ﴿والذين ءاووا ونصروا﴾ قال: آوَوْا ونصَروا، وأعلَنوا ما أعلَن أهلُ الهجرة، وشَهَروا السيوف على مَن كذَّب وجحَد، فهذان مؤمنان، جعَل الله بعضَهم أولياء بعض. وفي قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ قال: كانوا يَتوارثون بينَهم إذا تُوفِّيَ المؤمنُ المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمَن ولم يهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجلِ أنه لم يُهاجرْ ولم يَنْصُرْ، فبَرَّأ الله المؤمنين المهاجرين مِن ميراثِهم، وهي الولاية التي قال الله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، وكان حقًّا على المؤمنين الذين آوَوْا ونصَروا إذا اسْتَنْصَروهم في الدين أن ينصُرُوهم إن قوتِلوا، إلا أن يَسْتَنْصِروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبي ﷺ ميثاقٌ، ولا نصرَ لهم عليهم إلا على العدوِّ الذي لا ميثاقَ لهم، ثم أنزَل الله تعالى بعدَ ذلك أن ألحِقْ كلَّ ذي رحمٍ برحِمِه مِن المؤمنين الذين آمنوا ولم يُهاجِروا، فجعَل لكلِّ إنسانٍ مِن المؤمنين نصيبًا مفروضًا، لقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٠-٢٩١ واللفظ له، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٨-١٧٤٠ (٩١٨٥-٩١٩٢) مفرقًا.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان رسول الله ﷺ آخى بين المسلمين مِن المهاجرين والأنصار، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة، وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه: تآخَوْا، وهذا أخي. يعني: علي بن أبي طالب. قال: فأقامَ المسلمون على ذلك حتى نزَلت سورة الأنفال، وكان مما شَدَّد الله به عَقْدَ نبيِّه ﷺ قول الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ إلى قوله: ﴿لهم مغفرة ورزق كريم﴾، فأَحْكَم الله تعالى بهذه الآيات العَقْدَ الذي عَقَدَ رسول الله ﷺ بين أصحابه مِن المهاجرين والأنصار، يَتوارثُ الذين تآخَوْا دونَ مَن كان مُقِيمًا بمكة مِن ذوي الأرحام والقَرابات، فمكَث الناسُ على ذلك العَقْدِ ما شاء الله، ثم أنزَل الله الآية الأخرى فنَسَخَت ما كان قبلَها، فقال: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام﴾ والقَرابات، ورجَع كلُّ رجلٍ إلى نَسَبِه ورَحِمِه، وانقطَعَت تلك الوِراثة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ يعني: في الميراث، جعل الله الميراثَ للمهاجرين والأنصار دون الأرحام، ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ ما لكم من ميراثِهم شيءٌ حتى يهاجِروا، ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يعني: إن استَنصَر الأعرابُ المسلمون المهاجرين والأنصارَ على عدوٍّ لهم فعليهم أن يَنصُروهم، ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ فكانوا يَعْمَلون على ذلك، حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، فنَسَخَت التي قبلها، وصارت المواريثُ لِذَوِي الأرحام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٩-١٧٤٠ (٩١٨٧) مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني- في قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾، قال: كان المهاجر لا يَتَولّى الأعرابيَّ ولا يَرِثُه وهو مؤمن، ولا يَرِثُ الأعرابيُّ المهاجرَ، فنسَخَها هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص٣٢١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٤٣. وعزاه السيوطي إلى أبي داود، وابن المنذر.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الثلاث الآيات خواتيم الأنفال فيهِنَّ ذِكْرُ ما كان من ولاية رسول الله ﷺ بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرُها: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩١.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾، قال: نزلت هذه الآية فتَوارَث المسلمون بالهجرة، فكان لا يَرِثُ الأعرابيُّ المسلمُ من المهاجرِ المسلمِ شيئًا، ثم نُسِخ ذلك بعدُ في سورة الأحزاب [٦]: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾، فخلَط اللهُ بعضَهم ببعض، وصارت المواريثُ بالمِلَلِ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٦٢، وابن جرير ١١‏/‏٢٩٢-٢٩٤، والنحاس في ناسخه ص٤٧٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٠
عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا﴾ إلى قوله: ﴿بما تعملون بصير﴾، قال: بَلَغَنا أنّها كانت في الميراث، لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزل بعدُ: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾، فتوارثوا ولم يهاجروا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩١.
١١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في الميراث، ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ وهؤلاء الأعراب ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ في الميراث، ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يقول: بأنهم مسلمون ﴿فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ في الميراث، ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ الذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله، ثم نسختها الفرائض والمواريث، فتَوارَثَ الأعرابُ والمهاجرون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢على هذا القول فالموالاة التي ذكرتها الآية: هي في الميراث. وذكر ابنُ عطية (٤/٢٤٦بتصرف) أن هناك من جعلها المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وذكر أنّه لازِمٌ مِن دلالة اللفظ. ثم علَّق بقوله: «ومن ذَهَبَ إلى أنها في التَّآزر والتعاون فإنما يَحمل نفْي الله تعالى ولايتهم عن المسلمين على أنها صفة الحال، لا أنّ الله حَكم بأن لا ولاية بين المهاجرين وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إنْ حَزَبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به، فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى التأويلين ففي الآية حض للأعراب على الهجرة، ... ومن رأى الولاية في الموارثة فهو حكْم من الله ينفي الولاية في الموارثة، قالوا: ونسخ ذلك قوله تعالى: ﴿وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ﴾».

تفسير

٩ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾: هؤلاء الأعراب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٩.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة ﴿ما لَكُمْ مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ في الميراث؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٣٠.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ ما لكم من ميراثِهم شيءٌ حتى يهاجِروا، ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يعني: إن استَنصَر الأعرابُ المسلمون المهاجرين والأنصارَ على عدوٍّ لهم فعليهم أن يَنصُروهم، ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٩-١٧٤٠ (٩١٨٧) مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾: وكان حقًّا على المؤمنين الذين آوَوْا ونصَروا إذا اسْتَنصَروهم في الدين أن ينصُرُوهم إن قُوتِلوا، إلّا أن يَسْتَنصِروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبي ﷺ ميثاقٌ، ولا نصرَ لهم عليهم، إلا على العدوِّ الذي لا ميثاقَ لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٠-٢٩١ واللفظ له، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٣٨-١٧٤٠ (٩١٨٥-٩١٩٢) مُفَرَّقًا.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: تَرَك رسولُ الله ﷺ الناسَ يوم تُوُفِّي على أربعةِ منازل: مؤمنٍ مهاجر، والأنصار، وأعرابيٍّ مؤمنٍ لم يهاجر، إن استَنصَره النبيُّ نَصَرَه، وإن ترَكه فهو إذنٌ له، وإن استَنصَروا النبيَّ ﷺ كان حقًّا عليه أن يَنْصُرَهم، وذلك قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾، والرابعة: التابعين بإحسان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٢٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٤٢.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق شيبان- في قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، قال: نُهِي المسلمون عن أهل ميثاقِهم، فواللهِ لَأَخُوك المسلمُ أعظمُ عليك حُرمةً وحَقًّا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٤٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾، يقول: بأنّهم مسلمون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٧٤٠.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يا معشر المهاجرين، إخوانُكم الذين لم يهاجروا إليكم، فأتاهم عدوُّهم من المشركين فقاتلوهم لِيَرُدُّوهم عن الإسلام ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فانصروهم، ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾، يقول: إن استنصر الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم فلا تنصروهم، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٣٠.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن بُرَيْدَة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بَعَث أميرًا على سَرِيَّة أو جيش؛ أوصاه في خاصَّةِ نفسِه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: «اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتِلوا مَن كفر بالله، إذا لَقِيتَ عدوَّك من المشركين فادْعُهم إلى إحدى ثلاثِ خصال، فأيَّتهن ما أجابوك إليها فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ادْعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأَعْلِمْهم إن فعَلوا ذلك أنّ لهم ما للمهاجرين، وأنّ عليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوْا واختارُوا دارَهم فأعْلِمْهم أنّهم يَكُونون كأعراب المسلمين، يَجْري عليهم حُكمُ الله الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغنيمة نصيبٌ، إلّا أن يُجاهِدوا مع المسلمين، فإن هُمْ أبَوْا فادْعُهم إلى إعْطاءِ الجزية، فإن أجابُوا فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن أبَوْا فاستَعِنْ بالله ثم قاتِلْهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٣٥٧ (١٧٣١).
٢
عن أنس، أنّ النبي ﷺ قال: «جاهِدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسنتِكم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏٢٧٢ (١٢٢٤٦)، ٢٠‏/‏٢٦ (١٢٥٥٥)، ٢١‏/‏٢٣٢ (١٣٦٣٨)، وأبو داود ٤‏/‏١٥٨-١٥٩ (٢٥٠٤)، والنسائي ٦‏/‏٧ (٣٠٩٦)، ٦‏/‏٥١ (٣١٩٢)، وابن حبان ١١‏/‏٦ (٤٧٠٨)، والحاكم ٢‏/‏٩١ (٢٤٢٧). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخَرِّجاه». وقال النووي في رياض الصالحين ص٣٨١-٣٨٢ (١٣٤٩): «رواه أبو داود بإسناد صحيح». وقال الرباعي في فتح الغفار ٤‏/‏١٧٣٨ (٥١١٨): «رجال إسناده رجال الصحيح، وصَحَّحه النسائي». قال الألباني في صحيح أبي داود ٧‏/‏٢٦٥ (٢٢٦٢): «إسناده صحيح على شرط مسلم».
٣
عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «المهاجرون بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الدنيا والآخرة، والطُّلَقاءُ من قريشٍ والعُتَقاءُ من ثَقِيف بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الدنيا والآخرة»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣١‏/‏٥٤٧ (١٩٢١٥)، ٣١‏/‏٥٤٩ (١٩٢١٨)، والحاكم ٤‏/‏٩١ (٦٩٧٨). قال ابن كثير في تفسيره (٧‏/‏١٢٨): «تفرد به أحمد». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وأورده الألباني في الصحيحة ٣‏/‏٣٠-٣١ (١٠٣٦).
التفسير بالمأثور لسورة الأنفال كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧٢ من سورة الأنفال

٨ وقفات في هذه الآية

  • (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) كم من الليالي تمر ولم ننصر إخواننا المستضعفين بدعوة اللهم أغث إخواننا المستضعفين في كل مكان . .

    — بدون مصدر

  • (إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ .. ) شأن الفئة المسلمة أنها تحفظ العهود .. و فئةٌ تحفظ العهود .. لن يضيّعها الله .

    — مجالس التدبر

  • مسألة: قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) .وقال في براءة: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم) . قدم المال هنا وأخره في براءة. جوابه: أن آية الأنفال تقدمها ذكر الغنائم واختيارهم أخذ الفداء من الأسرى ببدر فناسب تقديم إنفاق المال في سبيل الله تعالى. وآية براءة: تقدمها ذكر افتخارهم بعمارة المسجد الحرام على المجاهدين فناسب تقديم الجهاد في سبيل الله على ذكر الأموال، وأنه أهم. والله أعلم.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • *ما دلالة تقديم وتأخير (في سبيل الله) في آية سورة التوبة وسورة الأنفال؟(د.فاضل السامرائي) قال تعالى في سورة التوبة (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ {20}) وقال تعالى في سورة الأنفال (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {72}) الخط العام: إذا كان المقام في جمع وحفظ الأموال يبدأ بالتضحية به وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال يقدّم (في سبيل الله)على الأموال . سورة التوبة كلها في الجهاد وليست في الأموال فسياق الآيات كلها عن الجهاد والقتال وليس المال لذا اقتضى تقديم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس. أما في سورة الأنفال قدّم الأموال على (في سبيل الله) لأنه تقدّم ذكر المال والفداء في الأسرى وعاتبهم الله تعالى على أخذ المال إذن السياق كله في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى.

    — فاضل السامرائي

  • آية (٧٢) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) * دلالة تقديم وتأخير (فِي سَبِيلِ اللّهِ) في آية سورة التوبة وسورة الأنفال : إذا كان المقام في جمع وحفظ الأموال يبدأ بالتضحية به وإذا كان السياق في القتال يقدّم (فِي سَبِيلِ اللّهِ)على الأموال . في سورة التوبة (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)) سياق الآيات كلها عن الجهاد والقتال وليس المال لذا اقتضى تقديم (فِي سَبِيلِ اللّهِ) على الأموال والأنفس. في سورة الأنفال قدّم الأموال لأنه تقدّم ذكر المال والفداء في الأسرى وعاتبهم الله تعالى على أخذ المال.

    — مختصر لمسات بيانية

  • ( بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) الأنفال ، ( في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ) التوبة : السياق في الأنفال يتحدث عن الغنائم و عن الفداء و أخذ المال لذا قدم بأموالهم و أنفسهم - أما في التوبة فالسياق يتحدث عن الجهاد في سبيل الله لذا قدم في سبيل الله .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • قوله تعالى: (إن الَّذينَ آمنوا وَهَاجَروا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ) . قدَّم هنا " بأموالهم وأنفسِهم " على قوله " في سبيلِ اللهِ " وَعَكَسَ في " براءة " لأنَّ ما هنا تقدَّمه ذكر المال والأنفس، في قوله تعالى " تُريدون عَرَضَ الدُّنيا " وقولِه " لَوْلَا كتابٌ من اللهِ سَبَقَ لمَسَّكُمْ فيمَا أخذتُم " أي من الفداء، وقوله " فكلوا ممَّا غنمتم " وما في براءة تقدَّمه ذكر " في سبيل الله " فناسب تقديم " بأموالهم وأنفسهم " وتقديم " في سبيلِ اللهِ " ثَمَ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • برنامج عباد الرحمن(سورة الأنفال آية 74،73،72)

    — محمد الربيعة

الناسخ والمنسوخ في الآية ٧٢ من سورة الأنفال

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿والّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شيء حتى يُهَاجِرُوا﴾:
أوجبت هذه الآيةُ في ظاهرها أنّ (من) هاجر إليهم من المؤمنين حصلت له ولايتهم في الميراث؛ لقرابتِه وهجرتِه، ولا يرثُ بالقرابةِ إذا لم يهاجر.
قال قتادة: نسخَ ذلك قولُه: ﴿وأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥] قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، فكان الرَّجُلُ إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المسلمَ المهاجرَ، ولا يرث المسلمُ المهاجرُ أخاه المسلم الذي لم يهاجر، فنسخَ ذلك بالآية المذكورة لمَّا انقضت الهجرةُ(وتوارثوا بالنَّسب حيث) كانوا بعد الفتح - وهو مروي عن ابن عباس -.
وقال ابن عباس: آخى النبي - عليه السلام - بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك، حتى (نزل قولُه) ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضفِى كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: ٧٥] - الآية - فتوارثوا بالنَّسَب.
قال عكرمةُ: أقام الناسُ برهةً لا يرثُ الأعرابيُّ المهاجرَ من عصبته، ولا المهاجرُ الأعرابيَّ، حتى (نزل قولُه): ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ - الآية -.
قال أبو محمد: فَذِكْرُ هذه الآية - على قول قتادة - في الناسخ والمنسوخ حَسَنٌ؛ لأنه قرآنٌ نسخَ قرآناً، وذكرها - (على الأقوال الأُخَر) - لا يلزم؛ لأنها لم تنسخ قرآناً؛ إنما نسخَتْ أَمراً كانوا عليه.

ترجمات معاني الآية ٧٢ من سورة الأنفال

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(72) Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال