فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم، لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله، وإجابة لداعيه ﴿والذين آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ هم الأنصار، والإشارة بقوله :﴿أولئك﴾ إشارة إلى الموصول الأوّل والآخر، وهو مبتدأ وخبره الجملة المذكورة بعده، ويجوز أن يكون ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدلاً من اسم الإشارة، والخبر ﴿أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ أي : بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة، وقيل المعنى : إن بعضهم أولياء بعض في الميراث. وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾.
قوله :﴿والذين آمَنُواْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَيْء﴾. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، وحمزة ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو. وقرأ الباقون بفتحها، أي ما لكم من نصرتهم وإعانتهم، أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم ﴿حتى يُهَاجِرُواْ﴾ فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة ﴿وَإِنِ استنصروكم﴾ أي : هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين ﴿فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ أي : فواجب عليكم النصر ﴿إِلا﴾ أن يستنصروكم ﴿على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ﴾ فلا تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم، حتى تنقضي مدته. قال الزجاج : ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ الآية قال : إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاث منازل، منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه، وفي قوله :﴿والذين آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ قال : آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفي قوله :﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قال : كانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال :﴿مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَيْء حتى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثاق﴾ كان حقاً على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدوّ الذي لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيباً مفروضاً، لقوله :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ الآية، وفي رواية لابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ قال : يعني في الميراث جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ما لكم من ميراثهم من شيء ﴿حتى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين﴾ يعني : إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدوّ لهم، فعليهم أن ينصروهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، فكانوا يعملون على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ فنسخت الآية التي قبلها، وصارت المواريث لذوي الأرحام.
وأخرج أبو عبيد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في هذه الآيات قال : كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن، ولا يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه، أيضاً قال : قال رجل من المسلمين : لنورثنّ ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت :﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أسامة، عن النبي ﷺ قال :«لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، ثم قرأ :﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ الآية». وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله فينا خاصة معشر قريش :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله﴾ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان. فواخيناهم ووارثناهم فآخونا، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلاناً، وآخى عثمان بن عفان رجلاً من بني زريق بن أسعد الزرقي، قال الزبير : وآخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد قيل لي : قد قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقلته فيما يرى، فوالله يا بنيّ لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار، فرجعنا إلى مواريثنا. وأخرج أبو داود الطيالسي، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورّث بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه الآية :﴿وَأُولُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب.
قوله :﴿والذين آمَنُواْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَيْء﴾. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، وحمزة ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو. وقرأ الباقون بفتحها، أي ما لكم من نصرتهم وإعانتهم، أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم ﴿حتى يُهَاجِرُواْ﴾ فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة ﴿وَإِنِ استنصروكم﴾ أي : هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين ﴿فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ أي : فواجب عليكم النصر ﴿إِلا﴾ أن يستنصروكم ﴿على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ﴾ فلا تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم، حتى تنقضي مدته. قال الزجاج : ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء.
وأخرج أبو عبيد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في هذه الآيات قال : كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن، ولا يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله﴾. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه، أيضاً قال : قال رجل من المسلمين : لنورثنّ ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت :﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أسامة، عن النبي ﷺ قال :«لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، ثم قرأ :﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ الآية». وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله فينا خاصة معشر قريش :﴿وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله﴾ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان. فواخيناهم ووارثناهم فآخونا، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلاناً، وآخى عثمان بن عفان رجلاً من بني زريق بن أسعد الزرقي، قال الزبير : وآخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد قيل لي : قد قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقلته فيما يرى، فوالله يا بنيّ لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار، فرجعنا إلى مواريثنا. وأخرج أبو داود الطيالسي، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورّث بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه الآية :﴿وَأُولُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب.