غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أن تكون﴾ بالتاء الفوقانية : أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿أسارى﴾ يزيد والمفضل. الآخرون ﴿أسرى﴾ من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو حمزة. والباقون : بفتحها.
الوقوف :﴿في الأرض﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿الآخرة﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عظيم﴾ ه ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿منهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿حتى يهاجروا﴾ ج ﴿ميثاق﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿كبير﴾ ه ﴿حقا﴾ ط ﴿كريم﴾ ه ﴿منكم﴾ ط ﴿في كتاب الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال ﴿والذين آمنوا من بعد﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس : أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية. وقيل : بعد نزول الآية. وقيل : بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ﴿فأولئك منكم﴾ ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق. ثم ختم الكلام بقوله ﴿وأولوا الأرحام﴾ أي ذوو القرابات ﴿بعضهم أولى ببعض﴾ أي أحق بهم وأجدر ﴿في كتاب الله﴾ أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث. وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا : لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث. وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف : الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات. والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال ؟ فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال : إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال ﴿في كتاب الله﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام. واعلم أنه سبحانه قال في أول الآيات ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ في براءة بتقديم ﴿في سبيل الله﴾ لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ وفي قوله ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ أي من الفداء وفي قوله ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ [التوبة: ١٦] وفي قوله ﴿كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله﴾ [التوبة: ١٩] ثم إنه حذف من الآية الثانية ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة ﴿في سبيل الله﴾ أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم.
ثم ختم السورة بقوله ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما ﴿قال أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ قال مجيباً لهم ﴿أني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ما كان لنبي﴾ الروح ﴿أن يكون له أسرى﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله ﷺ قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿والله يريد الآخرة﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿عذاب عظيم﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿حلالاً طيباً﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. ﴿واتقوا الله﴾ عما سواه ﴿إن الله غفور﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿رحيم﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿يؤتكم خيراً﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿فأمكن منهم﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿والله عليم﴾ بأحوالهم ﴿حكيم﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. ﴿والذين آووا﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ونصروا﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿والذين آمنوا﴾ بأن الطلب حق ﴿ولم يهاجروا﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. ﴿وإن استنصروكم﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿فعليكم النصر﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿إلا على قوم﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿فأولئك منكم﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم».

التأويل :﴿ما كان لنبي﴾ الروح ﴿أن يكون له أسرى﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله ﷺ قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿والله يريد الآخرة﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿عذاب عظيم﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿حلالاً طيباً﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. ﴿واتقوا الله﴾ عما سواه ﴿إن الله غفور﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿رحيم﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿يؤتكم خيراً﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿فأمكن منهم﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿والله عليم﴾ بأحوالهم ﴿حكيم﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. ﴿والذين آووا﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ونصروا﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿والذين آمنوا﴾ بأن الطلب حق ﴿ولم يهاجروا﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. ﴿وإن استنصروكم﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿فعليكم النصر﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿إلا على قوم﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿فأولئك منكم﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى