المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ الآية، في هذه الآية قصص حسن أنا اختصره إذ هو مستوعب في كتاب سيرَة رسول الله ﷺ لابن هشام، واختصاره أن رسول الله ﷺ لما بلغه وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها تجارة قريش وأموالها، قال لأصحابه إن عير قريش قد عنت لكم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، قال فانبعث من معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج وأسرع رسول الله ﷺ لا يلوي على من تعذر ولا ينتظر من غاب ظهره(١)، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله ﷺ لا يلقى حرباً فلم يكثر استعدادهم، وكان أبو سفيان في خلال ذلك يستقصي ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستفز أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله ﷺ خروجهم، أوحى الله إليه وحياً غير متلو يعده إحدى الطائفتين، فعرف رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، فسروا وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله ﷺ أخذ طريق الساحل وأبعد، وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل مكة، وأشار بعض الكفار على بعض بالانصراف وقالوا عيرنا قد نجت فلننصرف، فحرش(٢) أبو جهل ولج حتى كان أمر الوقعة، وقال بعض المؤمنين : نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له، فجمع رسول الله ﷺ أصحابه وهو بواد يسمى ذفران، وقال أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فتكلم فأحسن وحرض على لقاء العدو، فأعاد رسول الله ﷺ الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد رسول الله ﷺ الاستشارة فتكلم المقداد الكندي فقال : لا نقول لك يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول إنا معكما مقاتلون.
والله لو أردت بنا برك الغماد. ( قال القاضي أبو محمد : وهي مدينة بالحبشة ) لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول الله ﷺ بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة.
قال القاضي أبو محمد : ويمكن أنهما جميعاً تكلما في ذلك اليوم، فقال : يا رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار، فقال النبي ﷺ : أجل، فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي ﷺ :( امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم )، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب(٣) «وإذ يعدْكم » بجزم الدال، قال أبو الفتح ذلك لتوالي الحركات، وقرأ ابن محيصن «وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين » بوصل الألف من ﴿إحدى﴾ وصلة الهاء بالحاء، و ﴿الشوكة﴾ عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور :[ الرجز ]إن العرفج قد أدبى***(٤) وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم ﴿الشوكة تكون﴾ بإدغام التاء في التاء، ومعنى الآية وتودون العير وتأبون قتال الكفار، وقوله ﴿ويريد الله﴾ الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم «بكلمته » على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله ﴿بكلماته﴾ إما أن يريد بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن يريد بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و «الدابر » الذي يدبر القوم أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهلاك عليه.
والله لو أردت بنا برك الغماد. ( قال القاضي أبو محمد : وهي مدينة بالحبشة ) لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول الله ﷺ بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة.
قال القاضي أبو محمد : ويمكن أنهما جميعاً تكلما في ذلك اليوم، فقال : يا رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار، فقال النبي ﷺ : أجل، فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي ﷺ :( امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم )، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب(٣) «وإذ يعدْكم » بجزم الدال، قال أبو الفتح ذلك لتوالي الحركات، وقرأ ابن محيصن «وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين » بوصل الألف من ﴿إحدى﴾ وصلة الهاء بالحاء، و ﴿الشوكة﴾ عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور :[ الرجز ]إن العرفج قد أدبى***(٤) وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم ﴿الشوكة تكون﴾ بإدغام التاء في التاء، ومعنى الآية وتودون العير وتأبون قتال الكفار، وقوله ﴿ويريد الله﴾ الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم «بكلمته » على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله ﴿بكلماته﴾ إما أن يريد بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن يريد بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و «الدابر » الذي يدبر القوم أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهلاك عليه.
١ -المراد بالظهر هنا ما يركبه المقاتل من فرس ونحوه..
٢ - حرّش الإنسان والحيوان: أغراه بفعل شيء، وحرّش بين القوم: أفسد. (المعجم الوسيط)..
٣ - هو مسلمة بن عبد الله بن محارب أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءات، وقال ابن الجزري: لا أعلم على من قرأ، وكان من العلماء بالعربية. (المحتسب لابن جني)..
٤ -العرفج: نبت طيب الرائحة أغبر مائل إلى الخضرة له زهرة صفراء وليس له شوك- أدبى: يريد أن استوى وصلح أن يؤكل، وإذا استوى هذا النبت صلح الوقت للغزو- هذا وللعرفج أسماء تبعا لمراحل نموه، قال أبو نصر: إدباء العرفج أن يتّسق نبته ويتآزر. وقد قال هذا الكلام رجل من بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل رسولا إلى قومه، فلما شرطوا أن يعرفوا الرسالة لجأ إلى الرموز والتورية، وكان من رسالته لهم: "إن العرفج قد أدبى، وشكّت النساء... وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جبلي الأصهب" يريد أن وقت الغزو قد حان، وعليهم أن يرحلوا من أماكنهم إلى جهة أخرى يعرفونها- راجع في ذلك كتاب "الأمالي لأبي علي القالي" في: "مطلب الكلام على مادة لحن"..
٢ - حرّش الإنسان والحيوان: أغراه بفعل شيء، وحرّش بين القوم: أفسد. (المعجم الوسيط)..
٣ - هو مسلمة بن عبد الله بن محارب أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءات، وقال ابن الجزري: لا أعلم على من قرأ، وكان من العلماء بالعربية. (المحتسب لابن جني)..
٤ -العرفج: نبت طيب الرائحة أغبر مائل إلى الخضرة له زهرة صفراء وليس له شوك- أدبى: يريد أن استوى وصلح أن يؤكل، وإذا استوى هذا النبت صلح الوقت للغزو- هذا وللعرفج أسماء تبعا لمراحل نموه، قال أبو نصر: إدباء العرفج أن يتّسق نبته ويتآزر. وقد قال هذا الكلام رجل من بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل رسولا إلى قومه، فلما شرطوا أن يعرفوا الرسالة لجأ إلى الرموز والتورية، وكان من رسالته لهم: "إن العرفج قد أدبى، وشكّت النساء... وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جبلي الأصهب" يريد أن وقت الغزو قد حان، وعليهم أن يرحلوا من أماكنهم إلى جهة أخرى يعرفونها- راجع في ذلك كتاب "الأمالي لأبي علي القالي" في: "مطلب الكلام على مادة لحن"..