جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وهذا وعيد من الله تعالى ذكره هؤلاء المشركين من قريش، القائلين للذين آمنوا : اتبعوا سبيلنا، ولنحمل خطاياكم، يقول لنبيه محمد ﷺ : لا يحزننك يا محمد ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى، فإني وإن أمليت لهم فأطلت إملاءهم، فإن مصير أمرهم إلى البوار، ومصير أمرك وأمر أصحابك إلى العلوّ والظفر بهم، والنجاة مما يحلّ بهم من العقاب، كفعلنا ذلك بنوح، إذ أرسلناه إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد، وفراق الآلهة والأوثان، فلم يزدهم ذلك من دعائه إياهم إلى الله من الإقبال إليه، وقبول ما أتاهم به من النصيحة من عند الله إلاّ فرارا.
وذُكر أنه أُرسل إلى قومه وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة، كما :
حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي، قال : حدثنا نوح بن قيس، قال : حدثنا عون بن أبي شداد، قال : إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مئة سنة فأخذهم الطوفان، يقول تعالى ذكره : فأهلكهم الماء الكثير، وكلّ ماء كثير فاش طامّ، فهو عند العرب طوفان، سيلاً كان أو غيره، وكذلك الموت إذا كان فاشيا كثيرا، فهو أيضا عندهم طوفان ومنه قول الراجز :
*** أفْناهُمُ طُوفان مَوْتٍ جارِفِ ***
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فأخَذَهُمُ الطّوفانُ قال : هو الماء الذي أرسل عليهم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول : الطوفان : الغرق.
وقوله : وَهُمْ ظالِمُونَ يقول : وهم ظالمون أنفسهم بكفرهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى