البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وقرأ الجمهور :﴿وتخلقون﴾، مضارع خلق، ﴿إفكاً﴾، بكسر الهمزة وسكون الفاء.
وقرأ علي، والسلمي، وعون العقيلي، وعبادة، وابن أبي ليلى، وزيد بن علي : بفتح التاء والخاء واللام مشددة.
قال ابن مجاهد : رويت عن ابن الزبير، أصله : تتخلقون، بتاءين، فحذفت إحداهما على الخلاف الذي في المحذوفة.
وقرأ زيد بن علي أيضاً، فيما ذكر الأهوازي : تخلقون، من خلق المشدد.
وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن زرقان : أفكاً، بفتح الهمزة وكسر الفاء، وهو مصدر مثل الكذب.
قال ابن عباس :﴿وتخلقون إفكاً﴾، هو نحت الأصنام وخلقها، سماها إفكاً توسعاً من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة.
وقال مجاهد : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.
وقال الزمخشري : إفكاً فيه وجهان : أحدهما : أن تكون مصدراً نحو : كذب ولعب، والإفك مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن تكون صفة على فعل، أي خلقا إفكاً، ذا إفك وباطل، واختلافهم الإفك تسمية الأوثان آلهة وشركاء لله وشفعاء إليه، أو سمي الأصنام إفكاً، وعملهم لها ونحتهم خلقاً للإفك. انتهى.
وهذا الترديد منه في نحو :﴿وتخلقون إفكاً﴾، قولان لابن عباس ومجاهد، وقد تقدم لنا نقلهما عنهما ونفيهم بقوله :﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ على جهة الاحتجاج بأمر يفهمه عامّتهم وخاصتهم، فقرر أن الأصنام لا ترزق، والرزق يحتمل أن يريد به المصدر : لا يملكون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، واحتمل أن يكون اسم المرزوق، أي لا يملكون لكم إيتاء رزق ولا تحصيله، وخص الرزق لمكانته من الخلق.
ثم أمرهم بابتغاء الرزق ممن هو يملكه ويؤتيه، وذكر الرزق لأن المقصود أنهم لا يقدرون على شيء منه، وعرفه بعد لدلالته على العموم، لأنه تعالى عنده الأرزاق كلها.
﴿واشكروا له﴾ على نعمة السابغة من الرزق وغيره.
﴿وإليه ترجعون﴾ : أي إلى جزائه، أخبر بالمعاد والحشر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى