الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الآخرة﴾ على البدء دون الإنشاء، ونحوه قولك : ما زلت أوثر فلاناً وأستخلفه على من أخلفه،
فإن قلت : هو معطوف بحرف العطف، فلا بد له من معطوف عليه، فما هو ؟ قلت : هو جملة قوله :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ الله الخلق﴾ وكذلك : وأستخلفه، معطوف على جملة قوله : ما زلت أوثر فلاناً ذلك يرجع إلى ما يرجع إليه هو في قوله :﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] من معنى يعيد. دل بقوله ﴿النشأة الآخرة﴾ على أنهما نشأتان، وأن كل واحدة منهما إنشاء، أي : ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخر إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك. وقرىء «النشأة » و«النشاءة » كالرأفة والرآفة،
فإن قلت : ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله :﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة﴾ بعد إضماره في قوله : كيف بدأ الخلق ؟ وكان القياس أن يقال : كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة ؟ قلت : الكلام معهم كان واقعاً في الإعادة، وفيها كانت تصطك الركب، فلما قرّرهم في الإبداء بأنه من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء، فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة، فكأنه قال : ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى