جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَئِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل لوط لقومه أئِنّكُمْ أيها القوم لَتأْتُونَ الرّجالَ في أدبارهم وَتَقْطَعُونَ السّبِيلَ يقول : وتقطعون المسافرين عليكم بفعلكم الخبيث، وذلك أنهم فيما ذُكر عَنْهم كانوا يفعلون ذلك بمن مرّ عليهم من المسافرين، من ورد بلادهم من الغرباء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَتَقْطَعُونَ السّبِيلَ قال : السبيل : الطريق. المسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث.
وقوله : وَتأتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ اختلف أهل التأويل في المنكر الذي عناه الله، الذي كان هؤلاء القوم يأتونه في ناديهم، فقال بعضهم : كان ذلك أنهم كانوا يتضارطُون في مجالسهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال : حدثنا محمد بن ربيعة، قال : حدثنا رَوْح بن عُطيفة الثقفيّ، عن عمرو بن صعب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، في قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : الضراط.
وقال آخرون : بل كان ذلك أنهم كانوا يخذفون من مر بهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع قالا : حدثنا أبو أسامة، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أمّ هانىء، قالت : سألت النبيّ ﷺ عن قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قالَ :«كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ » فهو المنكر الذي كانوا يأتون.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا أسد، قال : حدثنا أبو أُسامة، بإسناده عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال : حدثنا سليم بن أخضر، قال : حدثنا أبو يونس القُشَيري، عن سِماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أمّ هانىء، أن أمّ هانىء سُئلت عن هذه الآية وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ فقالت : سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال :«كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطّرِيقِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عمر بن أبي زائدة، قال : سمعت عكرِمة يقول في قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : كانوا يُؤْذون أهل الطريق يخذفون من مَرّ بهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن عمر بن أبي زائدة، قال : سمعت عكرِمة قال : الخذف.
حدثنا موسى، قال : أخبرنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : كان كلّ من مرّ بهم خذفوه فهو المنكر.
حدثنا الربيع، قال : حدثنا أسد، قال : حدثنا سعيد بن زيد، قال : حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال : حدثنا سِماك بن حرب، عن باذام، عن أبي صالح مولى أمّ هانىء، عن أمّ هانىء، قالت : سألت رسول الله صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عن هذه الاَية وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال :«كانُوا يَجْلِسُونَ بالطّرِيقِ، فَيَخْذِفُونَ أبْناءَ السّبِيلِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ».
وقال بعضهم : بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال : كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم، يعني قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ.
حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا ثابت بن محمد الليثيّ، قال : حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، في قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : كان يأتي بعضهم بعضا في المجالس.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : المجالس، والمنكَر : إتيانهم الرجال.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ قال : ناديهم : المجالس، والمنكر : عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب فيأخذونه ويركبونه. وقرأ أتأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ، وقرأ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله وتَأتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنْكَرَ يقول : في مجالسكم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : وتحذفون في مجالسكم المارّة بكم، وتسخَرون منهم لما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول الله ﷺ.
وقوله : فَمَا كانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاّ أنْ قالُوا ائْتِنا بعَذَابِ اللّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ يقول تعالى ذكره : فلم يكن جواب قوم لُوط إذ نهاهم عما يكرهه الله من إتيان الفواحش التي حرمها الله إلا قَيلهم : ائتنا بعذاب الله الذي تعدنا، إن كنت من الصادقين فيما تقول، والمنجزين لما تعد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى