الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَن يُتْرَكُواْ﴾ : سَدَّ مَسَدَّ مفعولَيْ حَسِب عند الجمهور، ومَسَدَّ أحدِهما عند الأخفشِ.
قوله :" أنْ يقولوا " فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه بدلٌ مِنْ " أَنْ يُتْرَكوا "، أبدلَ مصدراً مؤولاً مِنْ مثلِه. الثاني : أنها على إسقاط الخافض وهو الباءُ، أو اللام، أي : بأَنْ يَقولوا، أو لأن يقولوا. قال ابن عطية وأبو البقاء :" وإذا قُدِّرَتِ الباءُ كان حالاً ". قال ابن عطية :" والمعنى في الباء واللام مختلفٌ ؛ وذلك أنَّه في الباء كما تقول :" تركْتُ زيداً بحالِه " / وهي في اللام بمعنى مِنْ أجل أي : أَحَسِبوا أنَّ إيمانَهم عِلةٌ للترك " انتهى. وهذا تفسيرُ معنى، ولو فَسَّر الإِعرابَ لقال : أَحُسْبانُهم التركَ لأجل تلفُّظِهم بالإِيمان.
وقال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : فأين الكلامُ الدالُّ على المضمونِ الذي يَقْتضيه الحُسبانُ ؟ قلت : هو في قولِه :﴿أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ : آمَنَّا، وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾. وذلك أنَّ تقديرَه : أَحَسِبُوا تَرْكَهم غيرَ مفتونين لقولِهم : آمنَّا، فالتركُ أولُ مفعولَيْ " حَسِب " و " لقولهم آمنَّا " هو الخبر. وأمَّا غيرَ مفتونين فتتمةُ التركِ ؛ لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله :
٣٦٣٣ - فَتَرَكْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحُسْبان تَقْدِرُ أَنْ تقولَ : تَرَكَهم غيرَ مفتونين لقولِهم : آمنَّا على [ تقدير ] : حاصل ومستقر قبل اللام. فإنْ قلت :" أَنْ يَقُولوا " هو علةُ تَرْكِهم غيرَ مَفْتونين، فكيف يَصِحُّ أن يقعَ خبرَ مبتدأ ؟ قلت : كما تقول : خروجُه لمخافةِ الشرِّ وضَرْبُه للتأديب، وقد كان التأديبُ والمخافةُ في قولِك : خَرَجْتُ مخافةَ الشرِّ وضَرَبْتُه تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً : حَسِبْتُ خروجَه لمخافةِ الشَّرِّ، وظنَنْتُ ضربَه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتَهما مبتدأ وخبراً ".
قال الشيخ بعد هذا كلِّه :" وهو كلامٌ فيه اضطرابٌ ؛ ذكر أولاً أنَّ تقديرَه غيرَ مفتونين تتمةٌ، يعني أنه حالٌ لأنه سَبَكَ ذلك مِنْ قولِهِ ﴿وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ وهي جملةٌ حالية، ثم ذكر أَنَّ " يُتْركوا " هنا من الترك الذي هو تَصْييرٌ. ولا يَصِحُّ ؛ لأنَّ مفعولَ " صيَّر " الثاني لا يَسْتقيمُ أَنْ يكونَ " لقولِهم " ؛ إذا يصيرُ التقديرُ : أن يُصَيَّروا لقولِهم وهم لا يُفْتنون، وهذا كلامٌ لا يَصِحُّ. وأمَّا ما مَثَّله به من البيت فإنه يَصِحُّ أن يكون " جَزَرَ السِّباع " مفعولاً ثانياً ل تَرَكَ بمعنى صَيَّر، بخلاف ما قَدَّر في الآية. وأمَّا تقديرهُ تَرَكهم غيرَ مفتونين لقولهم [ آمَنَّا ] على تقديرِ حاصل ومستقر قبل اللام فلا يَصِحُّ إذا كان تركُهم بمعنى تصييرهم، وكان غيرَ مفتونين حالاً ؛ إذ لا يَنْعَقِد مِنْ تَرْكِهم بمعنى تصييرِهم وَتَقَوُّلِهم مبتدأٌ وخبرٌ، لاحتياجِ تَرْكِهم بمعنى تصييرِهم إلى مفعولٍ ثانٍ لأنَّ غيرَ مفتونين عنده حالٌ لا مفعولٌ ثانٍ.
وأمَّا قولُه : فإنْ قلت : أَنْ يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فَضْلِ فَهْمٍ : وذلك أنَّ قولَه :" أَنْ يقولوا " هو علةُ تَرْكِهم فليس كذلك ؛ لأنه لو كان علةً له لكان به متعلقاً كما يتعلَّقُ بالفعلِ، ولكنه علةٌ للخبرِ المحذوفِ الذي هو مستقر أو كائن، والخبرُ غيرُ المبتدأ، ولو كان " لقولِهم " علةً للترك لكان مِنْ تمامِه فكان يحتاج إلى خبرٍ. وأمَّا قولُه كما تقول : خروجُه لمخافةِ الشرِّ ف " لمخافة " ليس علةً للخروجِ بل للخبر المحذوف الذي هو مستقرٌّ أو كائن " انتهى.
قلت : وهذا الذي ذكره الشيخُ كلُّه جوابُه : أنَّ الزمخشريَّ إنما نظر إلى جانب المعنى، وكلامُه عليه صحيحٌ. وأمَّا قولُه : ليس علةً للخروج ونحو ذلك يعني في اللفظ. وأمَّا في المعنى فهو علةٌ له قطعاً، ولولا خَوْفُ الخروج عن المقصود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى