غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
الوقوف :﴿الم﴾ كوفي. ﴿لا يفتنون﴾ ٥ ﴿الكاذبين﴾ ٥ ﴿يسبقونا﴾ ط ﴿يحكمون﴾ ٥ج ﴿لآت﴾ ط ﴿العليم﴾ ٥ ﴿لنفسه﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿يعملون﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿فلا تطعهما﴾ ط ﴿تعملون﴾ ٥ ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿كعذاب الله﴾ ط ﴿معكم﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿المنافقين﴾ ٥ ﴿خطاياكم﴾ ط ﴿شيء﴾ ط ﴿لكاذبون﴾ ٥ ﴿مع أثقالهم﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين. ﴿يفترون﴾ ٥ ﴿عاماً﴾ ط لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿الطوفان﴾ ط ﴿ظالمون﴾ ٥ ﴿للعالمين﴾ ٥.
ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف. واختلفوا في سبب نزولها فقيل : نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة. وقيل : نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون. وقيل : في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله ﷺ : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة. قال جار الله : مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير : أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا. قال : والترك بمعنى التصيير. فقوله ﴿وهم لا يفتنون﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه. وقال آخرون : تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿قالوا آمنا﴾ وأقول : إن من خواص " أن " مع الفعل و " أن " مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله سبحانه في موضع آخر ﴿أم حسبتم أن تتركوا﴾ [التوبة: ١٦] والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس. والتحقيق أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله. فإذا قال باللسان : آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلابدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن. فمعنى الآية : أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك ؟ أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿أحسب الناس﴾ أي الناسون من أهل البطالة ﴿أن يتركوا﴾ بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه. فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال : إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿أم حسب الذين﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿أن يسبقونا﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام. ﴿ساء ما يحكمون﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات. ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظرإلى جمالنا ﴿وهو السميع﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين. ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الأمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿وعملوا الصالحات﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿لنكفرن عنهم﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ولنجزينهم﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الأشباح كما قال عيسى عليه السلام : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. فهو أحق برعاية الحقوق منهما. ﴿جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح. والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله. ﴿وقال الذين كفروا﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿وما هم بحاملين﴾ شيئاً ﴿من خطاياهم﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى