أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري

عن الكتاب

شرح الكلمات :


﴿خلق الله السموات والأرض بالحق﴾ : أي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل.

المعنى :


وقوله تعالى :﴿خلق الله السموات والأرض بالحق﴾ إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإِنابة إليه والخوف منه. وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسموات والأرض وأفسدها، لذا يعذب نظراً إلى عظم جرمه عذاباً دائماً أبداً. وقوله :﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ أي إن في خلق السموات والأرض بالحق ﴿لآية﴾ أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته ولعمه وحكمته، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإِله الحق الذي لا رب غيره ولا إله سواه. وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر، وعليه فـ ﴿اتل﴾ أيها الرسول ﴿ما أوحي إليك من الكتاب﴾ تعليماً وتذكيراً وتعبداً وتقرباً ﴿وأقم الصلاة﴾ طرفي النهار وزلفاً من الليل فإن في ذلك عوناً كبيراً لك على الصبر والثبات وزاداً عظيماً لرحلتك إلى الملكوت الأعلى. وقوله تعالى :﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإِتيان بها. وإقامة الصلاة تتمثل في الإِخلاص فيها لله تعالى أولاً ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى اثناء أدائها ثانياً، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيت الله، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه، ثم مراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع. هذه هي الصلاة التي توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر. وقوله تعالى :﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء أدائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها، قد يضعف تأثيرها، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله :" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإِ خير منه " كما في الحديث الصحيح.
وقطعاً والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك. وقوله :﴿والله يعلم ما تصنعون﴾ فيه وعد ووعيد، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به، ومن كان يصنع السوء جزاه به. اللهم ارزقنا صنائع المعروف وابعد عنا صنائع السوء آمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى