مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ تقرباً إلى الله تعالى بقراءة كلامه ولتقف على ما أمر به ونهى عنه ﴿وأقم الصلاة﴾ أي دم على إقامة الصلاة ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء﴾ الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً ﴿والمنكر﴾ هو ما ينكره الشرع والعقل. قيل : من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما فقد روي أنه قيل يوماً لرسول الله ﷺ : إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل. فقال :« إن صلاته لتردعه » روي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال « إن صلاته ستنهاه » فلم يلبث أن تاب. وقال ابن عوف : إن الصلاة تنهى إذا كنت فيها فأنت في معروف وطاعة وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر. وعن الحسن : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ أي والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وإنما قال ( ولذكر الله ) ليستقل بالتعليل كأنه قال : والصلاة أكبر لأنها ذكر الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وقال ابن عطاء : ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له الآن، لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى. وقال سلمان : ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل فقد قال عليه السلام « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم » قالوا وما ذاك يا رسول الله قال « ذكر الله » وسئل أي الأعمال أفضل قال « أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله » أو ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم، أو ذكر الله أكبر من تلقى معه معصية، أو ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من غيره :﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب.