بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
ثم قال عز وجل :﴿تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا﴾ أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ يعني : بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا. ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ يعني : إنّ أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية. وقال مجاهد : فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى :﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال السدي :﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به. وهو قوله :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار. ويقال :﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ عند مجيء الرسل ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يعني : هكذا يختم الله تعالى ﴿على قُلُوبِ الكافرين﴾ مجازاة لكفرهم. قوله تعالى :﴿وَمَا وَجَدْنَا لأِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زيادة للصلة يعني : ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني : الذين كذبوا من الأمم الخالية.