تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم :﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ أي قبلك، كما قال في الآية الأخرى :﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾ [طه: ٦٥]، فقال لهم موسى عليه السلام : ألقوا أي أنتم أولاً، قيل : الحكمة في هذا - والله أعلم - ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلّب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان، ولهذا قال تعالى :﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم﴾ أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى :﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦]. قال ابن عباس : ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً قال : فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، محمد بن إسحاق : ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي : فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً. وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا، ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم﴾ يقول : فرقوهم أي من الفرق، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ولهذا قال تعالى :﴿وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.