مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني
عن الكتاب
- ١١٥ - قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
- ١١٦ - قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وجاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
هَذِهِ مُبَارَزَةٌ مِنَ السَّحَرَةِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أَيْ قَبْلَكَ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وإما نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلْقُواْ أَيْ أنتم أولاً، قيل: الحكمة فِي هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِيَرَى النَّاسُ صَنِيعَهُمْ ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم، جاءهم الحق الواضح
- ١١٦ - قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وجاؤوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
هَذِهِ مُبَارَزَةٌ مِنَ السَّحَرَةِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أَيْ قَبْلَكَ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وإما نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلْقُواْ أَيْ أنتم أولاً، قيل: الحكمة فِي هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِيَرَى النَّاسُ صَنِيعَهُمْ ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم، جاءهم الحق الواضح
الجلي بعد التطلّب لَهُ وَالِانْتِظَارِ مِنْهُمْ لِمَجِيئِهِ، فَيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَكَذَا كَانَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أَيْ خَيَّلُوا إِلَى الْأَبْصَارِ أَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مُجَرَّدَ صَنْعَةٍ وَخَيَالٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾. قال ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلْقَوْا حِبَالًا غِلَاظًا وَخُشُبًا طِوَالًا قَالَ: فَأَقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى، وقال محمد بن إسحاق: أَلْقَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ: فَإِذَا حَيَّاتٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ قَدْ مَلَأَتِ الْوَادِي يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ، لَيْسَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَمَعَهُ حَبْلٌ وَعَصًا، ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يَقُولُ: فَرَّقُوهُمْ أي من الفرق، حَتَّى جَعَلَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى، ولهذا قال تعالى: ﴿وجاؤوا بسحر عظيم﴾.