تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أظهروه(١) لموسى، عليه السلام، وقومه من الأذى والبغضة :﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي : لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أي : أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي : يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، يالله للعجب ! صار(٢) هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه ! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون، ولكن لا يشعرون ؛ ولهذا قالوا :﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال بعضهم :" الواو " هنا حالية، أي : أتذره وقومه يفسدون وقد ترك عبادتك ؟
وقرأ ذلك أُبيّ بن كعب :" وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك "، حكاه ابن جرير.
وقال آخرون : هي عاطفة، أي : لا تدع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم(٣) عليه وعلى تركه آلهتك.
وقرأ بعضهم :" إلاهتك " أي : عبادتك، ورُوي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
وعلى القراءة الأولى قال بعضهم : كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري : كان لفرعون إله يعبده في السر. وقال في رواية أخرى : كان له(٤) جُمَانة في عنقه معلقة يسجد لها.
وقال السدي في قوله تعالى :﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وآلهته، فيما زعم ابن عباس، كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلا جسدا.
فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله :﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم به قبل ولادة موسى، عليه السلام، حذرا من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضدّ ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه [ هذا ](٥) أيضا، إنما أراد قهر بني إسرائيل وإذلالهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد : نصرهم الله عليه وأذله، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده.
١ في ك، م، أ: "أضمروه"، وفي د: "أضمروا"..
٢ في أ: "صاروا".
.

٣ في أ: "أقررتم"..
٤ في ك، م، أ: "لفرعون"..
٥ زيادة من م، أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى