كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ﴾ ؛ من القِبْطِ :﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي أتَتْرُكُهُمْ ليغيِّرُوا عليك دينَك في أرضِ مِصْرَ ويدعُو الناس إلى مُخَالَفَتِكَ ؛ فينتقضَ بذلك أمرُكَ ومِلكُكَ ؛ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ؛ أي يَدَعَكَ ولا يعبدَكَ ؛ ويدعَ أصنامَكَ التي أمَرْتَ بعبادتِها.
قال الحسنُ :(كَأنَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْبُدُ النَّاسَ وَيَعْبُدُ الأَصْنَامَ بِنَفْسِه). وقالَ السُّدِّيُّ :(كَانَ يَعْبُدُ هُوَ مَا اسْتَحْسٍَنَ مِنَ الْبَقَرِ، وَمِنْهُ أخَذ السَّامِرِيُّ عِبَادَةَ الْبَقَرِ).
وَقٍيْلَ : كان فرعونُ قد صَنعَ أصناماً صِغَاراً، وأمرَ قومَه بعبادتِها، وقالَ : أنا رَبُّ هذهِ الأصْنَامِ الأعْلَى، وهم أربَابُكم.
وقرأ الحسن :(وَمَا تَنقَمُ) بفتحِ القَافِ لُغتانِ، قال الضَّحاكُ :(مَعْنَاهُ : وَمَا تَطْغَى عَلَيْنَا). وقال عطاءُ :(مَا لَنَا عِنْدَكَ مِنْ ذنْبٍ تُعَذِّبُنَا عَلَيْهِ إلاَّ أنْ آمَنَّا بآيَاتِ رَبنَا). وقرأ الحسنُ :(وَيَذرُكَ) بالرَّفعِ عطفاً على (أتَذرُ). وقرأ ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ والضحَّاك :(وَآلِهَتُكَ) أي عبادَتُك، فلا يعبدُك.
وَقِيْلَ : أرادَ بالآلِهَةِ الشَّمٍْسُ، وكان فرعونُ وقومُه يعبدونَها. وقال ابنُ عبَّاس :(كَأنَ لِفَرْعَوْنَ بَقَرَةٌ يَعْبُدُهَا، وَكَانُوا إذا رَأوْا بَقَرَةً حَسْنَاءَ أمَرَهُمْ أنْ يَعْبُدُوهَا، فَكَذلِكَ أخْرَجَ لَهُمُ السَّامِريُّ عِجْلاً). ورُويَ : أنه قِيْلَ للحسَنِ : هَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ شَيْئاً ؟ قَالَ :(نَعَمْ ؛ كَانَ يَعْبُد تَيْساً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ﴾ ؛ أي قال فرعونُ : سنعودُ إلى قَتْلِ ابنائِهِم واستخدام نسائِهم عقوبةً لهُ كما كُنَّا نفعلُ وقتَ ولادِ مُوسَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ؛ أي مُسْتَعْلُونَ عليهم بالقُوَّةِ.
فَشَكَتْ بَنُو إسرائيلَ إلى موسَى فـ، ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ﴾ أي استيعنُوا باللهِ على دفعِ بلاء فرعونَ عنكم، واصبرُوا على دِينكم، ﴿إِنَّ الأَرْضَ﴾ ؛ التي أنتُمْ فيها ؛ ﴿للَّهِ يُورِثُهَا﴾ ؛ أي يُسْكِنُهَا، ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ فيورثُكم هذه الأرضَ بعد إهلاكِ فرعون وقومهِ، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي آخرُ الأمرِ للذين يَتَّقُونَ اللهَ. وَقِيْلَ : أرادَ بالعاقبةِ الجنةَ في الآخرة. وَقِيْلَ : النصرَ والظَّفْرَ. وَقِيْلَ : السعادة والشهادةَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى