الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ : في " لا " هذه وجهان، أظهرهما : أنها زائدة للتوكيد. قال الزمخشري :" لا " في " أن لا تسجد " صلةٌ بدليل قوله تعالى :﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومثلُها :
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] بمعنى ليعلم. ثم قال :" فإن قلت : ما فائدةُ زيادتها ؟ قلت : توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل : ليتحقَّق علمُ أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتُلْزمَه نفسك إذ أمرتك ؟ وأنشدوا على زيادة " لا " قولَ الشاعر :
يروى " البخل " بالنصب والجر، والنصبُ ظاهرُ الدلالة في زيادتها، تقديرُه : أبى جودُه البخلَ. وأمَّا في روايةِ الجر فالظاهرُ منها عدمُ الدلالة على زيادتها. ولا حجةَ في هذا البيتِ على زيادة " لا " في رواية النصب، ويتخرَّجُ على وجهين أحدهما : أن تكون " لا " مفعولاً بها و " البخل " بدل منها لأنَّ " لا " تُقال في المنع فهي مؤدِّية للبخل. والثاني : أنها مفعول بها أيضاً، والبخل مفعول من أجله والمعنى : أبى جودُه لفظ " لا " لأجل البخل أي كراهة البخل، ويؤيد عدمَ الزيادة روايةُ الجر. قال أبو عمرو بن العلاء :" الرواية فيه بخفض " البخل " لأن " لا " تُسْتعمل في البخل "، وأنشدوا أيضاً على زيادتها قول الآخر :
يريد : أفعنك برقٌ. وقد خَرَّجه الشيخ على احتمال كونِها عاطفةً وحَذْفِ المعطوف، والتقدير : أفعنك لا عن غيرك. وكونُ " لا " في الآية زائدةً هو مذهب الكسائي والفراء وأبي إسحاق. وما ذكرته من كون " البخل " بدلاً من " لا " و " لا " مفعولٌ بها هو مذهب الزجاج. وحكى بعضهم عن يونس قال :" كان أبو عمرو بن العلاء يجرُّ " البخل " ويجعل " لا " مضافة إليه، أراد أبى جوده لا التي هي للبخل لأن " لا " قد تكون للبخل وللجود، فالتي للبخل معروفة، والتي للجود أنه لو قال له :" امنع الحق " أو " لا تعط المساكين " فقال :" لا " كان جوداً. قلت : يعني فتكون الإِضافة للتبيين، لأن " لا " صارت مشتركةً فميَّزها بالإِضافة وخصَّصها به. / وقد تقدم طرف جيد من زيادة " لا " في أواخر الفاتحة وأقوال الناس في ذلك.
وقد زعم جماعةٌ أن " لا " في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم : في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به النفي، والتقدير : ما منعك فأحوجك أن لا تسجد ؟ وقال بعضهم : المعنى على ما ألجأك أن لا تسجد ؟ وبعضهم : مَنْ أمَرَكَ أن لا تسجد ؟ ومَنْ قال لك أن لا تسجد، أو ما دَعاك أن لا تسجد ؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرَّج مِنْ نسبة الزيادة إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام ؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين.
و " ما " استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ بعدها أي : أيُّ شيء منعك. و " أَنْ " في محل نصبٍ أو جر لأنها على حَذْفِ حرف الجر إذ التقدير : ما منعك من السجود ؟ و " إذ " منصوب بتسجد أي : ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به. وقوله :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ لا محلَّ لهذه الجملةِ لأنها كالتفسير والبيان للخبرية.
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] بمعنى ليعلم. ثم قال :" فإن قلت : ما فائدةُ زيادتها ؟ قلت : توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل : ليتحقَّق علمُ أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتُلْزمَه نفسك إذ أمرتك ؟ وأنشدوا على زيادة " لا " قولَ الشاعر :
| أبى جودُه لا البخلَِ واستعجلَتْ نَعَمْ | به مِنْ فتى لا يمنع الجودَ نائلُه |
| أَفَعَنْكَ لا برقٌ كأنَّ وميضَه | غابٌ تَسَنَّمَه ضِرامٌ مُثْقَبُ |
وقد زعم جماعةٌ أن " لا " في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم : في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به النفي، والتقدير : ما منعك فأحوجك أن لا تسجد ؟ وقال بعضهم : المعنى على ما ألجأك أن لا تسجد ؟ وبعضهم : مَنْ أمَرَكَ أن لا تسجد ؟ ومَنْ قال لك أن لا تسجد، أو ما دَعاك أن لا تسجد ؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرَّج مِنْ نسبة الزيادة إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام ؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين.
و " ما " استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ بعدها أي : أيُّ شيء منعك. و " أَنْ " في محل نصبٍ أو جر لأنها على حَذْفِ حرف الجر إذ التقدير : ما منعك من السجود ؟ و " إذ " منصوب بتسجد أي : ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به. وقوله :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ لا محلَّ لهذه الجملةِ لأنها كالتفسير والبيان للخبرية.