الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون [ مشارق الارض (١) ]﴾[ ١٣٧ ]الآية.
قوله :﴿مشارق الارض ومغاربها﴾، مفعول " بأورث " (٢).
وقال الفراء، والكسائي : هو ظرف (٣). وتقدير الكلام عندهم :
﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ في ﴿مشارق الارض ومغاربها﴾ الأرض ﴿التي باركنا فيها﴾، في مشارق الأرض ومغاربها. ف( التي (٤) ) : مفعول ل :( أورثنا ) (٥).
والمعنى : أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فرعون يستخدمهم استضعافا لهم، ﴿مشارق الارض﴾، أي : أرض الشام (٦)، في قول الحسن (٧)، وهو ما يلي المشرق، ﴿ومغاربها﴾ ما يلي المغرب، ﴿التي باركنا فيها﴾[ ١٣٧ ]، أي : التي جعلنا الخير فيها ثابتا (٨) دائما (٩).
وقال الليث (١٠) :﴿الارض﴾، هنا أرض مصر، وإن مصر هي التي بارك الله فيها (١١).
قال (١٢) الليث : مصر مباركة في كتاب (١٣) الله، جل ذكره، لقوله تعالى :﴿التي باركنا فيها﴾، قال : هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم : مَصَرَ الشاة يمصرها مصرا (١٤) : إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت : مِصرا (١٥) لاجتماع الخير فيها (١٦).
وروي عن ابن عمر (١٧) أنه قال : نيل (١٨) مصر سيد الأنهار، وسخر الله، عز وجل له كل نهر (١٩) بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله، جل ذكره، أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأنهار عيونا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى الله، عز وجل إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره (٢٠).
وقال (٢١) ابن عمر (٢٢)، وغيره في قوله تعالى :﴿كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم (٢٣)، قال : كانت الجنات بحافتي (٢٤) هذا النيل، من أوله إلى آخره في الشقين جميعا، ما بين : أسوان (٢٥) إلى : رشيد (٢٦)، وكان له سبعة خُلُج (٢٧) : خليج الإسكندرية (٢٨)، وخليج دمياط، وخليج سردوس (٢٩)، وخليج منف (٣٠)، وخليج الفيُّوم (٣١)، وخليج المنهى (٣٢). وقيل : السابع (٣٣)، خليج سخا (٣٤)، كانت متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء (٣٥).
وقوله :﴿ومقام كريم﴾، يعني المنابر (٣٦). كان بها ألف (٣٧) منبر.
وقوله :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها﴾ (٣٨)، قال الطبري : لا يجوز أن تكون :﴿مشارق الارض ومغاربها﴾ نصبا (٣٩) على الظرف ؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم ( أحد ) (٤٠) يومئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائز أن يقال :﴿يستضعفون﴾ في مشارق الأرض وفي مغاربها (٤١).
وقد غلط (٤٢) الطبري على الفراء ؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف :﴿يستضعفون﴾، إنما جعله ظرفا مقدما للأرض التي بورك فيها (٤٣).
فتقدير الكلام :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ الأرض التي باركنا ( فيها (٤٤) ) في مشارق /الأرض ومغاربها. وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب ب :﴿أورثنا﴾ على أنه مفعول به أحسن (٤٥).
وقوله :﴿وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾[ ١٣٧ ].
أي : تمّم الله ( عز وجل (٤٦) ) لهم ما (٤٧) وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم على فرعون عدوهم، بصبرهم على عذاب فرعون لهم (٤٨).
وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته (٤٩) بمثله ؛ لأن البلاء إذا قوبل بمثله وُكل فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من الله، جل ذكره، أتاهم الله، ( عز وجل (٥٠) )، بالفرج (٥١) الذي أملوه (٥٢) وانتظروه من الله (٥٣)، ( سبحانه ) (٥٤).
وقال مجاهد : هو ظهور قوم موسى على فرعون (٥٥).
و " الكلمة " هنا : قول موسى :﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض﴾[ ١٢٩ ] (٥٦).
وقيل (٥٧) : هو قوله :﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة﴾، إلى :﴿(٥٨) يحذرون﴾ (٥٩).
وقوله :﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه (٦٠) )﴾[ ١٣٧ ]. أي : أهلكنا ما عمَّروا وزرعوا.
﴿وما كانوا يعرشون﴾[ ١٣٧ ]. أي :( وأهلكنا (٦١) ) ما كانوا (٦٢) يبنون (٦٣)، أي : خربنا (٦٤) ذلك (٦٥).
والضم والكسر في " ر " :﴿يعرشون (٦٦)، لغتان (٦٧).
١ زيادة من ج..
٢ مشكل إعراب القرآن ١/٣٠٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٤٧، والبيان في غريب القرآن ١/٣٧٢، وزاد: أي: جعلناهم ملوك الشام ومصر، والتبيان للعكبري ١/٥٩١، وتفسير القرطبي ٧/١٧٣، والبحر المحيط ٤/٣٧٥، والدر المصون ٣/٣٣٣، وفتح القدير ٢/٢٧٤..
٣ معاني القرآن للفراء ١/٣٩٧، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٤٧، وتفسير القرطبي ٧/١٧٣، والبحر المحيط ٤/٣٧٥، ووسم فيه بأنه: "تكلف وخروج عن الظاهر بغير دليل"، وفتح القدير ٢/٢٧٤..
٤ في ج: سيئة الخط، فوقها صاد ممدودة، وفي هامش "فالتي"، وفوقها رمز: صح..
٥ معاني القرآن للفراء ١/٣٩٧، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٤٧..
٦ وفيها ثلاث لغات: المد بدون همز. والهمز مع السكون. والهمز مع الفتح. ويطلق في التاريخ: على فلسطين وسورية ولبنان والأردن. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ١٤٧..
٧ تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/٢٣٤، وجامع البيان ١٣/٧٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٥٥١، ونسب فيها لقتادة أيضا. ينظر تفسير الماوردي ٢/٢٥٤، والدر المنثور ٣/٥٢٦..
٨ في "ر" تاتينا، وهو تحريف لا معنى له..
٩ جامع البيان ١٣/٧٦، بتصرف..
١٠ هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث المصري، ثقة، روى له الستة، توفي سنة ١٧٥هـ. انظر: تهذيب التهذيب ٣/٤٨١، وما بعدها، وتقريب التهذيب /٤٠٠..
١١ في البحر ٤/٣٧٥: "وقال الليث: هي مصر بارك الله فيها بما يحدث عن نيلها من الخيرات وكثرة الحبوب والثمرات"، وانظر فيه أقوالا أخرى..
١٢ في ج: وقال..
١٣ في الأصل: كتب. وأثبت ما في "ج" و"ر"..
١٤ قوله: "مصر الشاة يمصرها إذا حلب كل شيء في ضرعها". فيه سقط واضطراب في ج، وصحح في الهامش، ولكنه مطموس بفعل الرطوبة..
١٥ في ج: مصر..
١٦ في اللسان /مصر: "الليث: المصر: حلب بأطراف الأصابع والسبابة والوسطى والإبهام، ونحو ذلك". انظر معجم البلدان /مصر..
١٧ كذا في المخطوطات الثلاث. وفي تفسير القرطبي ١٣/٧٠، وتفسير ابن كثير ٤/١٤١: "عبد الله بن عمرو بن العاص"، وهو الصواب، إن شاء الله..
١٨ في ج: إن نيل..
١٩ كلمة نهر، تحرفت في الأصل إلى: كأنهن..
٢٠ تفسير القرطبي ١٣/٧٠، وتفسير ابن كثير ٤/١٤١، ومعجم البلدان /نيل، وعزى فيه إلى عمرو بن العاص..
٢١ في ج: قال، وفي ر: أفسدته الرطوبة والأرضة..
٢٢ كذا في المخطوطات الثلاث. وفي تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير: "عبد الله بن عمرو"، وقد سلفت الإشارة إليه قريبا..
٢٣ الدخان: ٢٤، ٢٥..
٢٤ في الأصل: بحفاتي، وصوابه من ج، ومصادر التوثيق، ص: ٢٥٢٥، هامش ١. وفي ر: طمس بفعل الرطوبة والأرضة. وحافتا الوادي: جانباه. المختار/حوف..
٢٥ أسوان تحرفت في الأصل إلى: سوار، والتصويب من ج، و ر، ومصادر التوثيق، ص: ٢٥٢٥، هامش١..
٢٦ رشيد: بفتح أوله، وكسر ثانيه: بليدة على ساحل البحر. والنيل قرب الإسكندرية، خرج منها جماعة من المحدثين. معجم البلدان /رشيد..
٢٧ في الأصل: خليج، وهو تحريف، وصوابه من ج، وتفسير ابن كثير ٤/١٤١. والخليج: امتداد من الماء متوغل في اليابس. والنهير يقتطع من النهر الكبير إلى جهة ينتفع به. جمع: خُلُج، (بضمتين)، وخلجان. المعجم الوسيط /خلج..
٢٨ في الأصل: الإسكندرية، وهو سهو ناسخ..
٢٩ قال ياقوت في معجم البلدان/سردد: "... ، كانت خلجان مصر سبعة على جوانبها الجنات، منها خليج سردوس..
٣٠ منف: بالفتح، ثم السكون، وبفاء في الآخر. انظر: معجم البلدان منف. وخليج منف لحق في ج..
٣١ الفيُّوم: بالفتح، وتشديد ثانيه، ثم واو ساكنة، وميم. انظر: معجم البلدان/فيوم..
٣٢ المنهى: بالفتح، والقصر، كأنه اسم مكان من: نهاه ينهاه. انظر: معجم البلدان/المنهى..
٣٣ في ج،: ح الخليج السابع..
٣٤ سخا: كورة بمصر. انظر: معجم البلدان/سخا. والكورة بوزن الصورة: المدينة والصقع، (بالضم: الناحية)، والجمع: كور. وفي المخطوطات الثلاث: سحا، بحاء مهملة، وهو تصحيف، وفي ج: وضع تحت المهمل همزة، دلالة على الإهمال. انظر تحقيق النصوص لهارون ٤٩..
٣٥ انظر: تفسير القرطبي ١٣/٧٠، وتفسير ابن كثير ٤/١٤١، ومعجم البلدان /نيل..
٣٦ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير كما في جامع البيان ١٣/١٥٩. وينظر البحر المحيط ٧/١٨..
٣٧ في ج: لف. وهو سبق قلم..
٣٨ في ج: عقب الآية لحق، نصه: ظرف في قول الفراء. وقول الفراء مضي قريبا ٢٩٦، والمصادر هناك..
٣٩ في الأصل، و (ر): نصب..
٤٠ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٤١ ونص عبارة الطبري في جامع البيان ١٣/٧٧: "وكان بعض أهل العربية يزعم أن ﴿مشارق الارض ومغاربها﴾، نصب على المحل، بمعنى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله: ﴿وأورثنا﴾ إنما وقع على قوله: ﴿التي باركنا فيها﴾.
وذلك قول لا معنى له؛ لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه، ولم يكن له سلطان إلا بمصر، فغير جائز، والأمر. كذلك أن يقال: الذين يُستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها"..

٤٢ في ج: وغلط، وفي الأصل: غلظ، بظاء معجمة، وهو تصحيف. وغلط في الأمر من باب طرب المختار/غلط..
٤٣ انظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٩٧..
٤٤ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٤٥ انظر: مشكل إعراب القرآن ١/٣٠٠..
٤٦ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٤٧ في ج فوق "ما" حرف "على" ولا مسوغ له..
٤٨ جامع البيان ١٣/٧٧، بتصرف يسير في اللفظ..
٤٩ في الأصل: من مقابلة. وأثبت ما في (ج) و (ر)..
٥٠ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٥١ في ج: الفرج، وهو سبق قلم..
٥٢ في ر: الذي علموه..
٥٣ انظر: تفسير الحسن البصري ١/٣٨٦، والكشاف ٢/١٤٣، والمحرر الوجيز ٢/٤٤٧، وتفسير الرازي ٧/٢٣١، والبحر المحيط ٤/٣٨٦.
وهذه المصادر نصت صراحة على أفضلية الصبر على أذى السلطان؛ لأن من استنجد بالسيف وُكِل إليه، و"ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم، وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير" كما يقول الحسن البصري في تفسيره السالف ذكره..

٥٤ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٥٥ التفسير ٣٤٢، وجامع البيان ١٣/٧٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٥٥١، والدر المنثور ٣/٥٣٢، بلفظ: "هو ظهور موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم فيها"..
٥٦ معاني الزجاج ٢/٣٧١، وتفسير الماوردي ٢/٢٥٤، والمحرر الوجيز ٢/٤٤٦، والبحر المحيط ٤/٣٧٦..
٥٧ في الأصل، و ر: وهذا، وأثبت ما في ج..
٥٨ في الأصل: يجحدون، وهو سبق قلم.
وهو قول مجاهد في جامع البيان ١٣/٧٧، ٧٨. وينظر تفسير الماوردي ٢/٢٥٤، والمحرر الوجيز ٢/٤٤٦، والبحر المحيط ٤/٣٧٥، ٣٧٦..

٥٩ القصص: ٤، ٥. وتمام الآيتين: ﴿ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾..
٦٠ ما بين الهلالين ساقط من ج..
٦١ انظر: المصدر السابق..
٦٢ في الأصل: ما كان، وهو سهو ناسخ..
٦٣ قال في تفسير المشكل من غريب القرآن: ١٧٤: ﴿يعرشون﴾، أي: يبنون. وزاد ابن قتيبة في غريبه ١٧٢: "والعروش: البيوت. والعروش: السقوف"..
٦٤ خربنا، تحرفت في الأصل إلى: خرجنا، والتصويب من ج، وجامع البيان الذي نقل عنه مكي. وفي ر، أفسدته الرطوبة والأرضة..
٦٥ جامع البيان ١٣/٧٨، بتصرف. وانظر: البحر المحيط ٤/٣٧٦..
٦٦ في ج: رسمت في الموضعين بالعين المهملة، والشين المهملة، وهو تصحيف.
قال الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٤/٢١١: "وقرئ في الشواذ "يغرسون" بالغين المعجمة وفي الكشاف إنها تصحيف"..

٦٧ قال في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٧٥: "وهما لغتان مشهورتان... ، يقال: عَرَشَ يَعْرِشُ، ويَعْرُشُ بمعنى: بنى"...
قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بكسر الراء، هنا وفي النحل: ﴿مما يعرشون﴾[٦٨].
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: بضم الراء، هنا وفي النحل. الكشف ١/٤٧٥، وكتاب السبعة في القراءات ٢٩٢، وحجة القراءات لأبي زرعة ٢٩٤، والتيسير ٩٣، والمحرر الوجيز ٢/٤٤٧، وزاد المسير ٣/٢٥٣، والبحر المحيط ٤/٣٧٦، والدر المصون ٣/٣٣٤، وفيه "والكسر لغة الحجاز... ، وهي أفصح".
وقال الطبري في جامع البيان ١٣/٧٩: "فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لاتفاق معنيي ذلك، وأنهما معروفان من كلام العرب. وكذلك تفعل العرب في: "فعل"، إذا ردته إلى الاستقبال، تضم العين منه أحيانا وتكسره أحيانا. غير أن أحب القراءتين إلى "كسر الراء"، لشهرتها في العامة، وكثرة القراءة بها، وأنها أصح اللغتين". انظر: الحجة ١٦٢، لابن خالويه، وإعراب القراءات السبع وعللها ١/٢٠٣، ٢٠٤، له..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى