الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ : هذه اللامُ للاختصاص وكذا في قوله تعالى :
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإِسراء: ٧٨]/ وليست بمعنى " عند " كما وَهِمَ بَعضُهم.
قوله :﴿أَرِنِي﴾ مفعولُه الثاني محذوفٌ، والتقدير : أرني نفسَك أو ذاتك المقدسةَ وإنما حَذْفُه مبالغةٌ في الأدب، حيث لم يواجهْه بالتصريح بالمفعول. وأصل أَرِني : أَرْ إني فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة. وقد تقدَّم تحريرُه.
قوله :﴿لَن تَرَانِي﴾ :" لن " قد تقدَّم أنه لا يلزم مِنْ نفيِها التأبيدُ وإن كان بعضُهم فَهِم ذلك، حتى إن ابن عطية قال :" فلو بَقينا على هذا النفي بمجرده لتضمَّن أن موسى لا يَراه أبداً ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى الحديثُ المتواتر : أنَّ أهلَ الجنةِ يَرَوْنه ". قلت : وعلى تقدير أنَّ " لن " ليست مقتضيةً للتأبيد فكلامُ ابنِ عطية وغيرِه ممن يقول : إن نفي المستقبل بعدها يَعُمُّ جميعَ الأزمنة المستقبلة صحيح لكن لِمَدْرك آخرَ : وهو أن الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ، وللبحث فيه مجال.
والاستدراكُ في قوله " ولكن انظر " واضحٌ. وقال الزمخشري :" فإن قلت : كيف اتصلَ الاستدراكُ في قوله " ولكن انظر " [ بما قبله ] ؟ قلت : اتصلَ به على معنى أن النظر إليَّ مُحالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر وهو أن تنظر إلى الجبل " وهذا على رأيه مِنْ أن الرؤية محالٌ مطلقاً في الدنيا والآخرة.
قوله :﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ قرأ الأخوان " دَكّاء " بالمدّ على وزن حَمْراء والباقون " دَكّاً " بالقصر والتنوين. فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين أحدهما : أنها مأخوذةٌ مِنْ قولهم : ناقةٌ دكَّاء، أي : منبسطة السَّنام غيرُ مرتفعتِه وإمَّا من قولهم : أرضٌ دكاء للناشزة. وفي التفسير : أنه لم يذهبْ كلُّه، بل ذهب أعلاه فهذا يناسبه. وأمَّا قراءة الجماعة ف " دَكٌّ " مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، أي مدكوكاً أو مندَكّاً، على حذف مضاف، أي : ذا دَكٍّ. وفي انتصابه على القراءتين وجهان، المشهور : أنه مفعولٌ ثان ل " جعل " بمعنى صيَّر. والثاني : وهو رأي الأخفش أنه مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير : دَكَّه دَكّاً.
وأمَّا على القراءة الأولى فهو مفعولٌ فقط، أي : صَيَّره مثلَ ناقةٍ دكاء أو أرضٍ دكاء. والدكُّ والدقُّ بمعنى وهو تفتيت الشيء وسَحْقُه. وقيل : تسويتُه بالأرض. وقرأ ابن وثاب :" دُكَّا " بضم الدال والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد كحُمر في حمراء وغُرّ في غَرَّاء، أي جعله قِطَعاً.
قوله :" صَعِقاً " حالٌ مقارنةٌ، والخُرورُ السُّقوط، كذا أطلقه الشيخ، وقيَّده الراغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوتِ الماءِ والريح وغيرِ ذلك ممَّا يَسْقُط من علوٍّ. والإِفاقة : رجوعُ الفهمِ والعقل إلى الإِنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ، ومنه إفاقة المريض وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحَلْب : وهي رجوع الدَّرِّ إلى الضَّرْع يُقال : استَفِقْ ناقَتَك، أي : اتركها حتى يعودَ لبنُها، والفُواق ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإِسراء: ٧٨]/ وليست بمعنى " عند " كما وَهِمَ بَعضُهم.
قوله :﴿أَرِنِي﴾ مفعولُه الثاني محذوفٌ، والتقدير : أرني نفسَك أو ذاتك المقدسةَ وإنما حَذْفُه مبالغةٌ في الأدب، حيث لم يواجهْه بالتصريح بالمفعول. وأصل أَرِني : أَرْ إني فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة. وقد تقدَّم تحريرُه.
قوله :﴿لَن تَرَانِي﴾ :" لن " قد تقدَّم أنه لا يلزم مِنْ نفيِها التأبيدُ وإن كان بعضُهم فَهِم ذلك، حتى إن ابن عطية قال :" فلو بَقينا على هذا النفي بمجرده لتضمَّن أن موسى لا يَراه أبداً ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى الحديثُ المتواتر : أنَّ أهلَ الجنةِ يَرَوْنه ". قلت : وعلى تقدير أنَّ " لن " ليست مقتضيةً للتأبيد فكلامُ ابنِ عطية وغيرِه ممن يقول : إن نفي المستقبل بعدها يَعُمُّ جميعَ الأزمنة المستقبلة صحيح لكن لِمَدْرك آخرَ : وهو أن الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ، وللبحث فيه مجال.
والاستدراكُ في قوله " ولكن انظر " واضحٌ. وقال الزمخشري :" فإن قلت : كيف اتصلَ الاستدراكُ في قوله " ولكن انظر " [ بما قبله ] ؟ قلت : اتصلَ به على معنى أن النظر إليَّ مُحالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر وهو أن تنظر إلى الجبل " وهذا على رأيه مِنْ أن الرؤية محالٌ مطلقاً في الدنيا والآخرة.
قوله :﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ قرأ الأخوان " دَكّاء " بالمدّ على وزن حَمْراء والباقون " دَكّاً " بالقصر والتنوين. فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين أحدهما : أنها مأخوذةٌ مِنْ قولهم : ناقةٌ دكَّاء، أي : منبسطة السَّنام غيرُ مرتفعتِه وإمَّا من قولهم : أرضٌ دكاء للناشزة. وفي التفسير : أنه لم يذهبْ كلُّه، بل ذهب أعلاه فهذا يناسبه. وأمَّا قراءة الجماعة ف " دَكٌّ " مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، أي مدكوكاً أو مندَكّاً، على حذف مضاف، أي : ذا دَكٍّ. وفي انتصابه على القراءتين وجهان، المشهور : أنه مفعولٌ ثان ل " جعل " بمعنى صيَّر. والثاني : وهو رأي الأخفش أنه مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير : دَكَّه دَكّاً.
وأمَّا على القراءة الأولى فهو مفعولٌ فقط، أي : صَيَّره مثلَ ناقةٍ دكاء أو أرضٍ دكاء. والدكُّ والدقُّ بمعنى وهو تفتيت الشيء وسَحْقُه. وقيل : تسويتُه بالأرض. وقرأ ابن وثاب :" دُكَّا " بضم الدال والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد كحُمر في حمراء وغُرّ في غَرَّاء، أي جعله قِطَعاً.
قوله :" صَعِقاً " حالٌ مقارنةٌ، والخُرورُ السُّقوط، كذا أطلقه الشيخ، وقيَّده الراغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوتِ الماءِ والريح وغيرِ ذلك ممَّا يَسْقُط من علوٍّ. والإِفاقة : رجوعُ الفهمِ والعقل إلى الإِنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ، ومنه إفاقة المريض وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحَلْب : وهي رجوع الدَّرِّ إلى الضَّرْع يُقال : استَفِقْ ناقَتَك، أي : اتركها حتى يعودَ لبنُها، والفُواق ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.