محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٤٣ من سورة الأعراف في ١٢٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٨٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

١٢٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَمّا جَآءَ مُوسَىَ لِمِيقَاتِنَا وَكَلّمَهُ رَبّهُ قَالَ رَبّ أَرِنِيَ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلََكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلّىَ رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرّ موسَىَ صَعِقاً فَلَمّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه، وكلّمه ربه وناجاه، قال موسى لربه : أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ قال الله له مجيبا : لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ.
وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه، ما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : إن موسى عليه السلام لما كلّمه ربه أحبّ أن ينظر إليه، قالَ رَبّ أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. فحفّ حول الجبل، وحفّ حول الملائكة بنار، وحفّ حول النار بملائكة، وحفّ حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : وَقَرّبْناهُ نَجِيّا قال : ثني من لقي أصحاب النبيّ ﷺ أنه قرّبه الربّ حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشوق إليه : رَبّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرَنِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ.
حدثنا القاسم، قال : ثني الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر الهذليّ، قال : لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه، فقال : رَبّ أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرَانِي وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا، من نظر إليّ مات. قال : إلهي سمعت منطقك واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك قال : فانظر إلى الجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف تراني.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أرِني أنْظُرْ إلَيْكَ قال : أعطني.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال : إني متعجل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين فخرج موسى إلى ربه متعجلاً للقيّه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل، ومعه السامريّ يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. فلما كلم الله موسى، طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال الله لموسى : إنّكَ لَنْ تَرَانِي ولكن انْظر إلى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَرانِي. . . الآية : قال ابن إسحاق : فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لما طلب النظر إلى ربه. وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة، أن قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله، والله أعلم. قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأوّل بأحاديث أهل الكتاب : إنهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربه أنه كان من كلامه إياه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، وردّ عليه ربه منه ما ردّ، أن موسى كان تطهّر وطهّر ثيابه وصام للقاء ربه فلما أتى طور سينا، ودنا الله له في الغمام فكلمه، سبحه وحمده وكبره وقدّسه، مع تضرّع وبكاء حزين، ثم أخذ في مدحته، فقال : ربّ ما أعظمك وأعظم شأنك كله، من عظمتك أنه لم يكن شيء من قبلك، فأنت الواحد القهار، كان عرشك تحت عظمتك نار توقد لك، وجعلت سرادق من دونه سرادق من نور، فما أعظمك ربّ، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام، فما أعظمك ربّ وأعظم ملكك في سلطانك، فإذا أردت شيئا تقضيه في جنودك الذين في السماء، أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر، بعثت الريح من عندك لا يراها شيء من خلقك إلاّ أنت إن شئت، فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك، فبلغوا لما أردت من عبادك، وليس أحد من ملائكتك يستطيع شيئا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عليّ، وأعظمت عليّ في الفضل، وأحسنت إليّ كلّ الإحسان، عظمتني في أمم الأرض، وعظمتني عند ملائكتك، وأسمعتني صوتك، وبذلت لي كلامك، وآتيتني حكمتك، فإن أعدّ نعماك لا أحصيها، وإن أردت شكرك لا أستطيعها. دعوتك ربّ على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشديدة، فضربت بعصاي التي في يدي البحر، فانفلق لي ولمن معي، ودعوتك حين جزت البحر، فأغرقت عدوّك وعدوّي، وسألتك الماء لي ولأمتي، فضربت بعصاي التي في يدي الحجر، فمنه أرويتني وأمتي، وسألتك لأمتي طعاما لم يأكله أحد كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قِبَل المشرق، ومن قِبَل المغرب. فناديتك من شرقي أمتي، فأعطيتهم المنّ من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السلوى من غربيهم من قِبَل البحر، واشتكيت الحرّ فناديتك، فظللت عليهم بالغمام، فما أطيق نعماك عليّ أن أعدّها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجئتك اليوم راغبا طالبا سائلاً متضرّعا، لتعطيني ما منعت غيري، أطلب إليك وأسألك يا ذا العظمة والعزّة والسلطان أن تريني أنظر إليك، فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شيء من خلقك. قال له ربّ العزّة : فلا ترى يا ابن عمران ما تقول ؟ تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا، أليس في السموات معمري، فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي، وليس في الأرض معمري، فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي، فلست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إليّ. قال موسى : يا ربّ أن أراك وأموت، أحبّ إليّ من أن لا أراك ولا أحيا، قال له ربّ العزّة : يا ابن عمران تكلّمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا. قال : ربّ تمم عليّ نعماك، وتمم عليّ فضلك، وتمم عليّ إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحبّ أن أراك فيطمئن قلبي. قال له : يا ابن عمران لن يراني أحد فيحيا. قال : موسى ربّ تمم عليّ نعماك وفضلك، وتمم عليّ إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت على أثر ذلك أحبّ إليّ من الحياة، فقال الرحمن المترحم على خلقه : قد طلبت يا موسى، وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن تنظر إليّ، فاذهب فاتخذ لوحين، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلاّ مجلسك يا ابن عمران، ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير. ففعل موسى كما أمره ربه، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر : فلما استوى عليه، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا، فقال : ضعي أكنافك حول الجبل، فسمعت ما قال الربّ ففعلت أمره، ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي يلي موسى أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر الله ملائكة الدنيا أن يمرّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمروا به طيران النعَر تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام : ربّ إني كنت عن هذا غنيا، ما ترى عيناي شيئا قد ذهب بصرهما من شعاع النور المتصفف على ملائكة ربي. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال الأسْد، لهم لَجَبٌ بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى ومما سمع، فاقشعرّت كلّ شعرة في رأسه وجلده، ثم قال : ندمت على مسئلتي إياك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء ؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فأقبلوا أمثال النسور لهم قصْف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم أو كلهب النار، ففزع موسى، وأيست نفسه، وأساء ظنه، وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة ورأسهم : مكانك يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصير عليه ؟ ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترِضوا على موسى بن عمران. فأقبلوا وهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مرّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرّوا به قبلهم. فاصطكت ركبتاه، وأرعد قلبه، واشتدّ بكاؤه، فقال خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترِضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم طرفه، ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفه خوفا، واشتدّ حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران واعترِضوا عليه. فهبطوا عليه في يد كلّ ملك مثل النخلة الطويلة نارا أشدّ ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم : سبوح قدّوس ربّ العزّة أبدا لا يموت، في رأس كلّ ملك منهم أربعة أوجه. فلما رآهم موسى رفع صوته يسبّح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول : ربّ اذكرني، ولا تنس عبدك لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا ؟ إن خرجت أحرقت، وإن مكثت متّ. فقال له كبير الملائكة ورئيسهم : قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتدّ بكاؤك فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران وكان جبل موسى جبلاً عظيما، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال : مرّوا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثير ما رأى فانفرج الجبل من عظمة الربّ، وغشي ضوء عرش الرحمن جبل موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتها جميعا، فارتجّ الجبل فاندكّ، وكلّ شجرة كانت فيه، وخرّ العبد الضعيف موسى بن عمران صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتغشاه برحمته وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمعدة، كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع، قال : فقام موسى يسبح الله ويقول : آمنت أنك ربي، وصدّقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك ربّ وأعظم ملائكتك، أنت ربّ الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، تأمر الجنود الذين عندك فيطيعونك، وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، ربّ تبت إليك، الحمد لله الذي لا شريك له، ما أعظمك وأجلك ربّ العالمين

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا تَجَلّى رَبّهُ للْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا وَخَرّ مِوسَى صَعِقا.


يقول تعالى ذكره : فما اطلع الربّ للجبل جعل الله الجبل دكّا : أي مستويا بالأرض. وخَرّ م
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخور، ولم يخر إلا مرة واحدة، وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين الليلة يلتمس هذا! (هذا إلهُكُمْ وإلهُ مُوسَى فَنَسِي)، [طه: ٨٨]. يقول: إن موسى عليه السلام نسي ربّه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه (١) = "وكلمه ربه"، وناجاه = " قال" موسى لربه = (أرني أنظر إليك)، قال الله له مجيبًا: " (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل).
* * *
وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه، ما:-
١٥٠٧٣ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه، أحب أن ينظر إليه = قال: "رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"، فحُفَّ حول الجبل [بملائكة]، (٢) وحُفَّ حول الملائكة بنار، وحُفّ حول النار بملائكة، وحُفّ حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل.
١٥٠٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن
(١) انظر تفسير ((الميقات)) فيما سلف قريباً ص: ٨٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) هذه الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.
أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، [مريم: ٥٢]، قال: حدثني من لقي أصحاب النبي ﷺ أنه قرّبه الربّ حتى سمع صَرِيف القلم، (١) فقال عند ذلك من الشوق إليه: (رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل).
١٥٠٧٥ - حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي قال: لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله، اشتاق إلى النظر إليه فقال: (ربّ أرني أنظر إليك! قال: لن تراني)، وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا، من نظر إلي مات! قال: إلهي سمعت منطقك، واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموتُ أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك! قال: فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني.
١٥٠٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (أرني انظر إليك)، قال: أعطني.
١٥٠٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: استخلف موسى هارون على بني إسرائيل وقال: إني متعجل إلى ربي، فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقيّه شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل، ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. فلما كلم الله موسى، طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال الله لموسى: إنك لن تراني، (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)، الآية. قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لما طلب النظر إلى ربه، وأهل الكتاب يزعمونَ وأهلُ التوراة: أنْ قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة، ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله، والله أعلم. =
قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأوّل بأحاديث أهل الكتاب، إنهم
(١) ((صريف القلم والباب والناب))، ونحوها: وهو مثل ((الصرير))، وهو صوت ممتد حاد.
يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربه، أنه كان من كلامه إياه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، وردّ عليه ربه منه ما ردّ: أن موسى كان تطهّر وطهّر ثيابه، وصام للقاء ربه. فلما أتى طور سينا، ودنا الله له في الغمام فكلّمه، سبحه وحمّده وكبره وقدَّسه، مع تضرع وبكاء حزين، ثم أخذ في مِدْحته، فقال: ربّ ما أعظمك وأعظم شأنك كله! من عظمتك أنه لم يكن شيء من قبلك، فأنت الواحد القهار، كأن عرشك تحت عظمتك نارًا توقد لك، وجعلت سرادقًا [من نور] من دونه سرادق من نور، (١) فما أعظمك ربّ وأعظم ملكك! جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام. فما أعظمك رب وأعظم ملكك في سلطانك! فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الذين في السماء أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر، بعثت الريح من عندك لا يراها شيء من خلقك، إلا أنت إن شئت، (٢) فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك، فبلغوا لما أردت من عبادك. (٣) وليس أحد من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك ولا من عرشك ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عليّ وأعظمت عليّ في الفضل، وأحسنت إليّ كلّ الإحسان! عظمتني في أمم الأرض، وعظمتني عند ملائكتك، وأسمعتني صوتك، وبذلت لي كلامك، وآتيتني حكمتك، فإن أعدَّ نعماك لا أحصيها، وإن أُرِد شكرك لا أستطيعه. (٤) دعوتك، ربّ، على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشديدة، فضربت بعصاي التي في يدي البحر فانفلق لي ولمن معي! ودعوتك حين أجزتُ البحر، (٥) فأغرقت عدوك وعدوّي. وسألتك الماء لي ولأمتي، فضربت بعصاي التي في يدي الحجر، فمنه أرويتني وأمتي. وسألتك لأمتي طعامًا لم يأكله أحد كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق ومن قبل المغرب، فناديتك من شرقي أمتي فأعطيتهم المن من مشرق لنفسي، (٦) وآتيتهم السلوى من غربيهم من قبل البحر، واشتكيت الحر فناديتك، فظللت عليهم بالغمام. فما أطيق نعماك علي أن أعدّها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعه. (٧) فجئتك اليوم راغبًا طالبًا سائلا متضرعًا، لتعطيني ما منعت غيري. أطلب إليك، وأسالك يا ذا العظمة والعزة والسلطان، أن تريني أنظر إليك، فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شيء من خلقك! قال له رب العزة: ألا ترى يا ابن عمران ما تقول؟ (٨) تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق! لا يراني أحد فيحيا، [أليس في السموات معمري، فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي، وليس في الأرض معمري، فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي]. (٩) فلستُ في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إليّ. قال موسى: يا رب، أن أراك وأموت، أحب إليّ من أن لا أراك وأحيا. قال له رب العزة: يا ابن عمران تكلمتَ بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا! قال: رب تمم علي نعماك، وتمم عليّ فضلك، وتمم عليّ إحسانك، بهذا الذي سألتك، (١٠) ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي. قال له: يا ابن عمران، لن يراني أحد فيحيا! قال: موسى رب تمم عليّ نعماك وتمم عليّ فضلك، وتمم علي إحسانك بهذا الذي سألتك، فأموت على أثر ذلك، (١١) أحب إلي من الحياة! فقال الرحمن المترحِّم على خلقه: قد طلبت يا موسى، [وحيـ] لأعطينك (١٢) سؤلك إن استطعت أن تنظر إليّ، فاذهب فاتخذ لوحين، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران. ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير، ففعل موسى كما أمره ربه، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل فجلس على الحجر، فلما استوى عليه، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا فقال: ضعي أكتافك حول الجبل. فسمعت ما قال الرب، ففعلت أمره. ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي يلي موسى أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر الله ملائكة الدنيا أن يمرُّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمروا به طيرانَ النُّغَر، (١٣) تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام: رب، إني كنت عن هذا غنيًّا، ما ترى عيناي شيئًا، قد ذهب بصرهما من شعاع النور المتصفِّف على ملائكة ربي! ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه! فهبطوا أمثال الأسد لهم لَجَبٌ بالتسبيح والتقديس، (١٤) ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى ومما سمع، فاقشعرّت كل شعرة في رأسه وجلده، ثم قال: ندمت على مسألتي إياك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له كبير الملائكة ورأسهم (١٥) يا موسى، اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت! ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه! فأقبلوا أمثال النسور لهم قَصْفٌ ورجفٌ ولجبٌ شديد، (١٦) وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس، كلجَب الجيش العظيم، كلهب النار. (١٧) ففزع موسى، وأَسِيَتْ نفسه وأساء ظنه، (١٨) وأَيِسَ من الحياة، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: مكانك يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصبر عليه! ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران! فأقبلوا وهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مرُّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرُّوا به قبلهم. فاصطكّت ركبتاه، وأرعد قلبه، واشتد بكاؤه، فقال كبير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت، فقليل من كثيرٍ ما رأيت! ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أن اهبطوا فاعترضوا على موسى! فهبطوا عليه سبعةَ ألوان، فلم يستطع موسى أن يُتبعهم طرفه، ولم ير مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفه خوفًا، واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران، مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه! ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أن اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران، واعترضوا عليه! فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارًا أشد ضوءًا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: "سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت" في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: "رب أذكرني، ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفلتُ مما أنا فيه أم لا إن خرجت أحرقت، وإن مكثت مت"! فقال له كبير الملائكة ورئيسهم (١٩) قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتد بكاؤك، فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران! وكان جبل موسى جبلا عظيما، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال: مرُّوا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثيرٍ ما رأى! فانفرج الجبل من عظمة الرب، وغشَّي ضوء عرش الرحمن جبل موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتها جميعا، فارتجّ الجبل فاندكَّ، وكل شجرة كانت فيه، وخرّ العبد الضعيفُ موسى بن عمران صعقًا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتغشاه برحمته (٢٠) وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمعِدة كهيئة القبة، (٢١) لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح، مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع. قال: فقام موسى يسبح الله ويقول: آمنت أنك ربي، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك ربّ، وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، تأمر الجنود الذين عندك فيطيعونك وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك، الحمد لله الذي لا شريك له، ما أعظمك وأجلّك ربَّ العالمين!
* * *
(١) الزيادة بين القوسين مما يقتضيه السياق.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: ((بعثت الريح))، ولا أشك أن الصواب ما أثبت، ويعني بذلك ما قال الله سبحانه في ((سورة غافر)) ١٥: " رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ "
(٣) في المطبوعة: ((لما أردت من عبادك)) وفي المخطوطة: ((ما أردت))، والصواب ما أثبت.
(٤) في المطبوعة: (وإن أردت شكرك لا أستطيعها))، وفي المخطوطة: ((وإن أرد شكرك لا أستطيعها))، والصواب ما أثبت.
(٥) في المطبوعة: ((جزت))، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضاً.
(٦) في المطبوعة: ((مشرقي لننفسى))، وهذه جملة مضطربة لا أدرى ما صوابها.
(٧) في المطبوعة والمخطوطة: ((لا أستطيعها))، والصواب ما أثبت.
(٨) في المطبوعة: ((فلا ترى)) وأثبت ما في المخطوطة.
(٩) هذه العبارة التي بين القوسين، لم أدر ما هي، قد جاءت في المخطوطة هكذا: ((في السماء معمري... ))، وسائر الجملة كما في المطبوعة. وأنا في شك من ألفاظها، ولم أستطع أن اهتدي إلى تحريفها، فوضعتها بين القوسين. والخبر كله مضطرب اللفظ، ولم أجده في مكان آخر. فلذلك تركته كما هو، إلا أن يكون خطأ ظاهراً.
(١٠) في المطبوعة: ((هذا الذي سألتك))، وأثبت ما في المخطوطة. وكذلك كانت في المطبوعة في الجملة التالية.
(١١) في المطبوعة: "هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت " زادها قياسًا على السالف قبلها وأثبت ما في المخطوطة.
(١٢) هذه الكلمة بين القوسين (هكذا في المخطوطة). ولا أدري ما قراءتها. وأما في المطبوعة فقد حذفها وغير ما بعدها وكتب: "وأعطيتك" مكان "لأعطينك".
(١٣) ((النغر)) (بضم ففتح) : ضرب من الطير حمر المناقير وأصول الأحناك، يقال: هو البلبل عند أهل المدينة.
(١٤) ((اللجب)) (بفتحتين) : ارتفاع الأصوات واختلاطها.
(١٥) في المطبوعة والمخطوطة: ((خير الملائكة)) وكأن الصواب ((كبير الملائكة))، كما أثبثها، وقد جاءت ((خير الملائكة)) في جميع المواضع الآتية، الأخير منها فقد كتبت علي الصواب: ((كبير)).
(١٦) في المطبوعة: ((نخف))، وفي المخطوطة: ((قصف)) غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. و ((القصف)) و ((القصيف)) صوت الرعد وما أشبهه.
(١٧) في المطبوعة: ((أو كلهب)) بزيادة ((أو)) وأثبت ما في المخطوطة.
(١٨) في المطبوعة: ((وأيست نفسه، وأساء ظنه)) وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب. يقال: ((أسيت نفسه)) أي: حزنت. وانظر تفسير ((ساء ظنه)) فيما سلف ٣: ٥٨٥، تعليق: ١، ومعناه: خامرته الظنون السيئة.
(١٩) انظر التعليق السالف ص: ٩٥، تعليق: ١.
(٢٠) في المطبوعة أسقط ((الروح)) من الجملة.
(٢١) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: ((كالمعدة))، ولا أدري أيصح هذا أم لا؟

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما اطّلع الرب للجبل، جعل الله الجبل دكًّا، أي: مستويًا بالأرض = (وخر موسى صعقًا)، أي: مغشيا عليه. (١)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٠٧٨ - حدثني الحسين بن محمد بن عمرو العن قزي قال، حدثني أبي قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)، قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر = (جعله دكًّا، قال: ترابًا = (وخر موسى صعقًا)، قال: مغشيًّا عليه.
١٥٠٧٩ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال: زعم السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: تجلى منه مثل الخِنصر، فجعل الجبل دكَّا، وخر موسى صعقًا، فلم يزل صعقًا ما شاء الله.
١٥٠٨٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وخر موسى صعقا)، قال: مغشيًّا عليه.
١٥٠٨١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال انقعر بعضه على بعض = (وخر موسى صعقًا)، أي: ميتا.
١٥٠٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (وخر موسى صعقًا)، أي: ميتًا.
(١) انظر تفسير ((الصعقة)) فيما سلف ٢: ٨٣، ٨٤ /٩: ٣٥٩.
١٥٠٨٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: (دكًّا)، قال: دك بعضه بعضًا.
١٥٠٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه.
١٥٠٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، عن الحجاج، عن أبي بكر الهذلي: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
١٥٠٨٦ - حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي قال، حدثنا قرة بن عيسى قال، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه فجعله دكًّا" = وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة. (١)
١٥٠٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال هكذا بإصبعه، (٢) =ووضع النبي ﷺ الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر =فساخ الجبل". (٣)
(١) الأثر: ١٥٠٨٦ - ((أحمد بن سهيل الواسطى))، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة. و"قرة أبي عيسى"، لم أجد له ترجمة ولا ذكرا. وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره نقلا عن هذا الموضع، ولم يزد علي أن قال: ((هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم)).
(٢) ((قال)) هنا بمعني: أشار.
(٣) الأثر: ١٥٠٨٧ - ((حماد))، هو حماد بن سلمة))، مضى مرارًا. و ((ثابت)) هو ثابت بن أسلم البناني))، ثقة، روى له الجماعة: مضى برقم: ٢٩٤٢، ٧٠٣٠. وهو إسناد رجالة ثقات. وهذا الخبر رواه الترمذي في تفسير الآية، من طريق سليمان بن حرب، عن حماد، ثم قال ((هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة)). وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٤٦، عن هذا الموضع في تفسير الطبري، ولكنه كتب إسناده هكذا: ((حدثنا حماد، عن ليث، عن أنس)) ثم قال: ((هكذا وقع في هذا الرواية: ((حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ليث، عن أنس)) وليس ذلك كما نقل، فان الثابت في المخطوطة والمطبوعة، ((حماد، عن ثابت، عن أنس))، ليس فيها ((ليث))، فلا أدرى كيف وقع هذا للحافظ ابن كثير، ولا من أين؟. وانظر تخريج الأثر التالي.
١٥٠٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا هدبة بن خالد قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا)، قال: وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل = فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ قال: فرفع ثابت يده فضرب صدر حُمَيْد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوله أنس، وأنا أكتمه! (١)
١٥٠٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا)، وذلك أن الجبل حين كُشِف الغطاء ورأى النور، صار مثل دكّ من الدكَّات. (٢)
(١) الأثر: ١٥٠٨٨ - هو مطول الأثر السالف. وقد رواه ابن كثير تفسيره ٣: ٥٤٦، ٥٤٧، ثم قال: ((وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المثنى، معاذ ابن معاذ العنبرى، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البنانى، عن أنس بن مالك)) ثم ذكر الخبر بنحوه. ثم قال: ((وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ)). ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٠، من طريق عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، وعن طريق سليمان بن حرب، عن حماد، بنحو حديث هد بة بن خالد، عن حماد، ثم قال: ((هذا حديث صحيح علي شرط مسلم)) ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير: ((وهذا إسناد صحيح له علة فيه)). بعد أن ذكر خبر أبي جعفر. و ((حميد)) المذكور في هذا الخبر، هو ((حميد الطويل)).
(٢) (٢) لعل صواب من ((الدكاوات))، كما سيأتي في ص: ١٠١، تعليق: ١.
١٥٠٩٠ - حدثنا الحرث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه)، فإنه أكبر منك وأشد خلقا = (فلما تجلى ربه للجبل)، فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل يندك على أوله (١). فلما رأى موسى ما يصنع الجبل، خر صعقًا.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (دكًّا). فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: (دكًّا)، مقصورًا بالتنوين بمعنى: "دكّ الله الجبل دكًّا" أي: فتته، واعتبارًا بقول الله: (كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا)، [سورة الفجر: ٢١] وقوله: (وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)، [سورة الحاقة: ١٤] واستشهد بعضهم على ذلك بقول حميد: (٢) يَدُكُّ أَرْكَانَ الجِبَال هَزَمُهْ تَخْطُرِ بِالبِيضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ (٣)
* * *
وقرأته عامة قرأة الكوفيين: "جَعَلَهُ دَكَّاءَ"، بالمد وترك الجر والتنوين، مثل
* * *
(١) (١) هكذا في المطبوعة: وفي المخطوطة: ((على أدله)) أيضاً، ولكن بشدة على اللام، فكأنها تقرأ: ((على أذله))، وهي أوضح معنى من التي في المطبوعة. يعني أنه ذل أشد ذل فاندك.
(٢) حميد، هو حميد الأرقط.
(٣) لم أجد البيتين في مكان، وفي تاريخ الطبري ٧: ٤١، أبيات من رجز، كأن الذي هنا من تمامها. وكان في المطبوعة هنا: ((هدمه))، والصواب ما أثبت، والمخطوطة غير منقوطة، وكأنها هناك راء مهملة لا دال. و ((الهزم)) (بفتحتين) و ((الهزيم)) هو صوت الرعد الذي يشبه التكسر، ومثله قول رؤبة في صفة جيش لجب: * يُرْجِفُ أَنْضَادَ الجِبَالِ هَزَمَهُ *
و ((تخطر)) أي تمشى متمايلة، تهز سيوفها معجبة مدلة بقوتها وبأسها و ((البهم)) جمع ((بهمة)) (بضم فسكون) : وهو الفارس الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له، ولا من أين يدخل عليه مقاتله، من شدة بأسه ويقظته. و ((البيض الرقاق)) : السيوف الرقيقة من حسن صقلها.
"حمراء" و"سوداء". وكان ممن يقرؤه كذلك، عكرمة، ويقول فيه ما:-
١٥٠٩١- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عباد بن عباد، عن يزيد بن حازم، عن عكرمة قال: "دكَّاء من الدكَّاوات". وقال: لما نظر الله تبارك وتعالى إلى الجبل صار صَحراء ترابًا. (١)
* * *
واختلف أهل العربية في معناه إذا قرئ كذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: "ناقة دكَّاء"، ليس لها سنام. وقال: "الجبل" مذكر، فلا يشبه أن يكون منه، إلا أن يكون جعله: "مثل دكاء"، حذف "مثل"، وأجراه مجرى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [سورة يوسف: ٨٢].
* * *
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضًا دكاء، ثم حذفت "الأرض"، وأقيمت "الدكاء" مقامها، إذْ أدَّت عنها.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءةُ من قرأ: (جَعَلَهُ دَكَّاءَ)، بالمد وترك الجر، لدلالة الخبر الذي رويناه عن رسول الله ﷺ على صحته. وذلك أنه روي عنه ﷺ أنه قال: "فساخ الجبل"، (٢) ولم يقل: "فتفتت" ولا "تحول ترابًا". ولا شك أنه إذا ساخ فذهب، ظهرَ وجهُ الأرض، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها، وصارت
(١) (١) الأثر ١٥٠٩١ - ((عباد بن عباد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي)) ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٨٢. و ((يزيد بن حازم بن يزيد الأزدي الجهضمي))، وثقه أحمد وابن معين، وهو أخو ((جرير ابن حازم))، أكبر منه. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/ ٢/٣٢٥، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٥٧. وقوله: ((دكاء من الدكاوات))، ((الدكاوات)) جمع ((دكاء))، وهي الرابية من الطين ليست غليظة، وأجروه مجرى الأسماء، لغلبته، كقولهم: ((ليس في الخضراوات صدقة)). وكان في المطبوعة: ((صار صخرة تراباً))، وفي المخطوطة: ((صار صحرا ترابا)) وهذا صواب قراءتها.
(٢) (٢) يعني في الأثرين رقم ١٥٠٨٧، ١٥٠٨٨
دكاء بلا سنام. وأما إذا دك بعضه، فإنما يكسر بعضه بعضًا ويتفتت ولا يَسُوخ. وأما "الدكاء" فإنها خَلَفٌ من "الأرض"، فلذلك أنثت، (١) على ما قد بينت.
* * *
فمعنى الكلام إذًا: فلما تجلى ربه للجبل ساخ، فجعل مكانه أرضًا دكاء. وقد بينا معنى "الصعق" بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ثاب إلى موسى عليه السلام فهمه من غشيته، وذلك هو الإفاقة من الصعقة التي خرّ لها موسى صلى الله عليه وسلم= " قال سبحانك"، تنزيهًا لك، يا رب، وتبرئةً أن يراك أحد في الدنيا، (٣) ثم يعيش = "تبت إليك"، من مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية= "وأنا أوّل المؤمنين"، بك من قومي، أن لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٠٩٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن موسى، عن أبي
(١) (١) في المطبوعة: ((فلذلك أتت)) وفي المخطوطة: ((فلذلك أتيت))، وصواب ذلك ما أثبت.
(٢) (٢) انظر تفسير ((الصعق)) فيما سلف ٢: ٨٣، ٨٤ /: ٣٥٩.
(٣) (٣) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١٢: ١٠، تعليق ١، والمراجع هناك.
جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: "تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين"، قال: كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
١٥٠٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغي له، فقال: "سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين"، قال أبو العالية: عنى: إني أوّل من آمن بك أنه لن يراك أحدٌ قبل يوم القيامة.
١٥٠٩٤- حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، قال سفيان، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وخر موسى صعقًا"، فمرّت به الملائكة وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحيَّض، لقد سألت ربك أمرًا عظيمًا! فلما أفاق قال: سبحانك لا إله إلا أنت تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين! قال: أنا أوّل من آمن أنه لا يراك أحدٌ من خلقك = يعني: في الدنيا.
١٥٠٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين"، يقول: أنا أوّل من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك.
١٥٠٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: "سبحانك تبت إليك"، قال: من مسألتي الرؤية.
١٥٠٩٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد: "قال سبحانك تبت إليك"، أن أسألك الرؤية.
١٥٠٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن رجل، عن مجاهد: "سبحانك تبت إليك"، أن أسألك الرؤية.
١٥٠٩٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
ابن عيينة، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد في قوله: "سبحانك تبت إليك"، قال: تبت إليك من أن أسألك الرؤية.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: وأنا أول المؤمنين بك من بني إسرائيل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٠٠- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العن قزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأنا أول المؤمنين"، قال: أول من آمن بك من بني إسرائيل.
١٥١٠١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأنا أول المؤمنين"، يعني: أول المؤمنين من بني إسرائيل.
١٥١٠٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "وأنا أول المؤمنين"، أنا أول قومي إيمانًا.
١٥١٠٣- حدثنا ابن وكيع والمثنى قالا حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن رجل، عن مجاهد: "وأنا أول المؤمنين"، يقول: أول قومي إيمانًا.
١٥١٠٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وأنا أول المؤمنين"، قال: أنا أول قومي إيمانًا.
١٥١٠٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: "وأنا أول المؤمنين"، قال: أول قومي آمن.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في قوله: "وأنا أول المؤمنين"،
على قول من قال: معناه: أنا أول المؤمنين من بني إسرائيل= لأنه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولدُ إسرائيل لصُلْبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء. فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن موسى، عليه السلام، أنه لما جاء لميقات الله تعالى، وحصل له التكليم من الله [ تعالى ](١) سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال :﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾
وقد أشكل حرف " لن " هاهنا على كثير من العلماء ؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال ؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار :﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
وقيل : إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعا بين هذه الآية، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة.
وقيل : إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى :﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وقد تقدم ذلك في الأنعام [ الآية : ١٠٣ ].
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى، عليه السلام :" يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده " ؛ ولهذا قال تعالى :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية : حدثنا أحمد بن سُهَيْل الواسطي، حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس، عن النبي ﷺ قال :" لما تجلى ربه للجبل، أشار بإصبعه فجعله دكًا " وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة(٢)
هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال(٣)
حدثني المثنى، حدثنا حجَّاج بن مِنْهال، حدثنا حَمَّاد، عن لَيْث، عن أنس ؛ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال :" هكذا بإصبعه - ووضع النبي ﷺ إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل " (٤)
هكذا وقع في هذه الرواية " حماد بن سلمة، عن ليث، عن أنس ". والمشهور :" حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس "، كما قال ابن جرير :
حدثني المثنى، حدثنا هُدْبَة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال : قرأ رسول الله ﷺ : قال ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال : وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال : فساخ الجبل - قال حميد لثابت : تقول هذا ؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال : يقوله رسول الله ﷺ، ويقوله أنس وأنا أكتمه ؟(٥)
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا أبو المثنى، معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في قوله :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ جَعَلَهُ دَكًّا ]﴾(٦) قال : قال هكذا - يعني أنه خرج طرف الخنصر - قال أحمد : أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل : ما تريد إلى هذا يا أبا محمد ؟ قال : فضرب صدره ضربة شديدة وقال : من أنت يا حميد ؟ ! وما أنت يا حميد ؟ ! يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ، فتقول أنت : ما تريد إليه ؟ !
وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد [ بن سلمة ](٧) به(٨) ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق، عن حماد بن سلمة، به. وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه(٩) (١٠)
ورواه أبو محمد الحسن(١١) بن محمد الخلال، عن محمد بن علي بن سُوَيْد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال : هذا إسناد صحيح لا علة فيه.
وقد رواه داود بن المحبر، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا [ وهذا ليس بشيء، لأن داود ابن المحبر كذاب ورواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر ](١٢) بنحوه(١٣)
وأسنده ابن مردويه من طريقين، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنس مرفوعا(١٤) بنحوه، وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيْلِمِاني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا، ولا يصح أيضًا.
وقال السُّدِّي، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال : ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال : ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال : مغشيًا عليه. رواه ابن جرير.
وقال قتادة :﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال : ميتًا.
وقال سفيان الثوري : ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه(١٥)
وقال سُنَيْد، عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس بن مالك ؛ أن النبي ﷺ قال :" لما تجلى الله للجبال(١٦) طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة : أحد، وورقان، ورضوى. ووقع بمكة : حراء، وثَبِير، وثور ".
وهذا حديث غريب، بل منكر(١٧)
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهَيْثَم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حُصَين بن عَلاق، عن عُرْوة بن رُوَيم قال : كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًا مُلْسا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دك(١٨) وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف.
وقال الربيع بن أنس :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دك من الدكاك. وقال بعضهم :﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي : فتته.
وقال مجاهد في قوله :﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فإنه أكبر منك وأشد خلقا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقًا.
وقال عكرمة :﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال : نظر الله إلى الجبل، فصار صحراء ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع، رواه بن مردويه.
والمعروف أن " الصَّعْق " هو الغشي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، لا كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي، وهي قوله :﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ والإفاقة إنما تكون من(١٩) غشي.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد من الدنيا إلا مات.
وقوله :﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد : أن أسألك الرؤية.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد : من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس :﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد. وكذا قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول : أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
وهذا قول حسن له اتجاه. وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرًا طويلا فيه غرائب وعجائب، عن محمد بن إسحاق بن يسار [ رحمه الله ](٢٠) وكأنه تلقاه من الإسرائيليات(٢١) والله [ تعالى ](٢٢) أعلم.
وقوله :﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ فأما حديث أبي سعيد، فأسنده البخاري في صحيحه هاهنا، فقال :
حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال : جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه، فقال : يا محمد، إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال :" ادعوه " فدعوه، قال :" لم لطمت وجهه ؟ " قال : يا رسول الله، إني مررت باليهودي فسمعته يقول : والذي اصطفى موسى على البشر.
قال : قلت : وعلى محمد ؟ فأخذتني غضبة(٢٣) فلطمته، قال :" لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ".
وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب " السنة " من سننه من طرق، عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، به(٢٤)
وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده :
حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : استب رجلان : رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم : والذي اصطفى محمدًا على العالمين. وقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ، فسأله فأخبره، فدعاه رسول الله ﷺ، فاعترف بذلك، فقال رسول الله ﷺ :" لا تخيروني على موسى ؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله، عز وجل ". أخرجاه في الصحيحين، من حديث الزهري، به(٢٥)
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، رحمه الله : أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق، رضي الله عنه(٢٦) ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم.
والكلام في قوله، عليه السلام :" لا تخيروني على موسى "، كالكلام على قوله :" لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى "، قيل : من باب التواضع. وقيل : قبل أن يعلم بذلك. وقيل : نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب. وقيل : على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم.
وقوله :" فإن الناس يصعقون يوم القيامة "، الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى
١ زيادة من ك، أ.
.

٢ تفسير الطبري (١٣/٩٨)..
٣ في أ: "وقال"..
٤ تفسير الطبري (١٣/٩٩)..
٥ تفسير الطبري (١٣/٩٩)..
٦ زيادة من أ..
٧ زيادة من أ..
٨ المسند (٣/١٢٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٤) ورواه ابن خزيمة في التوحيد برقم (١١٣) من طريق معاذ بن جبل به..
٩ في أ: "يخرجه"..
١٠ المستدرك (٢/٣٢٠) ورواه ابن خزيمة في التوحيد برقم (١١٤) وابن الأعرابي في معجمه برقم (٤٠٥) من طريق عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة به..
١١ في أ ك: "أبو محمد بن الحسن"..
١٢ زيادة من أ..
١٣ ورواه ابن منده في الرد على الجهمية برقم (٥٩) من طريق شعبة به..
١٤ ورواه ابن عدي في الكامل (١/٣٥٠) من طريق أيوب بن خوط عن قتادة عن أنس مرفوعا وأيوب بن خوط متروك الحديث..
١٥ في أ: "بعد".
.

١٦ في أ: "للجبل"..
١٧ ورواه ابن الأعرابي في معجمه (١٦٦/٢) والمحاملي في أماليه (١/١٧٢/١) كما في االسلسة الضعيفة للشيخ ناصر الألباني برقم (١٦٢) والخطيب االبغدادي في تاريخ بغداد (١٠/٤٤١) كلهم من طريق عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن عبد الله به. قال الخطيب: "هذا الحديث غريب جدا لم أكتبه إلا بهذا الإسناد" وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/١٢٠) وقال: "قال ابن حبان: موضوع، وعبد العزيز متروك يروى المناكير عن المشاهير"..
١٨ في أ: "صارت دكا"..
١٩ في ك، م: "عن".
.

٢٠ زيادة من أ..
٢١ انظر: تفسير الطبري (١٣/٩١)..
٢٢ زيادة من م..
٢٣ في د: "غيظة"..
٢٤ صحيح البخاري برقم (٤٦٣٨، ٢٤١٢، ٦٩١٧، ٣٣٩٨، ٧٤٢٧، ٦٥١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٤) وسنن أبي داود برقم (٤٦٦٨).
.

٢٥ المسند (٢/٢٦٤) وصحيح البخاري برقم (٣٤٠٨، ٢٤١١) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٣)..
٢٦ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٤٣): "وأما كون اللاطم في هذه القصة الصديق فهو مصرح به فيما أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه وابن أبي الدنيا في "كتاب البعث" من طريقه عن عمرو بن دينار، عن عطاء وابن جدعان، عن سعيد بن المسيب قال: كان بين رجل من أصحاب النبي ﷺ وبين رجل من اليهود كلام في شيء فقال عمرو بن دينار: هو أبو بكر الصديق"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية اللّه، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
ف ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي : لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن اللّه تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية اللّه، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية اللّه تعالى، ولهذا رتب اللّه الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى اللّه له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي : انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية اللّه وعدم ثبوته لها(١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية اللّه، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و[ لذلك ](٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي : تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي : جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل اللّه له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه اللّه من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال :
١ - كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت..
٢ - زيادة من هامش ب..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٣ - ١٧١} ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إلى آخر قصته (١).
أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.
﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله.
(١) في ب: أورد الآيات كاملة.

فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.
فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
﴿وَنزعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فلهذا ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ماهر في سحره.
ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يريد أن يجليكم (١) عن أوطانكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس.
فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ؟
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألي وعدم -[٣٠٠]- المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
فـ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حية تسعى، فـ ﴿تَلْقَفُ﴾ جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: يكذبون به ويموهون.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾
أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.
(١) كذا في ب، وفي أ: يريد ليجليكم من.
فـ ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ متهددا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.
ثم موه على قومه وقال: ﴿إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.
وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.
ثم توعدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحل بكم من العقوبة.
﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
﴿ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا﴾ بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (١) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.
ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أفض ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (٢) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فـ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.
﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ -[٣٠١]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.
﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى مرجيا [لهم] (٣) الفرج والخلاص من شرهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد.
(١) زيادة من هامش ب، وهي في أ: آمنا بربنا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ويؤمن.
(٣) زيادة من هامش ب.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: الخصب وإدرار الرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا ﴿وَالْجَرَادَ﴾ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾.
وقال هنا: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[٣٠٢]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله ﴿مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ حين قال لهم موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
﴿فَأَتَوْا﴾ أي: مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.
فـ ﴿قَالُوا﴾ من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "
ولهذا قال لهم موسى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وآله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ﴾ النجاة من عذابهم ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.
ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.
ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهم الذين يعملون بالمعاصي.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت.
(٢) زيادة من هامش ب.

﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك -[٣٠٣]- وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، ﴿بِرِسَالاتِي﴾ التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
﴿وَبِكَلامِي﴾ إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على ما خصك وفضلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿مَوْعِظَةً﴾ ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
وأما غيرهم، فقال عنهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
﴿وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي﴾ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ "
ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
﴿وَلَمَّا﴾ رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الهم والندم على فعلهم، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ما صدر منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ أي: رماها من الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ولحيته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ لك بقولي: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فـ ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ -[٣٠٤]- و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: احتقروني حين قلت لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: فلا تظن بي تقصيرا ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ﴾ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فتعاملني معاملتهم.
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلها ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (١) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.
ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من شرك وكبائر، وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ﴿وَآمنُوا﴾ بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: مشتملة ومتضمنة ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] (٢) ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.
﴿و﴾ لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم ﴿اخْتَارَ مُوسَى﴾ منهم ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -[٣٠٥]- ذنوبهم.
(١) في النسختين: قتلى كثيرة.
(٢) زيادة من هامش ب.
وقال موسى في تمام دعائه ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ : وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ﴾ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه وبجلوه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا ﷺ قطعا.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ﴾ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لِمِيقَاتِنَا
فِي الوَقْتِ الَّذِي وَاعَدْنَاهُ فِيهِ.
صَعِقًا
مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.

إعراب الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

ضفدع. وَالدَّمَ عطف. قال أبو إسحاق آياتٍ مُفَصَّلاتٍ نصب على الحال. قال:
وتروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٧]

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا مفعولان. الَّتِي بارَكْنا فِيها في موضع نصب لمشارق ومغارب ويجوز أن يكون خفضا نعتا للأرض وزعم الكسائي والفراء «١» أنّ الأصل في مشارق الأرض وفي مغاربها ثم حذف «في» فنصب. قال الفراء: وتوقع «أورثنا» على «التي»، وأجاز الفراء «٢» أن يكونا مفعولين كما تقدم. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ رفع بفعلها. الْحُسْنى نعتها وروي عن عاصم كلمات ربّك الحسنى «٣».
وَما كانُوا يَعْرِشُونَ لغة فصيحة. قال الكسائي: وبنو تميم يقولون: «يعرشون» وبها قرأ عاصم ويقال أيضا: عكف يعكف ويعكف والمصدر منها جميعا على فعول.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٠]

قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)
قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ مفعولان أحدهما بحرف والأصل أبغي لكم. إِلهاً نصب على البيان. وَهُوَ ابتداء والخبر فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤١]

وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ أي واذكروا.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً مفعولان أي تمام ثلاثين ليلة. وقد ذكرنا واعدنا
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٧.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٥.
(٣) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٦. وقراءة ابن عامر وأبي بكر بضم الراء، وباقي السبعة والحسن ومجاهد وأبي رجاء بكسر الراء.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَرِنِى أَنظُرْ

(أَرنِى) اختلاس كسرة الراء ومد المنفصل حركتين أو ثلاث

الدوري عن أبي عمرو

(أَرْنِى) بإسكان الراء وقصر المنفصل

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(أَرِنِى) بكسر الراء وقصر المنفصل

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(أَرِنى) بكسر الراء ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(أَرِنى) بكسر الراء ومد المنفصل 4 حركات

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(أَرِنى) بكسر الراء ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(أَرِني) بكسر الراء ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع

أَفَاقَ قَالَ

إدغام القاف في القاف إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار القاف الأولى مفتوحة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

جَآءَ

بالإمالة ومد المتصل 4 حركات

ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

بالإمالة ومد المتصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح ومد المتصل 3 حركات

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

بالفتح ومد المتصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

بالفتح ومد المتصل 4 حركات

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي

بالفتح ومد المتصل 6 حركات

ورش عن نافع

دَكًّا

(دَكَّآءَ) بألف بعد الكاف وبعدها همزة مفتوحة دون تنوين ومد المتصل 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(دَكَّآءَ) بألف بعد الكاف وبعدها همزة مفتوحة دون تنوين ومد المتصل 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(دَكًّا) بتنوين الكاف وحذف الألف والهمزة والمد

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

قَالَ رَبِّ

إدغام اللام في الراء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار اللام مفتوحة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

قَالَ لَن

إدغام اللام في اللام إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار اللام الأولى مفتوحة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

وَأَنَاْ أَوَّلُ

(وَأَنَ أَوَّلُ) بحذف الألف

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(وَأَنَآ أَوَّلُ) إثبات ألف أنا ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(وَأَنَآ أَوَّلُ) إثبات ألف أنا ومدها حركتين

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(وَأَنَآ أَوَّلُ)إثبات ألف أنا ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

وَلَكِنِ انظُرْ

(وَلَكِنُ) بضم النون

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(وَلَكِنِ) بكسر النون

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٤٣ من سورة الأعراف

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٨٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٦٠ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة: في قوله: ﴿قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ أنّه لن تراك نفسٌ فتَحْيا، وإليها يَفْزَعُ كل عالِمٍ١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿وأَنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ على قولين: الأول: أول المؤمنين أنّك لن ترى في الدنيا. الثاني: أول المؤمنين بك من بني إسرائيل. الثالث: أول المؤمنين أنه لن تراك نفس فتحيا. ورَجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٣٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول أبي العالية، وما في معناه، وقال معلِّلًا: «لأنّه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولد إسرائيل لصلبه، كانوا مؤمنين وأنبياء». وذكر ابنُ عطية (٤/٤٣) احتمالًا بأنّ المعنى: أول من آمن «من أهل زمانه؛ أن كان الكفر قد طبق الآفاق».
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾، يعني: أول المُصَدِّقين بأنّك لن تُرى في الدنيا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وخر موسى صعقًا﴾، قال: مَغْشِيًّا عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، والبيهقي في الرؤية.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- ﴿وخر موسى صعقا﴾، قال: غُشِيَ عليه، إلّا أنّ روحه في جسده١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وخرَّ موسى صعقا﴾، أي: ميِّتًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ كثير (٦/٣٨٧) مستندًا إلى اللغة، والنظائر، والسياق قولَ قتادة، فقال: «والمعروف أنّ الصعق: هو الغشي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، لا كما فسره قتادة: بالموت، وإن كان صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ ومَن فِي الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فإنّ هناك قرينة تدل على الموت، كما أنّ هنا قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾، والإفاقة إنما تكون من غشي». وقال نحوه ابنُ عطية (٤/٤٢).
٦
قال محمد بن السائب الكلبي: خرَّ موسى صَعِقًا يوم الخميس يوم عرفة، وأُعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٩، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٨.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾، يعني: ميِّتًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
٨
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿وخر موسى صعقا﴾، أي: ميِّتًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨.
٩
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وخر موسى صعقا﴾، قال: مَغْشِيًّا عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك-: ﴿فلما أفاق قال﴾ لِعِظَم ما رأى: ﴿سبحانك﴾ تنزيهًا لله مِن أن يراه أحدٌ، ﴿تبت إليك﴾: رجعتُ عن الأمر الذي كنتُ عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح وغيره- في قوله: ﴿تبت إليك﴾، قال: من سُؤالي إيّاك الرؤيةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٢
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿فلما أفاق﴾، قال: فلمّا ردَّ الله عليه روحه ونفسه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا رأى موسى ذلك وأفاق؛ عَرَف أنّه قد سأل أمرًا لا ينبغي له، فقال: ﴿سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٣.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ يعني: ردَّ عليه نفسَه؛ ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ من قولي: ربِّ، أرني أنظر إليك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١، ٦٢.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- يقول: أوَّل المُصَدِّقين الآن أنّه لا يراك أحد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾، فمرَّت به الملائكة وقد صعِق، فقالت: يا ابن النساء الحُيَّض، لقد سألتَ ربَّك أمرًا عظيمًا. فلمّا أفاق قال: سبحانك، لا إله إلا أنت، تبت إليك، ﴿وأنا أول المؤمنين﴾. يقول: أنا أول مَن يؤمن أنّه لا يراك شيء من خلقك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ثُمَّ إنّه أفاق، فقال: ﴿سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنينَ﴾. يعني: أول المؤمنين من بني إسرائيل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٥، والحاكم ٢‏/‏٥٧٦. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٨
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- في قوله: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾، قال: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوَّلُ منْ آمنَ بأنّه لا يراك أحدٌ مِن خلقك إلى يوم القيامة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (٦/٣٨٨) على قول ابن عباس، وأبي العالية، فقال: «وهذا قول حسنٌ، له اتِّجاهٌ».
١٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وغيره- في قوله: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾، قال: أول قومي إيمانًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٤٣) في قوله تعالى: ﴿تبت إليك﴾ أنّ: «معناه: مِن أن أسألك الرؤية في الدنيا، وأنت لا تبيحها». ثُمَّ ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل عندي أنّه لفظٌ قاله لِشِدَّة هول ما اطلع، ولم يعن به التوبة من شيء معين، ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام».
٢٠
عن أنس -من طريق ثابت- عن النبي ﷺ، في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: «أظْهَرَ مِقدار هذا». ووضع الإبهام على خِنصَرِ الإصبع الصغرى. فقال حميدٌ: يا أبا محمد، ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره، وقال: مَن أنت يا حُميدُ، وما أنت يا حُميدُ؟! يُحَدِّثني أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ، وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏٢٨١ (١٢٢٦٠)، والحاكم ٢‏/‏٣٥١ (٣٢٤٩)، وابن جرير ١٠‏/‏٤٢٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٩ (٨٩٣٦)، ٥‏/‏١٥٦٠ (٨٩٤٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم». وقال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏١٢٢: «وهذا حديث لا يثبت». وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١‏/‏٣٠: «هذا الحديث صحيح».
٢١
قال عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار: ما تَجَلّى من عظمة الله للجبل إلا مِثْلُ سَمِّ الخِياط، يعني: صار دَكًّا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤/ ٢٧٨، وتفسير البغوي ٣/ ٢٧٧.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ موسى لَمّا كلَّمه ربُّه أحَبَّ أن ينظر إليه، فسأله، فقال: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾. قال: فحفَّ حولَ الجبل بالملائكة، وحفَّ حول الملائكة بنارٍ، وحفَّ حول النار بالملائكة، وحفَّ حولهم بنار، ثم تجلّى ربُّك للجبل، تَجَلّى منه مثل الخِنصَرِ، فجعل الجبلَ دَكًّا، وخرَّ موسى صَعِقًا، فلم يزل صَعِقًا ما شاء الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤١٩، ٤٢٧، وذكر أوله عن السدي، والحاكم ٢‏/‏٥٧٦. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: ما تجلّى منه إلا قَدْرُ الخِنصَرِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، والبيهقي في الرؤية.
٢٤
حُكي عن سهل بن سعد الساعدي: أنّ الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورًا قَدْرَ الدِّرهم، فجعل الجبلَ دَكًّا، أي: مُسْتَوِيًا بالأرض١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٨.
٢٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي سعد-: ﴿قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾؛ فإنّه أكبرُ منك، وأشدُّ خَلْقًا. قال: فلمّا تجلّى ربُّه للجبل، فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبلُ يَندَكُّ على أوَّلِه، فلمّا رأى موسى ما يصنعُ الجبلُ خرَّ موسى صَعِقًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢عبَّر ابنُ عطية (٤/٤١) عن قول مجاهد، فقال: «وقال مجاهد وغيره: إنّ الله عز وجل قال لموسى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد، فإن استَقَرَّ وأطاق الصَّبر لِهَيْبَتِي فسيُمْكِنك أنت رؤيتي». ثم وجَّهه بقوله: «فعلى هذا إنما جعل الله الجبلَ مثالًا». ثم نقل عن فرقة أنّ «المعنى: سأَتَبَدّى لك على الجبل، فإن اسْتَقَرَّ لعظمتي فسوف تراني».
٢٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الملك بن أبي سليمان- في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾، قال: كَشَف بعض الحُجُب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٧
قال الضحاك بن مزاحم: أظهر الله من نور الحُجُب مثلَ منخر ثور١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٧، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٧.
٢٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: إنّ موسى عليه السلام لَمّا كلَّمه ربُّه أحبَّ أن ينظر إليه، ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾. فحفَّ حول الجبل، وحفَّ حول الملائكة بنار، وحفَّ حول النار بملائكة، وحفَّ حول الملائكة بنار، ثم تجلّى ربُّه للجبل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤١٩.
٢٩
عن أبي مَعْشَرٍ، قال: مكث موسى أربعين ليلةً لا يَنظُرُ إليه أحدٌ إلا ماتَ؛ مِن نور ربِّ العالمين، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣٠
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب: أنّهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربِّه؛ أنّه كان من كلامه إيّاه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، ورَدَّ عليه ربُّه منه ما رَدَّ: أنّ موسى كان تَطَهَّر، وطَهَّر ثيابه، وصام للقاء ربه، فلمّا أتى طور سيناء ودنا اللهُ له في الغمام فكَلَّمه سَبَّحه، وحمده، وكبَّره، وقدَّسه، معَ تَضَرُّع وبكاء حزين، ثم أخذ في مدحته، فقال: ربِّ، ما أعظمك، وأعظم شأنك كله، من عظمتك أنّه لم يكن شيء قبلك، فأنت الواحدُ القهار، كأنّ عرشك تحت عظمتك نارًا توقد لك، وجعلت سُرادقًا من دونه سرادق من نور، فما أعظمك، ربِّ، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام، فما أعظمك ربِّ، وأعظم ملكك وسلطانك، فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الذين في السماء، أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر؛ بعثت الريح من عندك لا يراها شيءٌ من خلقك إلا أنت إن شئت، فدَخَلَتْ في جوف مِن شئت من أنبيائك، فبَلغوا ما أردت من عبادك، وليس أحدٌ من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عَلَيَّ، وأَعْظَمْتَ عَلَيَّ الفضل، وأحسنت إلَيَّ كُلَّ الإحسان، عَظَّمْتَنِي في أمم الأرض، وعَظَّمْتَني عند ملائكتك، وأَسْمَعْتَنِي صوتَك، وبَذَلْتَ لي كلامك، وآتيتني حِكْمَتك، فإنْ أعُدَّ نعماك لا أحصها، وإن أُرد شكرك لا أستطعه. دعوتك -ربِّ- على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشديدة، فضربت بعصاي التي في يدي البحر، فانفلق لي ولِمَن معي، ودعوتُك حين أجزت البحر، فأغرقتَ عدوَّك وعدوي، وسألتُك الماء لي ولأُمَّتي، فضربتَ بعصاي التي في يدي الحَجَر، فمنه أرويتني وأُمَّتي، وسألتك لِأُمَّتي طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قِبَل المشرق ومِن قِبَل المغرب، فناديتك من شرقي أمتي، فأعطيتني المَنَّ من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السلوى من غَرْبِيِّهم مِن قِبَل البحر، واشتكيت الحرَّ، فناديتُك، فظَلَّلْتَ عليهم الغمام، فما أطيق نعماك عَلَيَّ أن أعدها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجِئْتُك اليومَ راغبًا طالبًا سائلًا مُتَضَرِّعًا؛ لِتُعْطيني ما مَنَعْتَ غيري، أطلب إليك وأسألك -يا ذا العظمة والعِزَّة والسلطان- أن تريني أنظر إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أرى وجهَك الذي لم يَرَهُ شيءٌ من خلقك. قال له ربُّ العِزَّة: ألا ترى -يا ابن عمران- ما تقول؟! تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحدٌ فيحيا، أليس في السموات معمري؟! فإنّهُنَّ قد ضعفن أن يحملن عظمتي، أوليس في الأرض معمري؟! فإنها قد ضعفت أن تسع لجندي، فلستُ في مكان واحدٍ فأتَجَلّى لعينٍ تنظر إلي. قال موسى: ربِّ، أن أراك فأموت أحبُّ إلَيَّ مِن أن لا أراك فأحيا. قال له ربُّ العِزَّة: يا ابن عمران، تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا. قال: ربِّ، تَمِّم عَلَيَّ نعماك، وتَمِّمْ عَلَيَّ فضلك، وتَمِّمْ عَلَيَّ إحسانك بهذا الذي سألتك، ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي. قال له: يا ابن عمران، لن يراني أحدٌ فيحيا. قال موسى: ربِّ، تَمِّمْ عَلَيَّ نعماك وفضلك، وتَمِّمْ إلَيَّ إحسانك، بهذا الذي سألتُك، فأموت على إثر ذلك أحب إلَيَّ مِن الحياة. فقال الرحمنُ المُتَرَحِّم على خلقه: قد طلبتَ، يا موسى، وجئت لأُعطيتُك سُؤْلَك إن استطعت أن تنظر إلَيَّ، فاذهب فاتَّخِذْ لَوْحَيْن، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإنّ ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك، يا ابن عمران، ثم انظر فإنِّي أهْبِط إليك وجنودي من قليل وكثير. ففعل موسى كما أمره ربُّه، نَحَتَ لوحين، ثم صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر، فلمّا استوى عليه أمر الله جنودَه الذين في السماء الدنيا، فقال: ضعِي أكْنافَك حول الجبل. فسَمِعَت السماء ما قال الربُّ، ففعلت أمره، ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي عليه موسى؛ أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماء الدنيا أن يمُرُّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمَرُّوا به كثيران البقر، تنبُع أفواههم بالتَّقْدِيس والتَّسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرَّعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام: ربِّ، إنِّي كنتُ عن هذا غَنِيًّا، ما ترى عيناي شيئًا، قد ذهب بصرُهما من شعاع النور المُتَضَعِّفِ على ملائكة ربي. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه. فهبطوا أمثال الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ١ بالتسبيح والتقديس، ففزع العبدُ الضعيفُ ابنُ عمران مِمّا رأى ومِمّا سَمِع، فاقْشَعَرَّت كلُّ شعرة في رأسه وفي جلده، ثم قال: ندِمْتُ على مسألتي إيّاك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا موسى، اصْبِر لِما سألتَ، فقليلٌ من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى، فاعْتَرِضُوا عليه. فأقبلوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم، أو كلهب النار، ففزِع موسى، وأَسِيَتْ٢ نفسُه، وأساء ظنَّه، وأَيِس من الحياة، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: مكانَك، يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا، فاعْتَرِضُوا على موسى بن عمران. فأقبلوا، فهبطوا عليه، لا يشبههم شيء من الذين مرُّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرُّوا به قبلهم، فاصْطَكَّت ركبتاه، وأَرْعَدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، اصْبِر لِما سألتَ، فقليل من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أنِ اهبطوا، فاعترِضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يُتْبِعَهم طَرْفَه، لم يرَ مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفُه خوفًا، واشْتَدَّ حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، مكانَك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أنِ اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران، فاعترِضوا عليه. فهبطوا عليه، في يدِ كُلِّ مَلَك مثل النخلة الطويلة نارٌ، أشدّ ضوءًا من الشمس، ولباسهم كلَهَب النار، إذا سَبَّحوا وقدَّسُوا جاوبهم مَن كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سُبُّوح قُدُّوسٌ ربُّ العِزَّة أبدًا لا يموت. في رأس كل مَلَك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يُسَبِّح معهم حين سَبَّحوا، وهو يبكي، ويقول: ربِّ، اذكرني، ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفَلِتُ مِمّا أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ، وإن مَكَثْتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكة ورئيسُهم: قد أوشكتَ -يا ابن عمران- أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتد بكاؤك؛ فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال: مُرُّوا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثير ما رأى. فانفرج الجبلُ مِن عَظَمة الرب، وغشي ضوء عرش الرحمن جبلَ موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعًا، فارتجُّ الجبلُ، فاندَكَّ وكلُّ شجرة كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيف موسى بن عمران صَعِقًا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتَغَشّاه الروح برحمته، وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمَعِدَةِ، كهيئة القُبَّة؛ لِئَلّا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع، قال: فقام موسى يُسَبِّح الله، ويقول: آمنتُ أنّك ربي، وصدَّقْتُ أنّه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبُه، فما أعظمك ربِّ وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، تأمر الجنود الذين هم عبيدك فيطيعونك، وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربِّ تُبْتُ إليك، الحمد لله الذي لا شريك لك، ما أعظمك وأجلَّك، ربَّ العالمين٣٤
التخريج
  1. ١اللَّجَبُ: الصوت والغَلَبة مع اختلاط، وكأنه مقلوب الجَلَبة. النهاية (لجب).
  2. ٢حزنت. لسان العرب (أسي).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٠-٤٢٧. وينظر: تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٦- ٢٧٧، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٦، ٢٧٧. وتقدم في تفسير أول الآية قول ابن إسحاق: وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة أن قد كان لذلك تفسير وقصة وأمور كثيرة ومراجعة لم تأتنا في كتاب الله، والله أعلم.
تعليقات المحققين
  1. ٤انتقد ابنُ كثير (ت: سلامة ٣/٤٧٢) هذا الأثر، فقال: «وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرًا طويلًا، فيه غرائب وعجائب، عن محمد بن إسحاق بن يسار، وكأنّه تلقاه من الإسرائيليات».
٣١
عن وهب بن مُنَبِّه، نحوه مختصرًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٦-٢٧٧، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٦-٢٧٧.
٣٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى﴾ الجبلَ ﴿لِمِيقاتِنا﴾ يعني: لميعادنا؛ لتمام الأربعين يومًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
٣٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿قال رب أرني﴾، يقول: أعطِنِي أنظرْ إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣٤
قال الحسن البصري: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا... ﴾، لَمّا كلَّمه ربُّه دَخَل قلبُ موسى من السرور مِن كلام الله ما لم يصل إلى قلبه مثلُه قطُّ، فدَعَتْ موسى نفسُه إلى أن يسأل ربَّه أن يريه نفسه؛ ولو كان فيما عُهِد إليه قبلَ ذلك أنّه لا يُرى لَمْ يسأل ربَّه بما يعلم أنّه لا يعطيه إيّاه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٤١-.
٣٥
عن قتادة بن دعامة، قال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾، قال: لَمّا سمع الكلامَ طَمِع في الرُّؤْيَة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ: لَمّا كلَّم اللهُ موسى غاص الخبيثُ إبليسُ في الأرض حتى خرج بين قَدَمَيْ موسى، فوسوس إليه، وقال: إنّ مُكَلِّمَك الشيطانُ. فعند ذلك سأل الرؤية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٥، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٦.
٣٧
عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ [مريم:٥٢]، قال: حدثني مَن لَقِي أصحابَ النبي ﷺ: أنّه قرَّبه الربُّ حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك مِن الشوق إليه: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤١٩.
٣٨
عن أبي بكر الهذلي -من طريق حجّاج- قال: لَمّا تخلف موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام اللهَ اشتاق إلى النظر إليه، فقال: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾، وليس لبشر أن يُطِيق أن ينظر إلَيَّ في الدنيا، مَن نَظَر إلَيَّ مات. قال: إلهي، سمعتُ منطقك، واشتقتُ إلى النظر إليك، ولَأن أنظرَ إليك ثم أموتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أعيش ولا أراك. قال: فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني١
التخريج
  1. ١أخرجه جرير ١٠‏/‏٤١٩.
٣٩
قال مقاتل بن سليمان: فلمّا سمع كلام ربه استحلاه، واشتاق إلى رؤية ربه، قال: يا ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
٤٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: استخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إنِّي مُتَعَجِّل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بني إسرائيل، ومعه السامري، يسير بهم على أثر موسى لِيُلْحِقَهم به. فلمّا كلم اللهُ موسى طَمِع في رؤيته، فسأل ربَّه أن ينظر إليه، فقال الله له: إنّك ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ الآية. قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لَمّا طلب النظر إلى ربه، وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة: أن قد كان لذلك تفسيرٌ، وقِصَّةٌ، وأمور كثيرة، ومراجعة لم تَأْتِنا في كتاب الله، والله أعلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٠. وسيأتي ذكر ابن إسحاق لما نقله عن أهل الكتاب في خبر طويل جدًّا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾.
٤١
عن عبد الله بن عباس: ظهر نورُ ربه للجبل؛ جبل زبير١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٧، وتفسير البغوي٣‏/‏٢٧٧. وقال البغوي ٣‏/‏٢٧٦: وهو أعظم جبل بمدين، يُقال له: زبير.
٤٢
عن عبد الله بن عباس، قال: الجبلُ الذي أمر اللهُ أن ينظر إليه: الطور١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤٣
عن نَوْفٍ البِكاليِّ -من طريق أبي عمران الجوني- قال: أوحى الله إلى الجبال: إنِّي نازِلٌ على جبلٍ منكم. قال: فشَمَخَتِ الجبالُ كلُّها إلا جبل الطُّور، فإنّه تَواضَعَ، قال: أرْضى بما قُسِم لي. فكان الأمرُ عليه. وفي لفظٍ: قال: إن قُدِّر لي شيءٌ فسيأتيني. فأوحى الله إليه: إنِّي سأَنزِلُ عليك بتواضُعِك لي، ورِضاك بقُدْرَتي١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد في الزهد ص٦٦، وأبي نعيم في الحلية ٦‏/‏٤٩ دون آخره.
٤٤
عن قتادة بن دعامة، قال: لَمّا قيل للجبال: إنّه يُريدُ أن يَتَجلّى. تطاوَلَتِ الجبال كلُّها، وتَواضعَ الجبلُ الذي تَجَلّى له١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤٥
عن عبد الله بن عباس، قال: تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾. قال: «قال الله عز وجل: يا موسى، إنّه لا يراني حيٌّ إلّا مات، ولا يابسٌ إلا تَدَهْدَه١، ولا رطب إلا تفرَّق، وإنّما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم»٢
التخريج
  1. ١أي: تدحْرج وسقط. النهاية (دَأْدَأَ).
  2. ٢أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٣‏/‏٢٣٥، وأبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية ص١٧٥-١٧٦، من طريق الحكيم الترمذي، عن محمد بن رزام الأيلي، قال: حدثنا محمد بن عطاء الهجيمي، حدثنا محمد بن نصير، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. كذا سياق الإسناد في طبقات الصوفية، وفي الحلية: محمد بن عطاء، عن الهجيمي. وكلاهما غلط، والصواب: أحمد بن عطاء الهجيمي. ففي لسان الميزان لابن حجر ١‏/‏٥٣٧: «قال الدارقطني:»متروك«. والراوي عنه -وهو محمد بن رزام الأيلي- إن كان هو السليطي فقد قال عنه ابن حجر في لسان الميزان ٧‏/‏١٣٣:»متهم بوضع الحديث، يكنى أبا عبد الملك، قال الأزدي: تركوه. وقال الدارقطني: يُحَدِّث بأباطيل"".
٤٦
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أوحى الله إلى موسى بن عمران: إنِّي مُكَلِّمك على جبل طور سيناء. صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربع فراسخ في أربع فراسخ رعدٌ وبرقٌ وصواعقُ، فكانت ليلةَ قُرٍّ١، فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل طور سيناء، فإذا هو بشجرة خضراء، الماء يقطر منها، وتكادُ النار تلفح من جوفها، فوقف موسى مُتَعَجِّبًا، فنُودِيَ من جوف الشجرة: يا ميشا. فوقف موسى مستمعًا للصوت، فقال موسى: مَن هذا الصوت العِبْرانيُّ يُكَلِّمني؟ فقال الله له: يا موسى، إنِّي لست بعِبْرانيٍّ، إنِّي أنا الله رب العالمين. فكلَّم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة، ليس منها لغة إلا وهي مخالفة لِلُّغة الأخرى، وكتب له التوراة في ذلك المقام، فقال موسى: إلهي، أرني أنظر إليك. قال: يا موسى، إنه لا يراني أحد إلا مات. فقال موسى: إلهي، أرني أنظر إليك وأموت. فأجاب موسى جبلُ طور سيناء: يا موسى بن عمران، لقد سألتَ أمرًا عظيمًا، لقد ارْتَعَدَتِ السموات السبع ومَن فيهنَّ، والأرَضُونَ السبع ومَن فيهنَّ، وزالت الجبال، واضطَرَبَتِ البحار؛ لِعِظَم ما سألت، يا ابن عمران. فقال موسى، وأعاد الكلام: ربِّ، أرني أنظر إليك. فقال: يا موسى، انظر إلى الجبل، فإن استقرَّ مكانه فإنّك تراني. فلما تجلّى ربُّه للجبل جعله دكًّا، وخَرَّ موسى صَعِقًا مقدار جُمُعةٍ، فلما أفاق موسى مسح التُّراب عن وجهه، وهو يقول: سبحانك، تُبتُ إليك، وأنا أول المؤمنين. فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحدٌ إلا مات، واتخذ موسى على وجهه البُرْقُعَ، فجعل يُكَلِّم الناسَ بقَفاه، فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبرًا، حتى انتهوا إلى الضَّريحِ، فجاء موسى حتى أشرف عليهم، فقال لهم: لِمَن تَحْفِرُون هذا القبر؟ قالوا: لرجلٍ كأنّه أنت، أو مثُلك، أو في طولك، أو نحوك، فلو نزلت فقَدَرْنا عليك هذا الضريحَ. فنزل موسى، فتَمَدَّد في الضَّريح، فأمر اللهُ الأرض فانطَبَقَتْ به»٢
التخريج
  1. ١القُرُّ: البَرْد. النهاية (قَرَرَ).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤٧
عن عبد الله بن عباس، قال: حين قال موسى لربِّه -تبارك وتعالى-: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾. قال الله له: يا موسى، إنك ﴿لن تراني﴾. قال: يقول: ليس تراني. قال: لا يكون ذلك أبدًا، يا موسى، إنّه لا يراني أحدٌ فيَحْيا. فقال موسى: ربِّ، أن أراك ثم أموت أحبُّ إلَيَّ مِن ألّا أراك ثم أحيا. فقال الله لموسى: يا موسى، انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد، ﴿فإن استقر مكانه﴾ يقول: فإن ثبت مكانه لم يَتَضَعْضَعْ، ولم يَنْهَدَّ لبعض ما يرى مِن عِظَمي ﴿فسوف تراني﴾ أنت لِضَعْفِك وذِلَّتِك، وإنِ الجبلُ تَضَعْضَعْ وانْهَدَّ بقوَّته وشدته وعظمه فأنت أضْعَفُ وأَذَلُّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي سعد-: ﴿قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾؛ فإنّه أكبرُ منك، وأشدُّ خَلْقًا١
التخريج
  1. ١أخرجه جرير ١٠‏/‏٤٣٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ﴾: يا ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ﴾ له ربُّه: إنك ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ﴾ اجعل بيني وبينك عَلَمًا هو أقوى منك، يعني: الجبل ﴿انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وإن لم يستقر الجبلُ مكانَه فإنّك لن تطيق رؤيتي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
٥٠
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾، قال: «أخرج خِنصَرَه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٤٧٠-. قال ابن كثير: «لا يصح».
٥١
عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾، قال: «هكذا». وأشار بإصبعيه، ووضع طرف إبهامه على أُنمُلَةِ الخِنصَرِ، وفي لفظ: على المَفْصِلِ الأعلى مِن الخِنصَرِ «فساخ الجبلُ، وخرَّ موسى صَعِقًا»١. وفي لفظ: «فساخ الجبلُ في الأرض، فهو يَهْوِي فيها إلى يوم القيامة»٢
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٠‏/‏٤١١ (١٣١٧٨)، والترمذي ٥‏/‏٣١٠-٣١١ (٣٣٢٨)، والحاكم ٢‏/‏٦٣٠ (٤١٠٤)، وابن جرير ١٠‏/‏٤٢٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠ (٨٩٤٠). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٧٠: «ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلاّل... وقال: هذا إسناد صحيح، لا عِلَّة فيه».
  2. ٢أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٣‏/‏٤٧٠- واللفظ له، وابن الأعرابي في معجمه ٢‏/‏٤٩٠ (٩٢٤) بنحوه.
٥٢
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا كلَّم الله موسى يوم الطور كلَّمه بغيرِ الكلام الذي كلَّمه يومَ ناداه، فقال له موسى: يا ربِّ، أهذا كلامُك الذي كلَّمتني به؟ قال: يا موسى، إنّما كلَّمتُك بقوةِ عشرةِ آلافِ لسانٍ، ولي قُوَّةُ الأَلْسُنِ كلِّها وأقوى من ذلك. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صِفْ لنا كلامَ الرحمن. فقال: لا تستطيعونه، ألم ترَوا إلى أصواتِ الصَّواعق التي تُقبِلُ في أحلى حلاوةٍ سمِعْتموه؟! فذاك قريبٌ منه، وليس به»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦‏/‏٢١٠، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢‏/‏٣١-٣٢ (٦٠١)، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١١٩ (٦٢٨٦)، ٥‏/‏١٥٥٧-١٥٥٨ (٨٩٢٥)، ٩‏/‏٢٩٧٣ (١٦٨٨٢). قال أبو نعيم: «هذه الأحاديث مما تفرَّد بها الفضل، عن محمد بن المنكدر، ولم يُتابَع عليه، وما رواه عنه أبو عاصم العباداني فمن مفاريده عن الفضل، واسمه عبد الله بن عبيد الله المري، بصري، سكن عبادان، وفيه وفي الفضل ضعف ولين». وقال البيهقي: «حديث ضعيف؛ الفضل بن عيسى الرقاشي ضعيف الحديث، جرَّحه أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري». وقال ابن الجوزي في الموضوعات ١‏/‏١١٣: «وليس هذا حديث؛ ليس بصحيح». وقال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٤٧٥ معلقًا على رواية ابن أبي حاتم وابن مردويه: «وهذا إسناد ضعيف؛ فإنّ الفضل هذا الرقاشي ضعيف بمرة». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٠٤ (١٣٧٨٢): «رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف».
٥٣
عن أبي هريرة، رفعه: «لَمّا خرج أخي موسى إلى مُناجاةِ ربِّه كلَّمه ألفَ كلمة ومائتي كلمة، فأوَّل ما كلَّمه بالبَرْبَرِيَّة أن قال: يا موسى، ونفسي معبرا. أي: أنا الله الأكبر. قال موسى: يا ربِّ، أعْطَيْتَ الدنيا لأعدائِك، ومنَعتها أولياءَك، فما الحكمة في ذلك؟ فأوحى الله إليه: أعطَيتُها أعدائي لِيَتَمَرَّغوا، ومنَعتُها أوليائي ليتضرَّعوا»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الديلمي. وهو في الفردوس ولكن من رواية ابن عباس ٣‏/‏٤٢٥ (٥٣٠٤).
٥٤
عن الضحاك -من طريق جويبر- عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «إنّ الله -تبارك وتعالى- ناجى موسى عليه السلام بمائة ألفٍ وأربعين ألفَ كلمةٍ في ثلاثة أيام، فلمّا سمِع موسى كلامَ الآدميين مقَتَهم؛ لِما وقَع في مسامعه من كلام الربِّ عز وجل، فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، إنّه لَمْ يَتَصَنَّع المُتَصَنِّعون بمثل الزُّهْد في الدنيا، ولم يتقرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبون بمثل الوَرَع عما حرَّمتُ عليهم، ولم يتعبَّدِ المتعبِّدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا ربِّ، ويا إلهَ البَرِيَّةِ كلِّها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام، ماذا أعددتَ لهم، وماذا جزَيتَهم؟ قال: أمّا الزاهدون في الدنيا فإنِّي أُبيحُهم جنتي حتّى يتبوَّءوا فيها حيثُ شاءوا، وأمّا الورِعون عما حرَّمتُ عليهم فإذا كان يومُ القيامة لم يبقَ عبدٌ إلا ناقَشْتُه الحساب، وفتَّشْتُ عما في يديه، إلّا الورِعون فإنِّي أستَحْيِيهم، وأُجِلُّهم، وأُكرِمُهم، وأُدخِلُهم الجنَّةَ بغير حساب، وأمّا الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى، لا يُشاركُهم فيه أحد»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏١٢٠ (١٢٦٥٠)، والبيهقي في الشعب ١٣‏/‏١١٨-١١٩ (١٠٠٤٧). قال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٤٧٤: «هذا إسناد ضعيف؛ فإنّ جويبر ضعيف، والضحاك لم يدرك ابن عباس». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٠٣ (١٣٧٧٦): «رواه الطبراني، وفيه جويبر، وهو ضعيف جدًّا».
٥٥
عن كعب الأحبار، قال: لَمّا كلم الله موسى قال: يا ربِّ، أهكذا كلامُك؟ قال: يا موسى، إنّما أُكَلِّمُك بقوةِ عشرة آلافِ لسانٍ، ولي قُوَّةُ الألسنة كُلِّها، ولو كلَّمتُك بكُنْهِ كلامي لم تكُ شيئًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.
٥٦
عن كعب الأحبار -من طريق جرير بن جابر- قال: لَمّا كلَّم الله موسى كلَّمه بالألسنة كلها قبلَ كلامِه -يعني: كلامَ موسى-، فجعَل يقول: يا ربِّ، لا أفهم. حتى كلَّمه آخرَ الألسنة بلسانِه بمثلِ صوتِه، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، لو سمعتَ كلامي -أي: على وجهه- لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، هل في خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خَلقي شبهًا بكلامي أشدُّ ما سَمِع الناسُ من الصواعق١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٣٨-٢٣٩، وابن جرير ٧‏/‏٦٨٩-٦٩٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٨، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٢). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٧
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن السائب- قال: أدْناهُ حتى سَمِع صريفَ الأقلام١
التخريج
  1. ١أخرجه جرير ١٠‏/‏٤٥٥.
٥٨
عن وهب بن منبه -من طريق عطاء بن مسلم- قال: كلَّم الله موسى في ألفِ مقام، فكان كلَّما كلَّمه رأى النورَ على وجهه ثلاثة أيام. قال: وما قَرِبَ موسى امرأةً منذُ كلَّمه ربُّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٨، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٥٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٥٩
عن أبي الحُوَيْرِث عبد الرحمن بن معاوية -من طريق أبي معشر- قال: إنّما كلَّم الله موسى بقدر ما يُطيقُ من كلامه، ولو تكلَّم بكلامِه كلِّه لم يُطِقْه شيءٌ، فمكث موسى أربعين ليلةً لا يراه أحدٌ إلا مات مِن نور ربِّ العالمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٨، والحاكم ٢‏/‏٥٧٦ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦٠
عن [محمد] بن عَجْلان -من طريق بكر بن مضر- قال: كلَّم الله موسى بالألسنة كلِّها، وكان فيما كلَّمه لسانُ البربرِ، فقال كلِمتَه بالبربرية: أنا الله الكبيرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٨. وقد أورد السيوطي ٦‏/‏٥٤٤– ٥٥٤ آثارًا عديدة عن بعض ما كلَّم به موسى عليه السلام ربَّه.

آثار متعلقة بالآية

٥ أقوال
١
عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: «لا تُخَيِّروني من بين الأنبياء؛ فإنّ الناس يُصْعَقُون يوم القيامة، فأكون أول مَن يُفِيقُ، فإذا موسى آخِذٌ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاقَ قَبْلَي أم جُزِي بصعقة الطور؟»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏١٥٣-١٥٤ (٣٣٩٨)، ٦‏/‏٥٩ (٤٦٣٨)، ٩‏/‏١٣ (٦٩١٧) واللفظ له، ومسلم ٤‏/‏١٨٤٥ (٢٣٧٤).
٢
عن ابن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك-، عن النبيِّ ﷺ: «إنّ الله -تبارك وتعالى- ناجى موسى عليه السلام بمائة ألفٍ وأربعين ألفَ كلمةٍ في ثلاثة أيام، فلمّا سمِع موسى كلام الآدميين مقَتَهم؛ لِما وقَع في مسامعِه مِن كلام الربِّ عز وجل، فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، إنّه لم يتصنَّع المُتَصَنِّعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرَّبْ إلَيَّ المتقرِّبون بمثل الورع عما حرَّمتُ عليهم، ولم يتعبَّدِ المتعبِّدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا ربِّ، ويا إلهَ البَرِيَّةِ كلِّها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام، ماذا أعددتَ لهم، وماذا جزَيْتَهم؟ قال: أمّا الزاهدون في الدنيا فإنِّي أُبيحُهم جنتي حتى يتبوَّءوا فيها حيثُ شاءوا، وأما الوَرِعون عما حرَّمتُ عليهم فإذا كان يومُ القيامة لم يبقَ عبدٌ إلا ناقَشْتُه الحسابَ، وفتَّشْتُ عما في يديه، إلا الورِعون؛ فإنِّي أستَحْيِيهم، وأُجِلُّهم، وأُكرِمُهم، وأدخِلُهم الجنة بغير حساب، وأمّا الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى، لا يُشاركُهم فيه أحد»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏١٢٠ (١٢٦٥٠)، والبيهقي في الشعب ١٣‏/‏١١٨-١١٩ (١٠٠٤٧). قال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٠٣ (١٣٧٧٦): «رواه الطبراني، وفيه جُوَيْبِر، وهو ضعيف جِدًّا».
٣
عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ ﷺ، قال: «يوم كلَّم الله موسى كان عليه جُبَّةُ صوفٍ، وكساءُ صوف، وسراويلُ صوفٍ، وكُمَّةُ١ صوفٍ، ونعلان من جلد حمار غير ذكيٍّ»٢
التخريج
  1. ١الكُمَّة: القَلَنسُوَة. لسان العرب (كمم).
  2. ٢أخرجه الترمذي ٣‏/‏٥٢٦-٥٢٧ (١٨٣١)، والحاكم ١‏/‏٨١ (٧٦)، ٢‏/‏٤١١ (٣٤٣١)، وابن جرير ١٦‏/‏٢٥، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٥‏/‏١٥٣ (٩٦٠). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج». وقال ابن جرير: «في إسناده نظر، يجب التثبت فيه». وقال الحاكم في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «بل ليس على شرط البخاري». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٥‏/‏٢٨١٠ (٦٥٩٠): «رواه حميد بن علي، وقيل: ابن عطاء الكوفي الأعرج، عن عبيد الله بن الحارث، عن ابن مسعود. وحميد هذا ضعيف، لا يُتابَع عليه». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٣٨٩ (١٢٤٠): «ضعيف جِدًّا».
٤
عن عبد الله بن مسعود، قال: لَمّا قُرِّبَ موسى نَجِيًّا أبصَر في ظلِّ العرش رجلًا، فغَبَطه بمكانه، فسَأَل عنه، فلم يُخبَرْ باسمه، وأُخبِرَ بعمله، فقال له: هذا رجلٌ كان لا يحسُدُ الناس على ما آتاهم الله مِن فضله، بَرٌّ بالوالدين، لا يمشي بالنميمة. قال: فقال الله: يا موسى، ما جئتَ تطلب؟ قال: جئتُ أطلبُ الهدى، يا ربِّ. قال: قد وجدتَ، يا موسى. قال: ربِّ، اغفِرْ لي ما مضى من ذنوبي، وما غبَر، وما غبَر، وما بين ذلك، وما أنت أعلمُ به مِنِّي، وأعوذ بك مِن وسوسة نفسي وسوءِ عملي. فقيل له: قد كُفِيتَ، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ العملِ أحَبُّ إليك أن أعملَه؟ قال: اذكُرْني، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أتْقى؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينساني. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنعُ بما يؤتى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبِعُ الهوى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلبُ علم الناس إلى علمِه، لعله يسمعُ كلمةً تدُلُّه على هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أحبُّ إليك عملًا؟ قال: الذي لا يكذبُ لسانُه، ولا يزني فرجُه، ولا يَفجُرُ قلبُه. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: قلبٌ مؤمن في خُلُق حَسَن. قال: ربِّ، أيُّ عبادِك أبغضُ إليك. قال: قلبٌ كافرٌ في خُلُقٍ سَيِّء. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: جِيفةٌ بالليل بطّالٌ بالنهار١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى آدم بن أبي إياس في كتاب العلم.
٥
عن محمد بن كعب القرظيِّ -من طريق عمر بن حمزة- قال: قيل لموسى عليه السلام: ما شبَّهتَ كلام ربِّك مِمّا خلَق؟ فقال موسى: الرَّعد الساكنُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٦٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

تفسير الآية

٢١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لَمّا تجلى الله لموسى تَطايَرَتْ سبعةُ أجبال؛ ففي الحجاز منها خمسةٌ، وفي اليمن اثنان؛ في الحجاز: أُحُدٌ، وثَبيرٌ، وحراءٌ، وثَورٌ، ووَرِقانُ، وفي اليمن: حَضُورٌ، وصَبِيرٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏١٥٨ (٨٢٦٣) بلفظ: (وفي اليمن: حصور، وصبير). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢٤ (١١٠١٧): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه طلحة بن عمرو المكي، وهو متروك».
٢
عن معاوية بن قُرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «فلمّا تجلّى ربُّه للجبل طارت لعظمته سِتَّةُ أجْبُلٍ، فوقعن بالمدينة: أحدٌ، ووَرِقانُ، ورضوى، ووقع بمكة: ثَوْرٌ، وثبير، وحِراءٌ»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الحلية.
٣
عن عليِّ بن أبي طالب، في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾، قال: أسْمَعَ موسى، قال له: إنِّي أنا الله. قال: وذاكَ عَشِيَّةَ عَرَفَة، وكان الجبل بالموقف، فانقطع على سبع قطع؛ قطعةٌ سقطت بين يديه، وهو الذي يقوم الإمامُ عنده في الموقف يوم عرفة، وبالمدينة ثلاثةٌ: طيبة، وأحدٌ ورضوى، وطور سيناء بالشام، وإنما سُمِّي: الطور؛ لأنه طار في الهواء إلى الشام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿جعله دكًا﴾، قال: ترابًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٤٢) في معنى: ﴿دكًّا﴾ أن «الدكّاء: الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى: جعله أرضًا دكاءَ تشبيهًا بالناقة». ثم ذكر أقوالًا في كيفية دكِّه، فقال: «فرُوِي أنّه ذهب الجبل برُمَّته. وقيل: ذهب أعلاه، وبقي أكثره. وروي: أنّ الجبل تفتَّت وانسحق حتى صار غبارًا تذروه الرياح».
٥
عن أبي عمران الجوني، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠.
٦
عن مسروق بن الأجدع الهمداني: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، صار صخرًا ترابًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨.
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد بن حازم- أنّه كان يقرأُ هذا الحرفَ: ‹فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّآءَ›١. قال: كان حجرًا أصمَّ، فلمّا تجلى له صار تَلًّا ترابًا، دكّاءُ من الدَّكّاواتِ٢
التخريج
  1. ١ينظر ابن جرير ١٠‏/‏٤٣١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣١ وفيه: صار صخره ترابًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨
قال الحسن البصري: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، أي: ذاهِبًا أصلًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨.
٩
قال الحسن البصري: أوحى الله تعالى إلى الجبل: هل تطيق رؤيتي. فغار الجبل، وساخ في الأرض، وموسى ينظر حتى ذهب أجمع١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨.
١٠
قال عطية بن سعد العوفي: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، أي: رملًا هائلًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٨.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿جعله دكا﴾، قال: دَكَّ بعضُه بعضًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٣٦، وابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿جعله دكا﴾، قال: تَقَعَّر بعضُه على بعض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨. وعند يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٤١- بلفظ: تفتَّت الجبلُ بعضُه على بعض.
١٣
عن عُرْوة بن رُوَيْم -من طريق حُصين بن غلاق- قال: كانت الجبالُ قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًّا مُلْسًا؛ ليس فيها كهوفٌ ولا شقوقٌ، فلمّا تجلى الله لموسى على الطور صار الطُّورُ دَكًّا، وتفَطَّرت الجبال، فصارت فيها هذه الكهوف والشقوق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠-١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا﴾، وذلك أنّ الجبل حين كُشِف الغطاء، ورأى النور؛ صار مثلَ دَكٍّ مِن الدِّكاكِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٠.
١٥
عن سليمان بن مهران الأَعْمَشِ -من طريق عبيد الله بن زَحْرٍ- في قوله: ﴿دكا﴾، قال: الأرض المستوية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١.
١٦
عن أبي بكر الهذلي -من طريق حجاج- ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾: انقَعَرَ، فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨.
١٧
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، أي: كِسَرًا جِبالًا صِغارًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٧٨.
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ يعني: قِطَعًا، فصار الجبلُ دَكًّا، يعني: قِطَعًا على ستة فرق، فوقع ثلاثةٌ بأجبل مكة: ثبير، وغار ثور، وحزن١. ووقع بالمدينة: رضوى، وورقان، وجبل أحد. فذلك قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾٢
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، ولعله تصحَّف من: حراء.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦١-٦٢.
١٩
عن سفيان الثوري -من طريق ابن المبارك- في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾، قال: ساخ الجبلُ في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يَذْهَبُ بَعْدُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٢٨، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وفي تفسير سفيان الثوري ص١١٣: بعضه ذهب في البحور، وبعضه هصر، يعني: الجبل لما تجلى ربه.
٢٠
عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لَمّا تجلى الله للجبل طارت لعظمته سِتَّةُ أجْبُلٍ، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أُحُدٌ، ووَرِقانُ، ورَضْوى، وبمكة: حِراءٌ، وثَبِيرٌ، وثَوْرٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ١‏/‏٧٩، وأبو نعيم في الحلية ٦‏/‏٣١٤-٣١٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٠ (٨٩٣٩). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٢٧٨. قال ابن حبان في المجروحين ١‏/‏٢١١ (١٧٦) في ترجمة جلد بن أيوب: «موضوع، لا أصل له». وقال أبو نعيم: «غريب من حديث معاوية بن قرة والجلد، ومعاوية الضال تفرد به عنه محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي». وقال الخطيب في تاريخه ١٢‏/‏٢٠٠ (٣٥٢٩): «هذا الحديث غريب جدًّا». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٧١ عن رواية ابن أبي حاتم: «هذا حديث غريب، بل منكر». وقال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة ١‏/‏١٤٣ عن رواية الخطيب: «وفيه عبد العزيز بن عمران، متروك». وقال الألباني في الضعيفة ١‏/‏٣٠٠ (١٦٢): «موضوع».
٢١
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «لَمّا تجلى الله تعالى لموسى كان يُبْصِرُ دَبيبَ النملة على الصَّفا في الليلة الظَّلماء، من مسيرة عشرة فَراسِخَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الصغير ١‏/‏٦٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. قال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٠٣: «رواه الطبراني في الصغير، وفيه [الحسن] بن [جعفر] الحفري، وهو متروك». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٧٣: «وفي صحّته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى منتهاه».

قراءات

قولانِ
١
عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ قرأ: ‹فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّآءَ› مُثَقَّلةً ممدودةً١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وهي قراءة متواترة، قرأ بها حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وقرأ بقية العشرة: ﴿دَكًّا﴾ مُنونًا من غير همز. انظر: النشر ٢‏/‏٢٧٢، والإتحاف ص٢٨٩.
٢
عن أنس، أنّ النبي ﷺ قرأ: ﴿دَكًّا﴾ منونة ولم يمده١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٦١ (٢٩٤٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط مسلم».
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (١٠/ ٤٣٠) قراءة ﴿دَكًّا﴾ بأنها «بمعنى: دكَّ الله الجبل دكًّا أي: فتَّته، واعتبارا بقول الله: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ [الفجر: ٢١]، وقوله: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤]، ثم ذكر (١٠/ ٤٣١) الخلاف في توجيه قراءة ‹دَكَّآءَ› فقال:».. قال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: ناقة دكّاء: ليس لها سنام، وقال: الجبل مُذكَّر، فلا يشبه أن يكون منه إلا أن يكون: جعله مِثْل دكّاء، حذف مثل، وأجراه مجرى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضًا دكاء، ثم حذفت الأرض وأقيمت الدكاء مقامها إذْ أدَّت عنها"". ثم رَجَّح (١٠/ ٤٣٢) مستندًا إلى السنة فقال: «وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأ: ‹جَعَلَهُ دَكَّآءَ› بالمد، وترك الجر لدلالة الخبر الذي رَويناه عن رسول الله ﷺ على صحته [وهو حديث أنس المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾]. وذلك أنه رُوي عنه ﷺ أنه قال: «فساخ الجبل»، ولم يقل: فتفتت، ولا تحوَّل ترابًا. ولا شك أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها، وصارت دكّاء بلا سنام. وأما إذا دُكَّ بعضُه فإنما يكسِرُ بعضه بعضًا ويتفتت ولا يسوخ. وأما الدكّاء فإنها خَلَفٌ من الأرض، فلذلك أُنِّثت على ما قد بيَّنتُ».
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني.. وأنا (أول المؤمنين)﴾؛ أي أنا أول من آمن أن الله لا يُرى في الدنيا.

    — فرائد قرآنية

  • ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكّا ﴾ لعظمته و جلالة قدره تصدع حجر أصم فما بال قلوبنا وهي من لحم ودم ؟!!"

    — حاتم بن صالح المالكي

  • إن موسى سأل أجلَّ الأشياء فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، وسأل أقل الأشياء فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ؛ فنحن أيضا نسأل الله أجل الأشياء وهي خيرات الآخرة، وأقلها وهي خيرات الدنيا فنقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) .

    — الرازي

  • (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا)، وكما في الصحيحين: «إذا قام أحدكم يصلي فإن الله قبل وجهه»( أخرجه البخاري ح(٧٥٣) ومسلم ح ( ٣٠٠٨) ). جبل في لحظة يندك .. وعين حتى اللحظة لم تبك! إن خشوع صلاتك في استشعار معنى أن (الله) بينك وبين قبلتك.

    — عصام العويد

  • "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا.." إنه الجلال والجمال ، وإنها العظمة التي لا تتماسك أمامها الجبال. "سبحانك.."

    — مجالس التدبر

  • المحافظة على المواعيد من سمات الصادقين { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا }

    — مجالس التدبر

  • الأوَّلية في الطريق إلى الله منقبة.

    — ميساء سمير الجارودي

  • * (قَالَ لَن تَرَانِي) ولم يقل لن أُرى لأنه يخاطب شخصاً معيناً وفي هذه الحياة الدنيا أنت لا قابلية لك لرؤيتي، أنت لا تطيق رؤيتي، ولو قال لن أُرى يعني لن أُرى في الدنيا والآخرة، وهنالك أحاديث أن ربنا سبحانه وتعالى يُرى في الآخرة، يقول ربنا من أشد العذاب (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) ومن أعلى الجزاء (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) .

    — مختصر لمسات بيانية

  • فروق في الصيغ بين سورتي "الأعراف" و "الإسراء": (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) * ففي سورة " الاسراء" لم يذكر موسى عليه السلام باسمه بل ذكر عبدنا كما فعل في هذه السورة: -حيث قال (أَسْرَى بِعَبْدِهِ) لم يقل بمحمد ولم يقل بالرسول ليدل على أن الإنسان مهما عظم ومهما كبر فلا يعدو أن يكون عبداً لله، وهذا مقام تشريف ولا ينبغي لأحد أن يتعالى ويدّعي أنه أرفع من سائر العباد ولئلا يعظم محمد على غير ما ينبغي فيُدعى له منزلة أعلى من العبودية فهو عبد وأعلى وسام للخلق هو مقام العبودية، فربنا تعالى لما أثنى على نوح قال (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (۳)) وعلى أيوب قال (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) ص). وأما في" الأعراف" : - لما ذكر ربنا موسى عليه السلام عند المناجاة ذكره باسمه ولم يقل عبدنا موسى ولا الرسول موسى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) كان عاقبة ذلك أن خر موسى صعقاً لو قال عبدنا كيف يخر صعقاً؟ فذكره باسمه العلم (وَخَرَّ موسَى صَعِقًا) لم يقل وخر عبدنا موسى هذه ليست مناسبة لمقام التكريم وكأن مقام العبودية عند الله سبحانه وتعالى مقام عظيم.. ذكر عبد أقوى من ذكر الاسم المجرد

    — مختصر لمسات بيانية

  • * الفرق بين استعمال كلمة الجبل والطور في سورة "الأعراف" وسورتي "البقرة "و "النساء": من حيث التقديم والتأخير هو قائم على الاهتمام الذي يقتضيه سياق الآيات : في آية سورة النساء وكذلك في سورة البقرة (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(٦۳)) فوقكم/ فوقهم أهمّ من الطور نفسه حيث يستمر الكلام بعدها عن بني إسرائيل ولم يذكر عن الطور شيئاً آخر في سورة البقرة أو النساء لذا قدّم فوقهم / فوقكم على الطور للأهمية. أما آية سورة الأعراف (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(١٧١)) فالجبل أهم من فوقهم، ووصف تعالى الجبل كأنه (ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ) وهذا كله له علاقة بالجبل وبعدها انتهى الكلام عن بني إسرائيل ولم يذكر أي شيء عنهم، فالجبل في الأعراف أهمّ. لذا قدّم الجبل. الجبل هو اسم لما طال وعظُم من أوتاد الأرض والجبل أكبر وأهم من الطور من حيث التكوين. النتق أشد وأقوى من الرفع الذي هو ضد الوضع. ومن الرفع أيضاً الجذب والاقتلاع وحمل الشيء والتهديد للرمي به وفيه إخافة وتهديد كبيرين ولذلك ذكر الجبل في آية سورة الأعراف لأن الجبل أعظم ويحتاج للزعزعة والإقتلاع وعادة ما تُذكر الجبال في القرآن في موقع التهويل والتعظيم ولذا جاء في قوله تعالى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤۳)) ولم يقل الطور. إذن النتق والجبل أشد تهديداً وتهويلاً.

    — مختصر لمسات بيانية

  • فروق في الصيغ بين سورتي "الأعراف" و "الأنعام" : * قال تعالى في الأنعام (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) وفى سورة الأعراف (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) : ف آية الأنعام: قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام في آل عمران (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(٦٧)) وفى وصيته لبنيه (.. يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(١۳۲)البقرة)، وقال سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (٩٠)الأنعام) فلما قال تعالى في الأنعام (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فإن قوله صلى الله عليه وسلم (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) وعمله بما أمر به هؤلاء الصفوة الأخيار هو الاستسلام بالظاهر والباطن، فيندرج تحته الإيمان الذي هو التصديق. وأما آية الأعراف: القائل موسى عليه السلام حين استعجل وسأل الرؤية وظن أنها جائزة ممكنة فى الدنيا فلم يسأل عليه السلام محالًا، فقال له ربه تعالى لن تراني فى الدنيا وأمره أن ينظر إلى الجبل وأراه تلك الآية العظمى وصار الجبل دكًّا وخر موسى صعقًا فلما أفاق قال (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) لا من معصية ولا جهل بربه، وهو أعلم الخلق بما يجوز عليه تعالى وما يستحيل ثم قال (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) أى أول المصدقين بأنك لا ترى فى الدنيا ولم تأت (أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) لأن ذلك الوصف حاصل له عليه السلام ضمن الأنبياء المصطفين كما تقدم.

    — مختصر لمسات بيانية

  • برنامج لمسات بيانية سورة الأعراف آية 143

    — فاضل السامرائي

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٤٣ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(143) And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,[401] but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,[402] and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."[403]
[401]- That no one can see Allāh in this life.
[402]- It crumbled to dust.
[403]- This is a severe warning from Allāh against rebellion.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال