اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿يا موسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس﴾. الاصطفاء : استخلاص الصَّفْوَةِ أي : اخترتك واتَّخذتك صفوة على النَّاس.
قال ابنُ عبَّاسٍ :" فَضَّلتُكَ على النَّاسِ(١) ". قرأ(٢) ابن كثير، وأبو عمرو إنِّيَ بفتح الياء، وكذلك ﴿أَخِي اشدد﴾ [طه: ٣٠، ٣١].
قوله برسالاتي أي : بسبب.
وقرأ الحرميَّان(٣) : برِسالتِي بالإفراد، والمُرادُ به المصدر، أي : بإرْسَالي إيَّاك، ويجوزُ أن يكون على حذفِ مضاف، أي : بتبليغ رسالتي. والرِّسالةُ : نَفْسُ الشَّيء المرسل به إلى الغير.
وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواعِ، وقد تقدَّم ذلك في المائدةِ والأنعام.
قال القرطبيُّ(٤) : ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالةِ فاختلف أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه ؛ كقوله :﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ [لقمان: ١٩] واختلاف المصوتين، ووحَّدَ في قوله : لصوتُ لما أراد به جنساً واحداً من الأصوات.
قوله :" وَبِكلامي " هي قراءة العامَّةِ، فيحتملُ أن يُرادَ به المصدرُ، أي : بتكليمي إيَّاكَ، كقوله :﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله :[ الطويل ]
. . . *** تُكَلِّمنِي فيها شِفَاءٌ لِمَا بِيَا(٥)
أي : بتكليمي إيَّاهَا، ويحتملُ أن يراد به التَّوراة، وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن " كلام الله " تسميةً للشيء بالمصدر. وقدَّم الرِّسالةَ على الكلام ؛ لأنَّها أسبق، أو ليترقَّى إلى الأشرفِ، وكرَّر حرف الجرِّ، تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء.
وقرأ الأعمش(٦) :" بِرِسَالاتِي وبِكلمِي " جمع " كلمة " وروى عنه المهدويُّ(٧) أيضاً " وتكليمي " على وزن التَّفعيل، وهي تؤيِّدُ أنَّ الكلامَ مصدرٌ.
وقرأ أبو رجاء(٨) " بِرِسالتِي " بالإفراد و " بِكَلِمي " بالجمع، أي : وبسمَاع كلمي.
لما طلب موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها.
كأنَّهُ قال له : إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النِّعَمِ العظيمة كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُكَ بسبب منع الرُّؤيةِ، وانظر إلى أنواع النِّعمِ التي خَصَصْتُك بها واشتغل بشكرها، والمراد : تسليةُ موسى - عليه الصلاة والسلام - عن منع الرؤية.
فإن قيل : كيف اصطفاهُ على النَّاسِ برسالاته مع أنَّ كثيراً من النَّاسِ قد سَاوَاهُ في الرسالةِ ؟ فالجوابُ : أنَّهُ تعالى بيَّن أنَّهُ خصَّهُ من دون النَّاسِ بمجموع الأمرين : وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموع لم يحصل لغيره، وإنَّما قال :" عَلَى النَّاسِ " ولم يقل : على الخلق ؛ لأنَّ الملائكة تسمع كلام اللَّهِ من غير واسطة كما سمعه موسى.
قال القرطبيُّ :" وَدَلَّ هذا على أنَّ قومه لم يشاركه أحدٌ منهم في التَّكليم ولا أحد من السَّبعين ".
وقوله :﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أي : اقْنَعْ بما أعطيتك. ﴿وَكُنْ مِّنَ الشاكرين﴾، أي : المظهرين لإحسانِي إليك، وفضلي عليك.
يقال : دَابَّةٌ شكورٌ، إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعْطَى من العَلَف، والشَّاكِرُ متعرض للمزيد ؛ كما قال تعالى :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
قال ابنُ عبَّاسٍ :" فَضَّلتُكَ على النَّاسِ(١) ". قرأ(٢) ابن كثير، وأبو عمرو إنِّيَ بفتح الياء، وكذلك ﴿أَخِي اشدد﴾ [طه: ٣٠، ٣١].
قوله برسالاتي أي : بسبب.
وقرأ الحرميَّان(٣) : برِسالتِي بالإفراد، والمُرادُ به المصدر، أي : بإرْسَالي إيَّاك، ويجوزُ أن يكون على حذفِ مضاف، أي : بتبليغ رسالتي. والرِّسالةُ : نَفْسُ الشَّيء المرسل به إلى الغير.
وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواعِ، وقد تقدَّم ذلك في المائدةِ والأنعام.
قال القرطبيُّ(٤) : ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالةِ فاختلف أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه ؛ كقوله :﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ [لقمان: ١٩] واختلاف المصوتين، ووحَّدَ في قوله : لصوتُ لما أراد به جنساً واحداً من الأصوات.
قوله :" وَبِكلامي " هي قراءة العامَّةِ، فيحتملُ أن يُرادَ به المصدرُ، أي : بتكليمي إيَّاكَ، كقوله :﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله :[ الطويل ]
. . . *** تُكَلِّمنِي فيها شِفَاءٌ لِمَا بِيَا(٥)
أي : بتكليمي إيَّاهَا، ويحتملُ أن يراد به التَّوراة، وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن " كلام الله " تسميةً للشيء بالمصدر. وقدَّم الرِّسالةَ على الكلام ؛ لأنَّها أسبق، أو ليترقَّى إلى الأشرفِ، وكرَّر حرف الجرِّ، تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء.
وقرأ الأعمش(٦) :" بِرِسَالاتِي وبِكلمِي " جمع " كلمة " وروى عنه المهدويُّ(٧) أيضاً " وتكليمي " على وزن التَّفعيل، وهي تؤيِّدُ أنَّ الكلامَ مصدرٌ.
وقرأ أبو رجاء(٨) " بِرِسالتِي " بالإفراد و " بِكَلِمي " بالجمع، أي : وبسمَاع كلمي.
فصل
لما طلب موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها.
كأنَّهُ قال له : إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النِّعَمِ العظيمة كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُكَ بسبب منع الرُّؤيةِ، وانظر إلى أنواع النِّعمِ التي خَصَصْتُك بها واشتغل بشكرها، والمراد : تسليةُ موسى - عليه الصلاة والسلام - عن منع الرؤية.
فإن قيل : كيف اصطفاهُ على النَّاسِ برسالاته مع أنَّ كثيراً من النَّاسِ قد سَاوَاهُ في الرسالةِ ؟ فالجوابُ : أنَّهُ تعالى بيَّن أنَّهُ خصَّهُ من دون النَّاسِ بمجموع الأمرين : وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموع لم يحصل لغيره، وإنَّما قال :" عَلَى النَّاسِ " ولم يقل : على الخلق ؛ لأنَّ الملائكة تسمع كلام اللَّهِ من غير واسطة كما سمعه موسى.
قال القرطبيُّ :" وَدَلَّ هذا على أنَّ قومه لم يشاركه أحدٌ منهم في التَّكليم ولا أحد من السَّبعين ".
وقوله :﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أي : اقْنَعْ بما أعطيتك. ﴿وَكُنْ مِّنَ الشاكرين﴾، أي : المظهرين لإحسانِي إليك، وفضلي عليك.
يقال : دَابَّةٌ شكورٌ، إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعْطَى من العَلَف، والشَّاكِرُ متعرض للمزيد ؛ كما قال تعالى :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
١ ذكره الرازي في تفسيره ١٤/١٩٠ عن ابن عباس..
٢ ينظر: إتحاف ٢/٦٢..
٣ ينظر: السبعة ٢٩٣، والحجة ٤/٧٧، وإعراب القراءات ١/٢٠٧، وحجة القراءات ٢٩٥، وإتحاف ٢/٦٢..
٤ ينظر: تفسير القرطبي ٧/١٨٧..
٥ عجز بيت لذي الرمة وصدره:
ألا هل إلى مي سبيل وساعة
ينظر ملحقات ديوانه (٦٧٠)، الهمع ٢/٩٥، الدرر ٥/٢٦٣ شرح المفصل ١/٢١، الدر المصون ٣/٣٣٩..
٦ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٨٥، والدر المصون ٣/٣٤٠..
٧ ينظر: السابق..
٨ السابق..
٢ ينظر: إتحاف ٢/٦٢..
٣ ينظر: السبعة ٢٩٣، والحجة ٤/٧٧، وإعراب القراءات ١/٢٠٧، وحجة القراءات ٢٩٥، وإتحاف ٢/٦٢..
٤ ينظر: تفسير القرطبي ٧/١٨٧..
٥ عجز بيت لذي الرمة وصدره:
ألا هل إلى مي سبيل وساعة
ينظر ملحقات ديوانه (٦٧٠)، الهمع ٢/٩٥، الدرر ٥/٢٦٣ شرح المفصل ١/٢١، الدر المصون ٣/٣٣٩..
٦ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٨٥، والدر المصون ٣/٣٤٠..
٧ ينظر: السابق..
٨ السابق..