تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي : سأمنع فهم(١) الحجج والأدلة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي، ويتكبرون على الناس(٢) بغير حق، أي : كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل، كما قال تعالى :﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى :﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]
وقال بعض السلف : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر.
وقال آخر : من لم يصبر على ذل التعلم ساعة، بقي في ذل الجهل أبدا.
وقال سفيان بن عُيَينة في قوله :﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال : أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.
قال ابن جرير : وهذا يدل على أن هذا خطاب لهذه الأمة(٣)
قلت : ليس هذا بلازم ؛ لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم.
وقوله :﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ كما قال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
وقوله :﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أي : وإن ظهر لهم سبيل الرشد، أي : طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا.
ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي : كذبت بها قلوبهم، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي : لا يعلمون شيئًا مما فيها.
١ في أ: "منهم".
.

٢ في أ: "على الله"..
٣ تفسير الطبري (١٣/١١٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى