جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ إِنّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل، رجع غضبان أسفا، لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومُه، وأن السامريّ قد أضلهم، فكان رجوعه غضبان أسفا لذلك. والأسف : شدّة الغضب والتغيظ به على من أغضبه. كما :
حدثني عمران بن بكار الكُلاعي، قال : حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي، قال : ثني شريح بن يزيد، قال : سمعت نصر بن علقمة، يقول : قال أبو الدرداء : قول الله : غَضْبانَ أسِفا، قال : الأسف : منزلة وراء الغضب أشدّ من ذلك، وتفسير ذلك في كتاب الله : ذهب إلى قومه غضبان، وذهب أسفا.
وقال آخرون في ذلك ما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أَسِفا قال : حزينا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا يقول : أسفا حزينا. وقال في الزخرف فلمّا آسفُونَا يقول : أغضبونا. والأسف على وجهين : الغضب والحزن.
حدثنا نصر بن عليّ، قال : حدثنا سليمان بن سليمان، قال : حدثنا مالك بن دينار، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا قال : غضبان حزينا.
وقوله قال : بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يقول : بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم وأوليتموني فيمن خلفت من ورائي من قومي فيكم وديني الذي أمركم به ربكم. يقال منه : خلفه بخير وخلفه بشرّ إذا أولاه في أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرّا. وقوله : أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبّكُمْ يقول : أسبقتم أمر ربكم في نفوسكم، وذهبتم عنه ؟ يقال منه : عجل فلان هذا الأمر : إذا سبقه، وعجل فلانٌ فلانا إذا سبقه، ولا تعجَلني يا فلان : لا تذهب عني وتدعني، وأعجلته : استحثثته.

القول في تأويل قوله تعالى : وألْقَى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمّ إنّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي.


يقول تعالى ذكره : وألقى موسى الألواح. ثم اختلف أهل العلم في سبب إلقائه إياه، فقال بعضهم : ألقاها غضبا على قومه الذي عبدوا العجل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال : ثني سعيد بن جبير، قال : قال ابن عباس : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب.
وحدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : حدثنا ابن عيينة، قال : قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما رجع موسى إلى قومه، وكان قريبا منهم، سمع أصواتهم فقال : إني لأسمع أصوات قوم لاهين. فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أخذ موسى الألواح ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، فقال : يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبّكُمْ وَعْدا حَسَنا. إلى قوله : فكذَلكَ ألْقَى السّامِرِيّ ف ألْقَى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأَسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ قال يا ابْنَ أُمّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرأسِي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، ألقى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته يقول : ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ؟.
وقال آخرون : إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه، فاشتدّ ذلك عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيدُ، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أخَذَ الألْوَاحَ قال : رَبّ إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون : أي آخرون في الخلق، سابقون في دخول الجنة، ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، وكان مَن قبلَهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه قال قتادة : وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم قال : ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأوّل وبالكتاب الاَخِر، ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ثم يؤجرون عليها، وكان مَن قبلهم من الأمم إذا تصدّق بصدقة فقبلت منه، بعث الله عليهم نارا فأكلتها، وإن ردّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع، قال : وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم، قال : ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، ربّ اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : ربّ إني أجد في الألواح أمة هم المشفّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : وذكر لنا أن نبيّ الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال : اللهمّ اجعلني من أمة أحمد قال : فأُعطي نبيّ الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبيّ، قال الله : يا مُوسَى إنّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ برِسالاتي وبِكَلامي قال : فرضي نبي الله. ثم أُعطي الثانية : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يَهْدُونَ بالحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال : فرضي نبيّ الله ﷺ كلّ الرضا.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : لما أخذ موسى الألواح، قال : يا ربّ إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد. قال : يا ربّ إني أجد في الألواح أمة هم الاَخرون السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد، ثم ذكر نحو حديث بشر بن معاذ، إلا أنه قال في حديثه : فألقى موسى عليه السلام الألواح وقال : اللهمّ اجعلني من أمة محمد ﷺ.
والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجلَ لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أخبر في كتابه، فقال : وَلمّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفا بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبّكُمْ وألْقَى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ وذلك أن الله لما كتب لموسى عليه السلام في الألواح التوراة، أدناه منه حتى سمع صريف القلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي عمارة، عن عليّ عليه السلام قال : كتب الله الألواح لموسى عليه السلام وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.
قال : ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : أدناه حتى سمع صريف الأقلام.
وقيل : إن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وكان فيما رفع تفصيل كلّ شيء الذي قال الله : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قال الله : أخذَ الألْواحَ وفي نُسخِتها هُدًى وَرَحْمَةٌ للّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبونَ. وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وِقر بعير يقرأ منها الجزء في سنة كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا محمد بن خالد المكفوف، قال : حدثنا عبد الرحمن، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر : موسى بن عمران، وعيسى، وعُزير، ويوشع بن نون صلوات الله عليهم.
واختلفوا في الألواح، فقال بعضهم : كانت من زمرّد أخضر. وقال بعضهم : كانت من ياقوت. وقال بعضهم : كانت من برَد. ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك :
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال : أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ألقى موسى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها. قال : ابن جريج : وأخبرني أن الألواح من زبرجد وزمرّد من الجنة.
وحدثني موسى بن سهل الرملي وعليّ بن داود وعبد الله بن أحمد بن شبويه وأحمد بن الحسن الترمذي، قالوا : أخبرنا آدم العسقلاني، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال : كانت ألواح موسى عليه السلام من بَرَد.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن أبي الجنيد، عن جعفر بن أبي المغيرة، قال : سألت سعيد بن جبير عن الألواح من أيّ شيء كانت ؟ قال : كانت من ياقوتة كتابة الذهب كتبها الرحمن بيده، فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.
حدثني الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن أبي الوضاح، عن خصِيف، عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال : كانت الألواح زمرّدا، فلما ألقى موسى الألواح بقي الهدى والرحمة، وذهب التفصيل.
قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا الأشجعي، عن محمد بن مسلم، عن خَصيف، عن مجاهد، قال : كانت الألواح من زمرّد أخضر.
وزعم بعضهم أن الألواح كانت لوحين، فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قيل : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ وهما لوحان، كما قيل : فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ وهما أخوان.
وأما قوله : وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرّهُ إلَيْهِ فإن ذلك من فعل نبيّ الله ﷺ كان لموجدته على أخيه هارون في تركه اتباعه وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه، كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل موسى عليه السلام له : ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلّوا ألاّ تَتّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي ؟ حين أخبره هارون بعذره، فقبل عذره، وذلك قيله لموسى : لا تَأْخ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى